![]()
يبدو أن المشتغلين بالسياسة في السودان اتفقوا على ألا يتفقوا على الإطلاق، فطال أمد التراشق والقتل والنزوح، ليزيد السودان آلام البشرية ألماً بكل أسى. وعلى الرغم من المحاولات الداخلية والإقليمية والدولية لرأب الصدع ووقف نزف المواطن المغلوب على أمره، لا تزال البندقية هي سيدة الموقف، ولا يبدو في الأفق أي توجه جاد نحو وقف هذا النزيف المستمر، فهل حقاً لا يوجد أي مدخل لتقريب وجهات النظر؟
أخيراً، يبدو أن السودانيين قد اتفقوا على شيء. نعم، اتفقوا على العزاء في وفاة والد أمير دولة قطر الراحل، فتوحّدت، ولو للحظات، مواقف متباعدة، وتزاحمت الخطى نحو الدوحة، وسبقتها برقيات التعزية على مختلف المنصات والوسائط.
ذلك المشهد، على بساطته، يحمل دلالة تستحق التأمل. فهو يؤكد أن القدرة على الاجتماع لم تمت، وأن مساحة المشتركات لا تزال موجودة، لكنها لا تُستدعى إلا في لحظات الفقد، بينما تغيب عندما يتعلق الأمر بإنقاذ وطن يتآكل كل يوم.
ليس المطلوب أن يتحول الاختلاف إلى تطابق، فالسياسة بطبيعتها تقوم على تباين الرؤى والمواقف، لكن المأساة تبدأ حين يصبح الخلاف غاية في ذاته، وحين تُقدَّم الحسابات الضيقة على أرواح الملايين الذين ينتظرون نهاية لهذه الحرب، أو نافذة أمل يعودون منها إلى بيوتهم ومدارسهم وحقولهم.
إذا كان السودانيون قد أثبتوا أنهم قادرون على الالتقاء في موقف إنساني نبيل، فما الذي يمنعهم من الالتقاء حول حق الإنسان السوداني في الحياة والأمن والكرامة؟ وما الذي يجعل التعزية أسهل من المصالحة، والوفاق على الموت أيسر من الوفاق على الحياة؟
لعل أكثر ما يحتاجه السودان اليوم ليس وسيطاً جديداً، ولا منبراً إضافياً، وإنما إرادة سياسية تعترف بأن الوطن أكبر من جميع الأطراف، وأن المنتصر الحقيقي لن يكون من يكسب جولة عسكرية، بل من ينجح في إيقاف الحرب وفتح الطريق أمام سلام يعيد للسودانيين حقهم في وطن يستحقونه، ويستحقهم.