![]()
تعرض الموقع لسبع غارات متتالية، أدت إلى استشهاد 11 عسكريًا، بينهم ثلاثة ضباط، وإصابة آخرين، إضافة إلى تدمير مبانٍ وآليات هندسية وشل قدرة الفوج في تلك المرحلة. وفي اليوم نفسه، استُهدف مركز آخر للجيش في كفرشيما، لترتفع حصيلة الهجومين، وفق تقارير نُشرت حينها، إلى 14 عسكريًا و44 جريحًا.
ماذا كان يفعل فوج متخصص في البناء والهندسة داخل دائرة النار؟ ولماذا بقي قصف جَمّهور واحدًا من المشاهد الأقل تداولًا في ذاكرة حرب يوليو؟
اليوم السابع.. الحرب تتسع
بدأت الحرب في 12 يوليو/ تموز، بعد عملية نفذها حزب الله على الحدود وأسر خلالها جنديين إسرائيليين، وردت إسرائيل بحملة جوية واسعة لم تقتصر على مواقع الحزب، بل شملت مطار بيروت والطرق والجسور ومحطات الكهرباء والوقود ومناطق سكنية في أنحاء مختلفة من لبنان.
بحلول اليوم السابع، كان نطاق القصف قد اتسع جغرافيًا ووظيفيًا. لم يعد الهدف المعلن محصورًا بإعادة الجنديين أو إضعاف القدرات العسكرية لحزب الله، إذ امتدت الضربات إلى منشآت الدولة ومراكز الجيش اللبناني، رغم أن الجيش لم يكن الطرف الذي بدأ المواجهة، ولم يكن يقود العمليات العسكرية ضد إسرائيل.
جاء استهداف منطقة الجمهور في هذا السياق، بعد ضرب مواقع عسكرية ورادارية أخرى خلال الأيام الأولى من الحرب. وقد أحصى تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” الغارة على قاعدة الجيش في جَمّهور ضمن ضربات 18 يوليو، موثقًا استشهاد 11 عسكريًا فيها.
سبع غارات على فوج الأشغال
لم يكن فوج الأشغال المستقل وحدة قتالية متمركزة على خط المواجهة. كانت مهماته تتركز في الإنشاءات العسكرية، صيانة الطرق، تشغيل الآليات الهندسية، ومؤازرة مؤسسات الدولة والمواطنين عند الكوارث والأزمات.
بحسب رواية الجيش اللبناني، أصابت الغارات مباني الفوج وآلياته الثقيلة، وأدت إلى تعطيل قسم كبير من قدرته التشغيلية. لم تكن الخسارة إذًا بشرية فقط، فقد استُهدفت وحدة كان يفترض أن يكون لها دور أساسي في إزالة آثار الحرب وإعادة فتح الطرق بعد توقف القصف.
جاءت الغارات ليلًا، فيما كان العسكريون داخل الثكنة. وبعد انتهاء الهجوم، بدأت عمليات البحث والإنقاذ بين الأبنية والآليات المدمرة، ونُقل الجرحى إلى المستشفيات، قبل أن يتفقد قائد الجيش آنذاك العماد ميشال سليمان الموقع وعائلات القتلى.
لماذا استُهدف الجيش؟
لا تقدم السجلات العلنية المتاحة تفسيرًا إسرائيليًا تفصيليًا خاصًا بغارات الجَمهور يوضح الهدف العسكري المباشر من استهداف فوج الأشغال. ولهذا يصعب الجزم بما كانت إسرائيل تريد تدميره داخل الموقع، بعيدًا عن وضع الهجوم ضمن الحملة الأوسع على مراكز الجيش والمنشآت الرسمية.
خلال الحرب، قالت إسرائيل إن حملتها تستهدف البنية العسكرية لحزب الله والوسائل التي يمكن أن تساعده في إطلاق الصواريخ أو نقلها. لكن اتساع الضربات ليشمل ثكنات الجيش ومرافق مدنية وبنى تحتية أثار انتقادات دولية بشأن طبيعة بنك الأهداف ومدى التمييز بين الأهداف العسكرية وغيرها.
وخلصت تحقيقات “هيومن رايتس ووتش” إلى أن عددًا من الهجمات الإسرائيلية لم يظهر فيه هدف عسكري واضح، رغم أنها ركزت أساسًا على الضحايا المدنيين لا على ضربة جَمّهور تحديدًا.
كان استهداف الجيش يحمل أيضًا أثرًا سياسيًا يتجاوز الخسائر المباشرة. فالمؤسسة التي كانت الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي يناقشان توسيع انتشارها في الجنوب تعرضت للقصف، في وقت كانت فيه الدولة تحاول تثبيت أنها ليست طرفًا في قرار العملية التي أشعلت الحرب.
جيش خارج القرار وداخل النار
كشفت غارات الجمهور واحدة من مفارقات حرب 2006. لم يكن الجيش اللبناني صاحب قرار الحرب، ولم يكن قادرًا على منعها، لكنه دفع جزءًا من ثمنها.
كانت البلاد منقسمة سياسيًا بشأن سلاح حزب الله وقرار الحرب والسلم، فيما ظلت قدرات الجيش الجوية والدفاعية محدودة أمام التفوق الإسرائيلي. لذلك لم تتحول ضربة الجمهور إلى مواجهة مباشرة بين جيشين، بل إلى مشهد لثكنة تتلقى الغارات من دون قدرة متكافئة على الرد.
عاد هذا السؤال بقوة بعد انتهاء الحرب: كيف يمكن للدولة أن تكون مسؤولة عن حماية أراضيها، فيما لا تملك وحدها قرار فتح الجبهة ولا الوسائل الكافية لإغلاقها؟
ساهم القرار 1701 لاحقًا في نشر الجيش جنوب نهر الليطاني إلى جانب قوات الأمم المتحدة، لكن المعضلة الأساسية لم تختفِ. بقيت المؤسسة العسكرية مطالبة بتنفيذ نتائج تسويات لم تكن صاحبة القرار في صناعة أسبابها.
من الركام إلى فتح الطرق
بعد توقف الحرب، عاد فوج الأشغال المستقل نفسه إلى أداء دور أساسي في إزالة الردم، طمر الحفر، إنشاء ممرات وجسور مؤقتة وفتح الطرق الساحلية والداخلية. ساعد ذلك في عودة النازحين وانتشار وحدات الجيش في الجنوب.
تحولت الآليات التي بقيت صالحة للعمل من هدف للقصف إلى أداة لمعالجة نتائجه. أما الفوج الذي خسر 11 من عناصره، فاستعاد نشاطه تدريجيًا، رغم أن خسارته البشرية لم تكن قابلة للتعويض.
بعد عشرين عامًا، لا تُستعاد غارات الجمهور بوصفها تفصيلًا عسكريًا صغيرًا في حرب كبيرة. فهي تختصر وضع الدولة اللبنانية في ذلك الصيف: مؤسساتها لم تقرر الحرب، لكنها تعرضت للقصف، ثم طُلب منها أن تجمع الركام وتنتشر على الأرض وتعيد بناء ما هُدم.
لهذا تبقى الجمهور أكثر من ذكرى ثكنة. إنها لحظة سقط فيها جنود داخل موقعهم، وظهر فيها بوضوح الفارق بين الدولة التي تتحمل مسؤولية الحرب والدولة التي تملك قرارها.
