حين ينتصر الجيش تبدأ مسؤولية الدولة.. إلى عبد الفتاح البرهان وإلى كل سوداني يحمل هذا الوطن في قلبه

حين ينتصر الجيش تبدأ مسؤولية الدولة.. إلى عبد الفتاح البرهان وإلى كل سوداني يحمل هذا الوطن في قلبه

Loading

حين ينتصر الجيش تبدأ مسؤولية الدولة.. إلى عبد الفتاح البرهان وإلى كل سوداني يحمل هذا الوطن في قلبه

✒ كتب – أحمد القرشي إدريس 

يدرك المُعسرون الذين أثقلتهم الحرب، وأرهقتهم المنافي، وأضناهم الجوع والمرض وفقد الأحبة، عظمة الانتصارات التي حققها الجيش السوداني في كردفان. فهي ليست مجرد تقدم عسكري على خرائط العمليات، بل هي بارقة أمل في ليلٍ طال، ورسالة بأن الدولة ما زالت قادرة على استعادة نفسها.

 

إن استعادة بارا وجبرة الشيخ، وأم قرفة وأم سيالة، وتأمين طريق الصادرات بين الخرطوم والأبيض بعد انقطاع دام قرابة ثلاثة أعوام، ليست أخباراً عسكرية فحسب، بل هي شريان حياة يعود إلى النبض. إنها تعني أن القوافل ستتحرك، وأن الأسواق ستتنفس، وأن الناس قد يرون لأول مرة منذ سنوات نافذةً تطل على مستقبل أقل ظلمة.

 

وسط هذا الحزن الكبير، ترتسم ابتسامة سودانية خجولة.

 

ابتسامة لا تحتفل بالحرب، بل برجاء أن تكون الحرب قد اقتربت من نهايتها.

 

وهنا تتجلى حقيقة الجيش السوداني.

 

فهذا الجيش ليس مجرد تشكيل عسكري نشأ مع الدولة الحديثة، بل هو مؤسسة وطنية عميقة الجذور، تراكمت في بنائها خبرات أجيال، وصاغتها تضحيات رجال خرجوا من بيوت العلم والصلاح والعمل والكفاح، يحملون في وجدانهم معنى الوطن قبل معنى الوظيفة.

 

لقد مرت على هذه المؤسسة محاولات كثيرة للاستغلال والتسييس، وأحاط بها في مراحل مختلفة أصحاب المصالح والانتهازيون، وتسرب إليها كما تسرب إلى غيرها فساد البشر وأخطاؤهم. لكن المؤسسة بقيت أكبر من الأفراد، وأبقى من الحكومات، وأعمق من الحسابات السياسية العابرة.

 

إن المؤسسات الوطنية العريقة قد تضعف، لكنها لا تموت.

 

وقد تمرض، لكنها تملك في داخلها قدرة على التصحيح واستعادة توازنها متى التف حولها شعبها، وعادت إلى رسالتها الأصلية.

 

ولهذا فإن الدفاع عن الجيش لا يعني الدفاع عن أخطاء أي قائد، ولا تبرير فساد أي مسؤول، بل يعني الدفاع عن آخر أعمدة الدولة التي تحفظ وحدة السودان وسيادته.

 

إن الجيش ليس ملكاً لأحد.

 

ولا ينبغي أن يكون أداة لحزب أو جماعة أو تيار.

 

إنه ملك الأمة كلها.

 

والانتصارات التي تتحقق اليوم ليست منحة لفرد، ولا وساماً لفئة، وإنما هي ملك للشهداء الذين ارتقت أرواحهم، وللجرحى الذين نزفوا، وللأمهات اللاتي انتظرن أبناءهن، وللشعب الذي صبر حتى كاد الصبر ينفد.

 

لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن الانتصارات العسكرية لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى انتصارات سياسية ومؤسسية.

 

فكم من جيوش انتصرت في الميدان، ثم خسرت الدولة في السلام.

 

وهنا تبدأ المسؤولية الكبرى.

 

إن أمام قيادة الجيش والدولة فرصة تاريخية ربما لم تتح لأحد من قبل.

 

فرصة لا تقتصر على إنهاء التمرد، وإنما على إنهاء الأسباب التي جعلت السودان يدور في الحلقة نفسها لعقود طويلة.

 

فالناس لا يريدون فقط استعادة المدن.

 

بل يريدون استعادة الدولة.

 

دولة القانون.

 

ودولة المؤسسات.

 

ودولة الفرص المتساوية.

 

دولة لا يحمل فيها أحد السلاح لينتزع حقاً سياسياً، ولا يعلو فيها نفوذ جماعة على سلطان الدستور.

 

إن السودان الذي خرج من هذه الحرب لا يجوز أن يعود إلى المحاصصات القديمة، ولا إلى اقتصاد الامتيازات، ولا إلى الخدمة المدنية التي أنهكها الولاء قبل الكفاءة، ولا إلى مؤسسات تدار بالمجاملة بدلاً من المهنية.

 

إن النصر الحقيقي يبدأ عندما تُحل الأجهزة المترهلة، ويُغلق باب الهدر والفساد، وتُبنى مؤسسات انتقالية حديثة، شفافة، خاضعة للمساءلة، تؤسس لتعليم معاصر، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية محترفة، وخدمات تليق بكرامة السودانيين.

 

ثم يفتح الطريق أمام انتقال سياسي منظم، يقود إلى دولة مدنية ديمقراطية، في إطار سودان فيدرالي حديث، يضمن عدالة توزيع السلطة والثروة بين الأقاليم، ويحفظ وحدة البلاد تحت راية جيش وطني واحد، ودستور واحد، وقانون واحد.

 

فلا سلاح خارج الدولة.

 

ولا سلطة تُنتزع بالبندقية.

 

ولا شرعية إلا تلك التي يمنحها الشعب عبر صناديق الاقتراع.

 

إن الفريق أول عبد الفتاح البرهان يقف اليوم أمام فرصة استثنائية، قد لا تتكرر في تاريخ السودان الحديث.

 

فإذا أحسن قراءة هذه اللحظة، وأدارها بعقل الدولة لا بمنطق اللحظة، وبنى مؤسسات تبقى بعده، فإنه لن يكون قد قاد معركة عسكرية فحسب، بل يكون قد أسهم في تأسيس جمهورية جديدة تستحقها تضحيات السودانيين.

 

أما إذا توقفت المسيرة عند حدود الانتصار العسكري، فإن التاريخ سيعيد إنتاج أسئلته القاسية مرة أخرى.

 

إن هذا الشعب لم يعد يحتمل دورة جديدة من الأزمة

 

وختاما تبقى حقيقة لا يختلف عليها أصحاب الضمائر:

 

إن الأمم التي تستحق البقاء هي تلك التي تحفظ عهد شهدائها، وتكرم أبطالها، وتحول تضحياتهم إلى عدالة، وإلى مؤسسات، وإلى قانون، وإلى وطن لا يضطر أبناؤه إلى حمل السلاح ليشعروا بأنهم شركاء فيه.

 

ذلك وحده هو الانتصار الذي يبقى.