![]()
. دكتور لوي عبدالمنعم الخبير المصرفي يكتب!!!! حول تشخيص الأزمة الاقتصادية ودور الحكومة والحلول الممكنة*
1- تدخلات البنك المركزي ووزارة المالية اتسمت بالجزئية والارتجال وغياب الرؤية الكلية، مثل ضخ مبالغ محدودة من النقد الأجنبي أو منح المصارف حرية تعديل أسعار الصرف، والغاء الجمارك على منظومات الطاقة الشمسية لتخفيض تكاليف توليد الكهرباء والصيانة، واستئناف صادر اللحوم، وهي إجراءات مطلوبة لكنها قصيرة الأجل لم تعالج جذور الأزمة.
فضلا عن فقدان السيطرة على الموارد والمتمثل في ضعف الرقابة على حصائل الصادر والذهب رغم الاجراءات المتخذة مما أدى إلى اضعاف قدرة الدولة على زيادة الاحتياطيات من الذهب بينما استمرت الطباعة غير المنضبطة للجنيه لتغطية العجز المالي.
الى جانب ضعف التناغم بين السياسة المالية والنقدية في ظل الإنفاق الحكومي غير المنضبط وعدم مواكبة أدوات البنك المركزي الرقابية، مما خلق فجوة هيكلية عمقت انهيار العملة.
ومع ضعف السياسات المتبعة لمحاصرة الازمة تراجعت قيمة الجنيه السوداني بشكل خطير يهدد بانهيار شامل للامن الغذائي وعجلة الانتاج .. وقد عمقت الازمة في ظل الحرب تنامي شبكات التحويلات غير الرسمية سواء في مناطق سيطرة الحكومة او التمرد، وقد ادى توسع هذه الشبكات إلى فقدان الثقة في البنوك وزيادة الدولرة.
وللمعدنون الافراد وشركات الكرتة كذلك دور كبير في الازمة ابتداءا، حيث ان بيع الذهب يتم خارج القنوات الرسمية في ظل وجود مئات الشركات الصغيرة التي تفضل البيع لشركات الامتياز نقدا، ما يحرم الدولة من موارد استراتيجية، ثم المضاربة بالدولار، حيث يحول العائد النقدي مباشرة إلى عملة صعبة لحماية الأرباح، مما يخلق طلبا إضافيا على الدولار ويضعف الجنيه.
الى جانب ان استمرار تهريب الذهب حرم السودان من التدفقات المنتظمة لاهم مورد في الميزانية وفاقم فقدان الدولة للسيطرة على تدهور سعر الصرف.
التجار ايضا والمستوردون والمواطنون ساهموا في الازمة من خلال حرصهم الطبيعي لحماية رؤوس اموالهم ومدخراتهم، فتجار الجملة والتجزئة غالبا ما يلجأون لتخزين السلع أو التعامل بالدولار بدلا من الجنيه. والمستوردون للسلع الكمالية رغم الحرب تمكنوا من تجميد قرار سابق من مجلس الوزاء حظر استيراد السلع الكمالية، مما ادى الى استمرار الطلب على الكماليات بتمويل من السوق الموازي.
وفي ظل تشابك اطراف الازمة نشطت غرف مالية مرتبطة بالإمارات تعمل بالتنسيق مع تجار عملة محليين ومليشيا الدعم السريع لضرب الجنيه عبر مضاربات مفتعلة ما يزيد من مساحة تمدد السوق الموازي خارج الرقابة.
ولا اعفي شركات الحكومة من المسؤولية في سعيها لتأمين السلع الاستراتيجية من الوقود والقمح والدواء عبر المضاربة لشراء الدولار بغرض الاستيراد لهذا السلع، فالحكومة مضطرة لاستيرادها بأسعار مرتفعة بعد تراجع الدعم السعودي وتحوله لدعم رمزي في ظل الحرب المستعرة في الخليج. والتي نجم عنها ارتفاع كبير في سعر الوقود حتى في الولايات المتحدة الامركية التي تزعم عدم تأثرها بالحرب التي اشعلتها في الخليج دون مبرر. الوقود هو عصب التجارة، وأي زيادة فيه تنعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج، فتغذي التضخم. والحرب في الخليج اثرت بشكل مباشر على سلاسل الامداد خاصة بعد ضرب الحوثيين لمصافي النفط السعودية مما قلل من قدرة الرياض على تقديم منح أو تسهيلات، ما أجبر السودان على شراء الوقود بسعر السوق العالمي. وقد تظافرت كل هذه الاسباب في جعل الاقتصاد السوداني أسيرا لاقتصاد الظل والمضاربات، وفي ظل ضغوط لوبيات المصالح ضعفت الارادة لاجراء أي إمكانية لإصلاح هيكلي سريع في الجهاز المصرفي وسياسات الاستيراد والتصدير وترشيد الانفاق الحكومي.
