![]()
ما من أمة سارت في دروب التاريخ إلا وخلفت وراءها ظلالا من الأساطير، كما تخلف الأشجار ظلالها إذا مالت بها الشمس إلى المغيب. فالتاريخ لا يكتب بالحوادث وحدها، وإنما تكتبه أيضا أوهام البشر، وأحلامهم، ومخاوفهم، وما ينسج الخيال في ساعات العجز حين يعجز العقل عن تفسير المجهول. فإذا أجدبت الأرض من العلم، أينعت فيها شجرة الخرافة، وإذا غاب نور المعرفة، استيقظت في العقول أشباح الوهم، تتناقلها الألسن حتى تغدو عند كثير من الناس من مسلمات الحياة. وتلك سنة جرت على الأمم جميعا، لم تسلم منها حضارة في مهدها، ولا مجتمع في بدايات يقظته؛ ولم يكن المجتمع النوبي، على عراقة تاريخه وأصالة حضارته، بمنأى عن هذه السنة الإنسانية التي لا يبدد ظلمتها إلا إشراق العلم، ولا يمحو آثارها إلا سلطان العقل وهدي الإيمان.
كانت النوبة، شأنها شأن سائر المجتمعات في أطوارها الأولى، تعيش زمنا لم يكن العلم قد بسط فيه جناحيه على كل ربوعها، ولا كانت منابر الوعظ والإرشاد قد بلغت كل قرية ووادي، فوجد الخيال متسعا يسكن إليه الناس، وأفسح الجهل للخرافة مقاما تتربع فيه على العقول. فراح الناس يتناقلون روايات ولدتها الدهشة، ورباها التكرار، وأضفى عليها الزمن مهابة حتى غدت عند فريق منهم أقرب إلى اليقين منها إلى الظن. ولم تكن تلك الأساطير إلا صدى لحيرة الإنسان أمام ما استعصى على فهمه، ومحاولة بريئة لملء الفراغ الذي يتركه غياب المعرفة؛ إذ إن النفس البشرية تأبى أن تقف حائرة أمام المجهول، فإن لم تجد نور العلم، استعاضت عنه بسراب الوهم، وإن لم تهتدي إلى برهان العقل، آوت إلى حكاية الخيال.
وإن من أعجب ما حفظته الذاكرة الشعبية، وما تناقلته الألسن في مجالس السمر على ضفاف النيل، رواياتٌ ألبست أصحابها من الخوارق ما لا يملكه بشر، حتى زعم أن في الناس من إذا أشار إلى التمساح خرج من لجج النهر خاضعا مستكينا، ثم ألقى من جوفه من ابتلعه حيّا لم يمسسه سوء، كأن سنن الله في الكون قد عطلت، وكأن نواميس الحياة والموت قد انقادت لإرادة إنسان. ورويت كذلك أخبار لا تقل غرابة، تزعم أن بعضهم كان يقلب التمساح صخرة جامدة، أو يملك من القوى الخفية ما يجعله يتصرف في المخلوقات تصرف السيد في عبده. ولم تكن هذه الروايات، في حقيقتها، إلا ثمرة من ثمار الخيال الشعبي حين يختلط بالجهل، وسرابا يصنعه الوهم حين يغيب نور العلم، حتى غدت، مع طول الترداد، جزءا من الذاكرة الجمعية، تتوارثها الأجيال لا لأنها قامت على برهان أو استندت إلى حقيقة ثابتة، والعياذ بالله أن ينسب إلى الله أو إلى سننه في خلقه ما لا دليل عليه، وإنما لأنها وجدت في النفوس البسيطة أرضا خصبة، يسقيها التكرار، ويغذيها الانبهار، ويبقي عليها غياب المعرفة؛ فالحكاية إذا طال بها العمر اكتسبت من هيبة الزمن ما يجعلها تتجاوز حدود الرواية، حتى تستقر في بعض العقول كأنها من المسلمات، وما هي في حقيقتها إلا أثر من آثار مرحلة مضت، كان الخيال فيها يملأ الفراغ الذي تركه نقص العلم.
