![]()
(1)
انعقد ملتقى الإعلام في الخرطوم، وأثار استفهامات حول انتقائية المشاركين فيه، لكن اجتماع الإعلاميين السودانيين لمناقشة واقع الإعلام وما أحدثته الحرب من تمزق في الحياة السودانية، يظل أمرًا مهمًا وضروريًا.
وفي تقديري، فإن من أخطر المهام التي تقع على عاتق الإعلام السوداني توثيق ما حدث في السودان. فبعيدًا عن أعين كاميرات القنوات الفضائية، دُمرت قرى ومدن ومؤسسات خدمية، وقُتل مواطنون ونزح آخرون، وفُقدت ممتلكات، وتعرضت مرافق صحية وتعليمية وخدمية للدمار والتخريب، ووقعت انتهاكات في مناطق مختلفة من البلاد.
(2)
هذه الأحداث الجسيمة تحتاج إلى توثيق مهني دقيق يحفظ الوقائع والأسماء والشهادات والصور والوثائق؛ لأن ما لا يوثق اليوم قد يتحول غدًا إلى روايات متضاربة تضيع معها كثير من التفاصيل، وقد يسعى البعض إلى إنكار ما حدث أو إعادة صياغته وفقًا لمصالحه.
كنت أتمنى أن يكون من أهم مخرجات الملتقى تبني مشروع وطني مهني مستقل لتوثيق مآلات الحرب، يشارك فيه الصحفيون والمصورون والباحثون والمؤسسات الإعلامية، بدعم من الدولة، لجمع الشهادات والوثائق والصور ومقاطع الفيديو، وأرشفتها مع التمييز بين المعلومة الموثقة والادعاء، وبين الشهادة والدعاية.
(3)
بادر د. عبد اللطيف البوني، مع آخرين، في توثيق الانتهاكات التي قامت بها قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة، في كتابه «نكبة شمال الجزيرة»، وهي تجربة تقدم نموذجًا مهمًا لما يمكن أن يفعله الإعلام والمثقفون في هذه المرحلة. وهناك كتاب بعنوان «من المسافة صفر» للدكتورة سلوى حسن صديق، تولى كتابة مقدمته بروف. عثمان أبو زيد، وقد نشرته جمعية إسناد في القاهرة.
فلماذا لا تتبنى الحكومة المبادرة نفسها، فترسل فرقًا إعلامية إلى القرى والمدن التي اجتاحتها الحرب، لتسجل شهادات أهلها، وتوثق أسماء الضحايا والنازحين، وما دُمر من مدارس ومستشفيات ومرافق خدمية وأسواق ودور عبادة؟ أو تعين وتساعد الراغبين في توثيق هذه الانتهاكات.
هناك شهود عيان عاشوا الحرب وشاهدوها بأم أعينهم، وإذا لم ندرك شهاداتهم اليوم فقد ترحل معهم إلى الأبد.
وفي ظني، فإن الأموال التي تُنفق على الفعاليات والملتقيات كان الأولى أن يُخصص جزء منها لمشروع وطني للتوثيق؛ لأن تكلفة التوثيق اليوم، مهما بلغت، أقل كثيرًا من تكلفة فقدان الذاكرة الوطنية لما حدث.
فالمدن التي خرجت من حرب بهذا الحجم تحتاج، قبل إعادة إعمارها، إلى توثيق الدمار الذي طالها، وحفظ ذاكرة المكان وأهله.
(4)
ليس مطلوبًا من الإعلام أن يرسم صورة سوداء عن السودان، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يرسم صورة وردية لا تتطابق مع الواقع. مهمته أن يقول: هنا كانت قرية، وهنا كان مستشفى، وهنا كانت مدرسة، وهنا وقعت حادثة، وهنا فقد أناس حياتهم، وهنا نزح مواطنون، وهنا دُمرت مؤسسة خدمية…
وأن الحياة بعد الحرب في السودان ممكنة إذا توفرت الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وأمن ومواصلات، وأن نركز على الصور التي توضح حجم المأساة التي خلفتها الحرب، والجهود التي بُذلت وما زالت تُبذل لعودة الحياة إلى مسارها الطبيعي.
ستنتهي الحرب يومًا ما، لكن السؤال سيبقى: ماذا حدث في 15 أبريل في السودان؟ ومن سيدفع ثمن الحقيقة إذا لم نستقصِ ونبحث عن شهودها ونوثقها اليوم؟