٢- مسؤولية الحكومة مركبة ومعقدة في ظل الحرب، فهي تدير اقتصاد حرب يتطلب توازن دقيق بين تأمين المجهود الحربي وتخفيف أعباء المعيشة. لكن المعالجات الحالية قاصرة وقصيرة الأجل، وتعتمد على الدعم الخارجي أكثر من اعتمادها على إصلاح داخلي هيكلي.
الحل الحقيقي يتطلب:
– إرادة سياسية قوية لكسر نفوذ لوبيات المصالح.
– استدعاء خبراء مستقلين لصياغة سياسات اقتصادية متوازنة.
– تحريك الحلول المجمدة من الأدراج إلى التنفيذ العملي.
٣- – استمرار الحرب يعقد الأزمة الاقتصادية ويؤثر عليها بشكل مباشر، لكن بعض الحلول الهيكلية ممكنة حتى أثناء الحرب إذا توفرت الإرادة السياسية. الجنيه الذهبي الادخاري المحصور التداول داخل المصارف مثال حي على حل منخفض التكلفة وعميق الأثر، يمكن أن يخفف الضغط على سعر الصرف ويعيد الثقة تدريجيا في الجهاز المصرفي. ما ينقص الحكومة ليس غياب الحلول، بل غياب الإرادة والجرأة على تنفيذها بعيدا عن ضغوط لوبيات المصالح.
ولمزيد من التوضيح حول فاعلية الجنيه الذهبي الادخاري كحل هيكلي عملي واستراتيجي نورد الاتي:
– غير مكلف للميزانية لأنه يعتمد على الذهب الموجود كأصل احتياطي، ولا يحتاج إلى طباعة عملة ورقية جديدة أو اقتراض خارجي.
– يعيد الثقة في الجهاز المصرفي لانه يحصر التداول داخل البنوك يمنع المضاربة ويجبر الكتلة النقدية على العودة إلى النظام المصرفي لتحريك الاقتصاد الجامد.
– يقلل الطلب على الدولار مما يوفر أداة ادخار آمنة مرتبطة بالذهب، ويقلل من توجه المواطنين والتجار إلى السوق الموازي.
– يعزز الاحتياطي الذهبي للبنك المركزي عبر شراء الذهب من المعدنين وتخزينه، مما يقوي الموقف النقدي للدولة.
– يخاطب هموم المواطنين لأنه يقدم وسيلة ادخار مستقرة في بيئة فقدت الثقة في الجنيه الورقي.
٤- الدعم الدولي لم ينقطع تماما، لكنه بقي محدودا ومشروطا، يركز على الجوانب الإنسانية أكثر من التنمية الاقتصادية. حرب الخليج أثرت على سلاسل الإمداد عالميا، ما ضاعف أزمة السودان. إذا توقفت الحرب الداخلية، فإن السودان سيستعيد تدريجيا الاستثمار الأجنبي والدعم التنموي، وهو ما يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسار الاقتصاد.
٥- المليشيا الإرهابية كانت أحد أبرز عوامل الأزمة الاقتصادية عبر السيطرة على الموارد، ضرب العملة، وزعزعة الاستقرار. لكن مع تراجعها الميداني مؤخرا والانشقاقات الداخلية والحصار الدولي، بدأ تأثيرها السلبي ينحسر تدريجيا. رغم ذلك، لا يمكن الاستهانة بقدرتها على إحداث أزمات موضعية ما دامت الحرب مستمرة، حتى وإن فقدت السيطرة الواسعة، حتى في وجود الحلول فدرهم وقاية خير من قنطار علاج.
د. لؤي عبد المنعم
الخبير المصرفي
The post دكتور لوي عبدالمنعم الخبير المصرفي يكتب!!!! حول تشخيص الأزمة الاقتصادية ودور الحكومة والحلول الممكنة* first appeared on مسار ميديا.