ولم تقف الأسطورة عند حدود الحيوان والطبيعة، بل امتدت إلى الإنسان نفسه، فكان يروى عن بعض الأشخاص، أو يشاع في العامة، أنهم أصحاب أسرار لا يبلغها سائر الناس، وأن لهم من الكرامات والتصرفات ما يجاوز حدود المألوف. وأحاطتهم المخيلة الشعبية بهالة من التعظيم، حتى نسبت إليهم أمور لا يشهد لها عقل، ولا يقوم عليها دليل، وغدا بعض البسطاء يعتقدون أن لهم قدرة على جلب النفع، أو دفع الضر، أو كشف الكروب، أو التصرف في مجريات الأمور بقدرات خارقة. ولم يقف أثر ذلك عند حدود الاعتقاد، بل تجاوزه إلى السلوك؛ فكان بعض الناس يتقرب إليهم بما يملكون، فيهبون لهم شيئا من نخيلهم أو محاصيلهم أو أموالهم، ابتغاء بركة موهومة، أو اتقاء بلاء متخيل، أو رجاء منفعة لم يأذن الله أن تكون إلا بأسبابه المشروعة وليس في هذا الحديث انتقاص من مقام أولياء الله الصالحين، فإن الولاية منزلة ربانية لا تنال بالدعوى، ولا تعرف بالألقاب، وإنما يعلم حقيقتها الله سبحانه، وقد جعل ميزانها الإيمان الصادق والتقوى الخالصة، لا ما ينسجه الناس من الحكايات، ولا ما تضفيه العامة من هالات التقديس. وإنما المقصود إنكار ما شاع في بعض البيئات من استغلال عواطف البسطاء، وادعاء الكرامات بغير بينة، واتخاذ التدين وسيلة إلى النفوذ أو الكسب، حتى اختلط في أذهان الناس نور الإيمان بظلمات الدجل، وامتزج صفاء العقيدة بما علق بها من أوهام الموروث الشعبي، حتى جاء العلم الصحيح، وهدي الشريعة، فبددا تلك الغشاوة، وأعادا للعقول ميزانها، وللعقيدة صفاءها، وللإنسان صلته المباشرة بربه، لا وسيط بينه وبين الله، ولا متصرف في الكون إلا خالقه جل وعلا.
ولئن كانت الخرافة لا تنبت إلا في الأرض التي طال عليها ليل الجهل، فإنها لا تملك أن تقف طويلا إذا أطل عليها فجر المعرفة. وهكذا كان شأن النوبة؛ فما إن أخذت مشاعل التعليم تتقد في قراها، وتتابعت المدارس، وامتدت إليها جسور الجامعات، وصدحت منابر العلم والوعظ والإرشاد بكلمة الحق، حتى أخذت تلك الأوهام تنحسر في هدوء، لا صخب فيه ولا ضجيج، كما ينحسر الضباب عن صفحة النيل حين تمسه أول أنفاس الصباح. ولم يكن ذلك التحول وليد يوم أو عام، بل كان ثمرة سنين تعاقبت فيها الأجيال، حتى استقر في النفوس أن الحقيقة لا تستمد سلطانها من شيوعها، وإنما من برهانها، وأن ما قام على الوهم لا يثبت إذا واجهه نور العقل، كما لا يثبت الظل إذا توسطت الشمس كبد السماء. وهكذا، كلما اتسعت ميادين العلم، ضاقت مسالك الخرافة، وكلما ازداد الناس فقها بدينهم وبسنن الحياة، تهاوت دعاوى الدجل، وخبت نار الشعوذة، وانكشف زيف كل من اتخذ من جهل الناس سبيلا إلى الهيبة أو المنفعة. واسترد العقل مكانه الذي أراده الله له، وعادت القلوب تتعلق بخالقها وحده، تعلم أن مقاليد النفع والضر بيده سبحانه، وأن الكون ماضي على سنن أحكمها، لا تبديل لها ولا تحويل، فلا تغيرها دعوى مدعٍ، ولا تخرقها حكاية راوي، ولا تعطلها أمنية واهم. وهكذا انتقل المجتمع، في هدوء الواثق لا في صخب المنتصر، من زمن كان الخيال فيه يملأ فراغ المعرفة، إلى زمن أصبح فيه العلم نورا يبصر به الناس حقائق الأشياء، وأضحى الإيمان الصحيح حصنا يحول بين العقول وبين أن تستعبدها الأوهام أو تستدرجها الخرافات.
واليوم، تقف النوبة شامخة في حضرة الزمن، لا تستمد فخرها من ماضي عريق فحسب، بل مما صنعه أبناؤها من حاضر يليق بتاريخها. فقد خرج من بين ضفافها رجال ونساء حملوا مشاعل العلم في ميادين العقيدة والفقة والإسلامي والطب والهندسة والفكر والبحث والثقافة، وأثبتوا أن الأمم لا تقاس بما ورثته من حكايات، وإنما بما تبنيه من معرفة، وما تتركه من أثر. فأصبح العلم هو المنارة التي تهتدي بها العقول، والمعرفة هي الميزان الذي توزن به الأشياء، ولم تعد تلك الروايات القديمة إلا خيوطا باهتة في نسيج الذاكرة الشعبية؛ تروى باعتبارها شاهدا على مرحلة مضت من حياة الإنسان، لا بوصفها طريقا يسلك، ولا منهجا يحتذى. لقد بقي من تلك الحكايات ما بقي من صور الطفولة في ذاكرة الإنسان؛ نتأملها لنعرف كيف كانت النفوس تبحث عن تفسير العالم من حولها، وكيف انتقلت من دهشة السؤال إلى يقين المعرفة. فالأمم العظيمة لا تنكر صفحات ماضيها، لكنها تقرأها بعين الحكمة؛ تحفظ منها ما يضيء هويتها، وتتجاوز منها ما تجاوزه الزمن، وتمضي إلى المستقبل وهي تحمل في يدها نور العلم، وفي قلبها يقين الإيمان، وفي وجدانها اعتزازها بتاريخها العريق.
