![]()

أمسُتَردام- الثلاثاء 6 أكتوبر 2026م – راديو دبنقا
أثار قرار شرطة الجمارك بتطبيق نظام الإقرار المسبق لشحنات الواردات (ACD) مطلع أكتوبر الجاري، ليشمل بقية الموانئ والمعابر الجمركية، جدلاً واسعاً وانتقادات شديدة. وكان قد بدأ تطبيقه في الميناء الجنوبي ببورتسودان في ولاية البحر الأحمر. ويدعم النظام تقديم بيانات ومستندات الشحنات قبل وصولها، بما يسهم في تسريع التخليص الجمركي، وتقليل زمن الانتظار وتكاليف التخزين، وتعزيز التحول الرقمي وتيسير التجارة.
في المقابل، اعتبر موردون وخبراء جمركيون أن القرار يزيد التكاليف على الموردين من خلال فرض الرسوم بالدولار، ما يضاعف الأعباء على المواطنين جراء ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الواردة، مشيرين إلى أنه كان ينبغي تخفيف العبء عنهم بدلاً من التضييق عليهم. وانتقد الخبراء والموردون إقحام شركة أجنبية مقرها دولة الإمارات وتمكينها من تحصيل الرسوم بالعملة الأجنبية، في الوقت الذي كانت تقوم فيه بهذه المهام إدارة داخل شرطة الجمارك نفسها، مستنكرين تمليك هذه الشركة معلومات الموردين الخاصة بنوع البضائع المستوردة ومصدر استيرادها، واعتبروا ذلك يمس الأمن القومي للبلاد.
ووصف رجل الأعمال وعضو غرفة المستوردين، معاوية أبازيد، القرار الصادر عن الجمارك السودانية بالتوسع في عمليات الإقرار المسبق لعمليات الواردات بأنه “غير موفق في هذا التوقيت” في ظل ظروف الحرب التي تمر بها البلاد.
وأشار أبازيد -في حديثه لـ”راديو دبنقا”- إلى أن البلاد تمر بأزمات كبيرة وصعوبات في توفير السلع الاستراتيجية والضرورية، مؤكداً أن القرار يزيد التكاليف على الموردين ومُعاناة المواطنين نتيجة لارتفاع الأسعار. وحذر من أن تحصيل الرسوم بالدولار سيسهم في تراجع قيمة العملة الوطنية، متسائلاً عن أسباب عدم تحصيل هذه الرسوم بالجنيه السوداني تسهيلاً للموردين.
بطء الإجراءات:
ودعا أبازيد كلاً من وزير المالية ومدير عام الجمارك إلى العمل على تسهيل الإجراءات وسرعة التخليص في المحطات الجمركية بدلاً من إصدار مثل هذا القرار، منتقداً بطء الإجراءات وضعف الطاقة التشغيلية داخل الجمارك. وتابع قائلاً: “هل يعقل أن تعمل المحطات الجمركية في السودان بمعدل 25 ساعة في الأسبوع فقط؟ هذا المشهد في ميناء بورتسودان أو سواكن يمثل مشكلة أساسية تساهم في تأخير عمليات التخليص وتزيد التكاليف”.
وأشار إلى أن هذا من أكبر المعوقات التي يواجهها قطاع الاستيراد، لافتاً إلى وجود تكدس للشحنات والبضائع بالموانئ، ومضيفاً: “كلما تأخر التخليص فرضت رسوم إضافية لشركات الشحن وأخرى لهيئة الموانئ البحرية، وغيرها من الرسوم”.
ورأى أبازيد أنه كان يجدر بالجهات المعنية وضع حلول لسرعة التخليص الجمركي وتسهيله، مع توفير الجوانب الأمنية في المحطات والحفاظ على ممتلكات المواطنين، والقيام بزيارات تفقدية مستمرة لمعالجة المشاكل ووضع الضوابط لتسهيل الواردات.
وقال: “إن القرار غير موفق في الوقت الراهن، ولا سيما في ظل التدهور الاقتصادي وتدني قيمة العملة الوطنية، وبعد وصول الدكتور كامل إدريس وإطلاق مشروع الأمل”.
قرارات غير موفقة:
وعبّر أبازيد عن أسفه الشديد لما وصفه بـ”عدم توفيق” السياسات النقدية والاقتصادية الصادرة عن “حكومة الأمل” لتحسين الوضع الاقتصادي، موضحاً أنها تسببت في قفزات بسعر الدولار الذي ارتفع من 2700 جنيه وصولاً إلى 8300 جنيه.
