![]()
الخرطوم ــ النورس نيوز ـ قصة إنسانية مؤثرة يرويها الطبيب الاستشاري د. لؤي المستشار، عن شابة واجهت السرطان بمفردها، ثم جابهت حكم الأطباء القاطع بالعقم، قبل أن تنقلب المقاييس في ليلة غيّر فيها “المعروف” مجرى الأقدار.
قاعة المحاضرات.. حين تبدأ المعركة بسؤال
في دهاليز كلية الطب بجامعة الخرطوم، وقبل تسع سنوات، لم يكن اللقاء الأول بين الدكتور لؤي وتلك الشابة التي تنتمي لأسرة عُرفت بالعلم والأدب لقاءً عادياً. كانت الشابة تقف على أعتاب معركة ضارية مع مرض السرطان، لكن عينيها كانتا تشخصان نحو المستقبل. سألته بجرأة ممزوجة بالأمل: “هل سيحجُب العلاج عني حلم الأمومة إذا كتب الله لي الشفاء والزواج؟”.
جاءتها الإجابة الطبية صريحة وقاسية: “العلاج الكيميائي والإشعاعي يجعل الإنجاب معجزة شاقة”. غادرت الشابة إلى القاهرة لإجراء فحوصات متقدمة تفتقر إليها البلاد آنذاك، وهناك، وبعد عامين من الألم واليقين والابتسامة التي لم تغب، أعلنت الفحوصات تعافيها التام. هُزم السرطان، لكن معركة من نوع آخر كانت بانتظارها في مجتمع لا يرحم.
“أبجيقة” ريفي.. حين ينتصر الجوهر على المظاهر
عادت الشابة لمواصلة شغفها، نالت الماجستير وسجلت للدكتوراه. تقدم لخطبتها الكثيرون، وكانوا ينسحبون تباعاً فور علمهم بفرص إنجابها المعدومة. حتى جاء ذلك اليوم الذي شهد مشادة عابرة أمام مستشفى بينها وبين حراس أساؤوا مخاطبتها. ردت بحزم وتهذيب، فاسترعى الموقف انتباه شاب تدخل لإنصافها. أُعجب بحكمتها، وطلب رقم والدتها (بعد وفاة أبيها).
توقعت الشابة أن يلوذ بالفرار كغيره حين أخبرته بحقيقة عقمها الطبي، بل إنها فتحت له الباب ضاحكة تطلب منه المغادرة. لكن الشاب، الذي ينتمي لأعماق الريف السوداني البسيط، والذي قد يصفه السطحيون بـ”الأبجيقة” لقلة اكتراثه بالمظاهر، أثبت أن جوهره ناصع البياض. عاد مرة، وثانية، وثالثة، حتى تُوجت قصة الحب بزفاف بهيج، تملّك الحضور فيه تساؤل واحد: “أيهما أشد بياضاً.. فستانها أم قلبها؟”.
“لقد اخترتك لأنك أنتِ، وسأظل إلى جوارك دائماً، سواء رزقنا الله طفلاً أم لم يرزقنا، فلا أريد سواك”
كلمات الزوج التي كانت تذيب غضب زوجته كحلوى القطن.
طاف الزوجان بين ثلاثة مراكز عالمية وثنائية داخل السودان، وكانت النتيجة مطابقة دائماً: “لا أمل في الإنجاب”.
الطفلة اليتيمة ونبوءة السيدة المشرفة
أمام الأبواب الموصدة، قرر الحبيبان الالتفاف نحو العطاء؛ كفلا طفلة يتيمة من أحد دور الرعاية لملء بيتهما بالبهجة. وعندما رغبا في كفالة طفل ثانٍ، استوقفتهما المشرفة بنبوءة لم يلقيا لها بالاً حينها: “تمهلا.. فكثير ممن كفلوا يتيماً، فتح الله عليهم ورُزقوا بطفل”.
مرت الأيام، نطق الصغير بكلمة “ماما”، وتزامن ذلك مع شعور الأم بآلام حادة، وإعياء متزايد، وانتفاخ في البطن. تسلل الخوف إلى قلبها، وظنت أن “الوحش” (السرطان) قد عاد لينتقم. آثرت الصمت صبراً حتى لا تُفسد فرحة شقيقها بمناسبة زواجه، واكتفت باليقين أنها عاشت حياة طيبة برفقة زوج وفيّ وطفلة ستحمل ذكراها.
الصدمة في غرفة الفحص: “يا دكتور.. أنا عقيم!”
مع تفاقم الألم واصفرار وجهها، أجبرها زوجها على زيارة طبيب باطنية. وضع الطبيب مجس الفحص، ثم نظر إليها بدهشة: “في أي شهر أنتِ حامل؟”.
ضحكت بمرارة وسط أوجاعها: “يا دكتور، أنا عقيم، وستة مراكز طبية أكدت ذلك!”. نُقلت على الفور لغرفة الموجات فوق الصوتية، ليرسم الطبيب على الشاشة المعجزة الحية: “أنتِ حامل في الشهر الرابع.. انظري، هذا نبض جنينك”.
اتصلت الشابة بالدكتور لؤي تنقل له الخبر والدموع تسابق كلماتها. ولم تمضِ أشهر حتى زفت إليه بشرى ولادة طفلها الجميل، مؤكدة أن ابنتها المكفولة ستبقى في المرتبة الأولى، فهي من منحتها لقب “أم” للمرة الأولى.
يختتم الدكتور لؤي هذه القصة المؤثرة بدرس بليغ: “بعض المرضى ينتظرون منا أن نداويهم، ولكن في حقيقة الأمر هم من يداووننا ويطبطبون على أرواحنا المرهقة، ويهبوننا القوة لنواصل المسير. إنها صنائع المعروف التي تقي مصارع السوء وتجلب البركات من حيث لا نحتسب”.