إن الأمم لا تعرف بما علق في أطراف ذاكرتها من ظلال الوهم، ولا تقاس بما مر بها من لحظات الضعف الإنساني؛ فكل شعب في مسيرته الطويلة عرف زمنا اختلط فيه الخيال بالحقيقة، وتجاورت فيه الحكاية مع الواقع. وإنما عظمة الأمم تظهر في قدرتها على أن تتعلم من ماضيها، وأن تعبر من ضفة الوهم إلى ضفة الوعي، ومن أسر الرواية المتناقلة إلى رحابة المعرفة والبصيرة. وقد كانت النوبة واحدة من تلك الصفحات المضيئة في مسيرة التحول؛ فقد انتقلت، كما تنتقل الأنهار من منعطف إلى آخر، من زمن كان للخيال الشعبي فيه سلطان واسع، إلى زمن أصبح فيه البرهان ميزانا، والعلم طريقا، والوعي حصنا يحفظ العقول من الانقياد للأوهام. وأصبح الإيمان أكثر صفاء واستقامة، قائما على هدي كتاب الله وسنة رسوله صل الله عليه وسلم ، لا على ما ينسجه الوهم، ولا على ما يدعيه أصحاب الدجل والشعوذة، فعاد القلب متعلقا بمصدر الهداية الحق، وعاد العقل يمضي في طريقه الذي أراده الله له : طريق التأمل والفهم والبحث عن الحقيقة.
رحم الله أولئك البسطاء الذين مضوا إلى رحمة الله، فقد كانوا أبناء زمانهم، عاشوا بما أتيح لهم من معرفة، وحملوا ما حملته بيئتهم من أفراح وأحزان، ومن أسئلة بحثوا لها عن أجوبة بما بلغهم من فهم وتجربة. وليس من العدل أن نحاكم الأمس بعين اليوم، فلكل عصر ظلاله، ولكل جيل ظروفه التي شكلت وعيه ورسمت ملامح طريقه. وحمدا لله الذي أكرم الأجيال اللاحقة بنعمة العلم، وفتح أمامها أبواب المعرفة، وجعل في التعليم نورا يبدد عتمة الجهل، وفي الوعي حصنا يحفظ العقول من أن تستسلم للوهم أو تنقاد خلف الباطل. نسأله سبحانه أن يديم على مجتمعاتنا ضياء المعرفة، وأن يجعل العلم قرين الإيمان، والعقل المستنير سبيلا إلى الرقي والبناء، وأن يحفظ الإنسان من كل ما يحجبه عن الحقيقة.
ختاما : الأمم لا تنهض إلا حين تصالح ماضيها دون أن تستسلم له، وتحفظ ذاكرتها دون أن تجعلها قيدا على خطاها. وما أجمل أن يمضي الإنسان إلى المستقبل وهو يحمل في قلبه وفاءه لتراثه، وفي عقله نور بصيرته، وفي روحه يقينا بأن أعظم ميراث يمكن أن تتركه الأجيال ليس كثرة الحكايات، وإنما شرف المعرفة، ونبل القيم، والقدرة على أن تجعل من العلم طريقا، ومن الإيمان هداية، ومن الوعي جسرا تعبر عليه الأوطان نحو غد أكثر إشراقا. وهكذا تبقى الحكايات القديمة شاهدا على رحلة الإنسان الطويلة من العتمة إلى النور، ومن السؤال إلى المعرفة، ومن الخوف إلى الطمأنينة. فما مضى لا نلعنه، وما تجاوزناه لا نعيده، وإنما نضع الماضي في موضعه الصحيح: ذاكرة نتعلم منها، لا سجنا نقيم فيه. وستظل النوبة، بأرضها ونيلها وإنسانها، صفحة مشرقة في كتاب الحضارة؛ صفحة تقول إن العلم إذا دخل بيتا أخرج منه ظلال الوهم، وإن الإيمان إذا صفا في القلب أضاء الطريق، وإن الإنسان لا يبلغ تمام نضجه إلا حين يجعل من عقله مصباحا، ومن علمه رسالة، ومن أخلاقه جسرا يصل به إلى مستقبل يليق بكرامة الإنسان.