![]()
حين يصبح الاقتراب خيبة.. ليتنا اكتفينا بجمال الأشياء من بعيد
بقلم: فخرالدين المك
«ليتني لم أقترب من الأشياء التي أعجبتني حين لمحتها أول مرة، ليتني بقيت أنظر إليها من بعيد».
ليست كل المسافات قسوة، وليست كل خطوات الاقتراب مكسباً؛ فبعض الأشياء تزداد جمالاً حين نراها من بعيد، وحين نقترب منها نكتشف أن الصورة التي رسمناها في مخيلتنا كانت أجمل من الحقيقة.
سحر البدايات.. حين يخدعنا البريق
حين تقع أعيننا على شيء يعجبنا للمرة الأولى، سواء أكان إنساناً، أم حلماً، أم مكاناً، أم حتى فكرة، فإننا لا نراه كما هو، بل نراه بعيون الشغف، ونمنحه من خيالنا ما يجعله استثنائياً.
نرسم له صورة لا تشبه إلا أمنياتنا، وننسج حوله حكايات جميلة، ونعتقد أن الاقتراب منه سيمنحنا مزيداً من السعادة. لكننا ننسى أن البعيد يترك للخيال مساحة واسعة، بينما يكشف القرب تفاصيل لم تكن ظاهرة، وربما لم نكن مستعدين لرؤيتها.
حين تنطفئ دهشة الاكتشاف
ليست المشكلة دائماً في الأشياء التي نقترب منها، فقد تكون المشكلة في الصورة المثالية التي صنعناها عنها. فبعض الأشخاص الذين بدوا لنا استثنائيين، تكشف الأيام وجوهاً أخرى فيهم، وبعض الأماكن التي تخيلناها ملاذاً للراحة، نجدها مثقلة بالضيق، وبعض الأحلام التي ركضنا خلفها طويلاً، نكتشف بعد بلوغها أنها لم تكن تستحق كل ذلك العناء.
هناك أشياء لا تفقد جمالها لأنها تغيرت، بل لأننا اقتربنا بما يكفي لنراها على حقيقتها.
وهناك قلوب تبدو دافئة من بعيد، لكننا حين نسكنها نكتشف برودتها، وأرواح تمنحنا الأمان في البدايات، ثم تتركنا وحدنا في مواجهة الخيبة.
عندها نفهم أن الدهشة التي كانت تسكننا لم تكن دائماً في الشيء نفسه، بل في المسافة التي كانت تفصلنا عنه.
المسافة الآمنة.. حكمة لا جفاء
مع ذلك، لا يعني هذا أن نهرب من كل شيء جميل، أو أن نغلق أبوابنا أمام التجارب خوفاً من الخذلان. فالحياة لا تُعاش من خلف النوافذ، والقلوب لا تعرف حقيقة المشاعر ما لم تخض التجربة.
لكن الحكمة أن نقترب بوعي، وأن نمنح الأشياء فرصتها دون أن نمنحها كل شيء، وأن نحب دون أن نفقد أنفسنا، وأن نحلم دون أن نعلّق سعادتنا على صورة رسمناها في الخيال.
فليست كل مسافة دليلاً على الجفاء، وليست كل خطوة إلى الخلف هزيمة؛ أحياناً يكون الابتعاد حفاظاً على ما تبقى من سلامنا الداخلي، واعترافاً بأن بعض الأشياء أجمل حين تبقى في حدودها.
ليتنا نعرف متى نتوقف
كم من مرة تمنينا العودة إلى اللحظة الأولى، إلى النظرة التي لم يشوبها عتاب، وإلى الإعجاب الذي لم تفسده التفاصيل، وإلى الشعور الذي لم تختبره الخيبات بعد!
تمنينا لو أننا احتفظنا ببعض الوجوه في ذاكرتنا كما عرفناها أول مرة، وبعض الأماكن كما تخيلناها، وبعض الأحلام كما أضاءت أرواحنا قبل أن نكتشف أثمانها.
لكن الزمن لا يعيدنا إلى الوراء، وما إن نعرف الحقيقة حتى يصبح النسيان محاولة للتصالح معها، لا وسيلة لمحوها.
لذلك، ربما لا تكون الحكمة في ألّا نقترب، بل في أن نعرف إلى أي مدى ينبغي أن نقترب، ومتى يصبح التمسك مؤلماً، ومتى يكون الابتعاد أرحم من البقاء.
فالأشياء الجميلة لا تحتاج دائماً إلى أن نمتلكها؛ يكفينا أحياناً أن نراها، وأن نحتفظ بأثرها الطيب في دواخلنا، دون أن نحمّلها أكثر مما تحتمل.
فمن الشجر ما يكفينا ظله، ومن النجوم ما يكفينا نورها، ومن البشر من يكون أجمل في الذاكرة منه في تفاصيل الحياة اليومية.
وفي النهاية، لعل أكثر ما يؤلمنا ليس أننا اقتربنا، بل أننا تمنينا لو أن الحقيقة كانت تشبه الحلم.
تحياتي.. فخري المك
The post حين يصبح الاقتراب خيبة.. ليتنا اكتفينا بجمال الأشياء من بعيد بقلم: فخرالدين المك first appeared on مسار ميديا.