وأشار إلى قرار دولة الإمارات العربية المتحدة بفرض قيود على حركة الشحن والعبور عبر الموانئ الإقليمية بمنع الصادرات والواردات من المرور عبرها، وتابع: “تأثرنا بذلك كبيراً؛ فبعد أن كانت تكلفة الحاوية عبر موقع الإمارات كمركز تجاري عالمي تبلغ 15 ألف درهم، قفزت الآن إلى 50 ألف درهم”.
ولفت أبازيد إلى أنه يُضاف إلى ذلك التعقيدات والإجراءات الجديدة التي ستزيد الأسعار والتكاليف على المنتجات الزراعية، ما ينعكس سلباً على الإنتاج الزراعي والصناعي.
وحذر من أن الصادرات السودانية أضحت مهددة بالخروج من سوق المنافسة نتيجة لزيادة التكاليف المستمرة وسعي الدولة اليومي لجمع الإيرادات بطرق غير مدروسة، مشدداً على أن هذه المشكلة تؤرق الاقتصاد السوداني بأكمله.
ونوه إلى أن المواطن بات يعلم أسباب غلاء الأسعار الناتجة عن مثل هذه القرارات، معرباً عن أمله في أن تتراجع الحكومة وتصحح موقفها بإلغاء القرار.
“كلمة حق أريد بها باطل”:
من جهته، وجه الخبير الجمركي وعضو غرفة المستوردين السابق، دفع الله عبد الله يوسف، انتقادات حادة لنظام الإقرار المسبق للشحنات (Advanced Cargo Declaration – ACD).
وأكد يوسف أن هناك نظاماً كان معمولاً به ومطبقاً في السودان منذ فترة طويلة يُعرف بـ”الأسكودا”، المتبع من منظمة الجمارك العالمية بناءً على توصية من بروكسل، مشيراً إلى أنه يتضمن مرحلة تتصل بالتخليص المسبق عبر إرسال المورد لمستنداته مبكراً.
وقال يوسف لـ”راديو دبنقا”: “إن نظام (ACD) الجديد هو كلمة حق أُريد بها باطل؛ إذ استُحدثت له شركة أجنبية مسجلة في الإمارات تفرض رسوماً باهظة ترهق كاهل المواطن جراء ارتفاع أسعار السلع المستوردة التي تعتمد عليها البلاد في ظل توقف الإنتاج والحرب المستمرة، فضلاً عن إضعاف حركة التجارة ونفاذ رؤوس الأموال”.
وأضاف: “رسوم التسجيل مرتفعة، ولكل رسالة سعر مختلف. أما بالنسبة لشحنات الصب (Bulk Cargo) كالقمح، فيتم تحصيل رسومها بالطن، وللسوائل باللتر، وقد تصل رسوم الباخرة الواحدة إلى مئات آلاف الدولارات. كل هذه المبالغ تُقتطع من المكونات الاستيرادية لصالح شركة أجنبية دون وجه حق، وتصل إيراداتها إلى ملايين الدولارات سنوياً”.
واعتبر أن السودان في غنى عن هذه الأعباء، متابعاً: “يمكن إسناد هذا العمل لإدارة واحدة من إدارات الجمارك بإضافة مكتب واحد فقط، بالنظر إلى مستوى التقنية والرقمنة المتطور الذي وصلت إليه شرطة الجمارك وقدرتها على القيام بالمهمة كاملاً، وهو أمر تحدثنا عنه مراراً”.
أسرار لأجانب:
وأوضح يوسف أنه كان بمقدور إدارة المخاطر بالتنسيق مع أي إدارة من إدارات “الأسكودا” تطبيق هذا البرنامج بسهولة ودون أن يكلف الدولة جنيهاً واحداً أو يستدعي الاستعانة بشركة أجنبية.
ولفت إلى أن القرار يتسبب في تمليك معلومات سرية تخص الاستيراد والتصدير للشركة الأجنبية، مردفاً: “هذا الأمر يمس الأمن القومي للمعلومات، لأنك تملك طرفاً خصماً معلوماتٍ عن نوع السلع المستوردة ومصدرها وثمنها وتوقيتها. والمعلومة أصبحت سلاحاً يمكن تسريبه من قِبل شركة أجنبية لا يعنيها الأمر”.
وتساءل يوسف عن جدوى منح هذه الامتيازات لشركة أجنبية، طالما أن إدارة محلية قادرة على تنفيذ العمل إذا كان الهدف بالفعل هو تقليل زمن التخليص.
وذكر أنه خلال فترة مدير الجمارك الأسبق الفريق عبد الحفيظ صالح، وضعت الإدارة دراسة حول الفترة الزمنية للتخليص ابتداءً من دخول الباخرة وحتى خروج البضائع من الميناء، تحت إشراف منظمة الجمارك العالمية ببروكسل.
وقال الخبير الجمركي: “تم تصميم استمارة تُرفق مع الشهادة، وكنتُ رئيساً للفريق الممتد من سواكن إلى أوسيف، وأقمنا محاضرات للمخلصين وحسبناها حساباً فعلياً ورسخنا ورقة عمل قوية خرجت بتوصيات، أبرزها: النافذة الموحدة، وربط الموردين كافة بشبكة وشاشة واحدة تمر عبرها المستندات الخاصة بالجهات كافة (المواصفات، الموانئ، الحجر الصحي، والجمارك بإداراتها المختلفة)”.
وأضاف: “كان المطلوب فقط أن يفتح الموظف المختص الشاشة وينفذ الإجراء ويرسل النموذج للجهة التالية”.
لا يخدم الاقتصاد:
وشدد يوسف على أن القرار لا يخدم الاقتصاد في شيء وسط ظروف الحرب وتراجع حركة الواردات والصادرات، نتيجة لارتفاع سعر الدولار وتراجع القوة الشرائية وارتفاع التضخم المتأتي من الاستدانة من النظام المصرفي.
وقال: “تراجعت القوة الشرائية لدى المواطن البسيط لفقدانه مصدر دخله وارتفاع أسعار السلع، يضاف إلى ذلك ظروف النزوح واللجوء واقتصار الاستيراد على الحدود الأدنى. وفي ظل هذه الأزمة، يأتي وزير المالية ليرفع تكلفة الاستيراد؛ فما الذي قدمه هذا القرار للاقتصاد؟”.
وزاد: “إن كان الهدف تقصير زمن التخليص، فإن ذلك موجود في توصيات بروكسل والنافذة الواحدة ودراسات زمن التخليص، وكان يجدر بهم استخراج تلك الأوراق وتطبيقها. وحالياً، النظام يُطبق في الميناء الجنوبي ولا يوجد عمل يوازي هذا المستوى”.
ولفت إلى أن الجمارك تقوم على مبدأ عدالة التحصيل، متسائلاً عن كيفية تطبيق القرار في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، وهل يمكن تطبيقه في محطات غرب السودان؟ ورأى استحالة ذلك، كما رأى صعوبة تطبيقه في سواكن بالنسبة للطبالي ذات الحجم الصغير لما ينطوي عليه من رفع لمصروفاتها، أو في وادي حلفا مع حركة الشاحنات اليومية.
القرار لم يصدر من الجمارك:
ورأى الخبير الجمركي أن تطبيق القرار يبدو صعباً أيضاً في ولاية النيل الأزرق بسبب الحرب، مشيراً إلى أن الحدود الجنوبية لا تدخل عبرها بضائع لتطبيقه، والحدود الغربية خارج سيطرة الحكومة. وأضاف: “إن حدود تطبيق هذا القرار لا تتجاوز بورتسودان ومطار الخرطوم ومحطة جمارك الحاويات في سوبا”.
وجزم يوسف بأن القرار لم يصدر عن شرطة الجمارك بل عن وزارة المالية، وتابع: “عندما أصدرته المالية أرسلته إلى هيئة الموانئ البحرية التي أفادت بعدم اختصاصها وأن الأمر يتبع للجمارك، وهنا يتجلى خلط القرار السياسي بالقرار المهني”.
وأكد أن الجمارك جهة تنفيذية وليست تشريعية، متسائلاً عن الدواعي التي تجعل وزارة المالية تتدخل في الجانب الفني للجمارك ما لم ترفع الأخيرة التوصية بنفسها. وختم بالقول: “أما المخلصون في بورتسودان ومطار الخرطوم فيمكنهم تبيان مدى انحسار العمل وصعوبة العملية، ما يؤكد أنها كلمة حق أُريد بها باطل”.
The post خبراء وموردون يطالبون بإلغاء نظام الإقرار المسبق لشحنات الورادات appeared first on Dabanga Radio TV Online.