![]()
ماذا بقي من ذلك التحول بعد ربع قرن؟
في اليوم التالي لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، استيقظ ملايين العرب والمسلمين في الولايات المتحدة والغرب على واقع مختلف. لم يكونوا طرفًا في الهجمات، وكثيرون منهم عاشوا الصدمة نفسها وخسروا زملاء وأصدقاء فيها، لكن أسماءهم وملامحهم ولهجاتهم وملابسهم أصبحت فجأة قابلة لأن تُقرأ بوصفها علامات أمنية.
بدأ الأمر باعتداءات في الشوارع، وشتائم ورسائل تهديد واستهداف لمحال ومساجد، ثم تجاوز سريعًا ردود الفعل الفردية. خلال الأشهر والسنوات التالية، دخلت الأسئلة نفسها إلى المطارات وأجهزة الهجرة ومؤسسات إنفاذ القانون والنقاش السياسي ووسائل الإعلام. تحولت “مكافحة الإرهاب” إلى عدسة جديدة يُنظر عبرها إلى شريحة واسعة من الناس، بما في ذلك أشخاص لا يجمع بينهم سوى أنهم مسلمون أو عرب أو يُعتقد أنهم كذلك.
بعد 25 عامًا، اختفى كثير من الإجراءات التي وُلدت مباشرة بعد الهجمات، وتغيرت القوانين والسياسات، لكن السؤال الأكثر صعوبة بقي قائمًا:
ماذا يحدث لمجتمع حين تستقر الشبهة المرتبطة به في الوعي العام مدة أطول من السياسات التي صنعتها؟
حين أصبح بلد الميلاد معلومة أمنية
كان نظام الهجرة من أول الأماكن التي ظهر فيها التغيير بوضوح. ففي 2002، أطلقت الولايات المتحدة نظام التسجيل الأمني NSEERS، الذي أخضع مواطنين من دول محددة إلى تسجيل خاص يتضمن البصمات والصور والمقابلات والمتابعة لدى سلطات الهجرة.
شملت القائمة 25 دولة، وكانت 24 منها ذات أغلبية مسلمة. وانطبق جانب “التسجيل الخاص” داخل الولايات المتحدة على رجال وفتيان غير أميركيين من سن 16 عامًا فما فوق.
وبين سبتمبر/ أيلول 2002 وسبتمبر 2003، خضع 83,519 شخصًا لهذه المقابلات، ووُضع 13,799 منهم في إجراءات ترحيل. ارتبطت الغالبية الساحقة من تلك الإجراءات بمخالفات الهجرة والوضع القانوني، فيما تعرض البرنامج لانتقادات واسعة بسبب اعتماده الأصل القومي أساسًا لاختيار من يخضع للتدقيق.
أُوقف التسجيل الإلزامي تدريجيًا، ثم أُلغي إطار البرنامج نهائيًا لاحقًا، لكن أهميته التاريخية لا تتعلق بعمره فقط. فقد مثّل لحظة صار فيها الانتماء إلى مجموعة محددة سببًا كافيًا لإخضاع شخص لإجراء أمني إضافي، ورسّخ لدى كثيرين شعورًا بأن الاسم أو جواز السفر قد يسبقان الفرد إلى غرفة التحقيق.
المطار.. حيث تصبح الشبهة تجربة شخصية
شكّلت المطارات أحد أكثر أوجه المرحلة حضورًا في الحياة اليومية. فمع أنّ إجراءات الأمن الجديدة طاولت جميع المسافرين مبدئيًا، لكن المسلمين الأميركيين تحدثوا مرارًا عن شعورهم بأنهم يُفردون بتدقيق إضافي بسبب هويتهم.
في مسح لبيو عام 2011، قال 21% من المسلمين الأميركيين إن أمن المطارات أفردهم بالتفتيش خلال العام السابق بسبب كونهم مسلمين. وترتفع النسبة إلى 36% بين الذين سافروا جوًا فعلًا خلال تلك الفترة. وفي 2017، بقيت النسبة عند 18% من مجموع المسلمين الذين شملهم الاستطلاع. كما كان الأشخاص الذين يكشف مظهرهم عن هويتهم الدينية، ومنهم نساء يرتدين الحجاب، أكثر عرضة للإبلاغ عن التمييز.
هذه الأرقام لا تعني أن كل تفتيش كان تمييزيًا، لكنها تشرح لماذا صار المطار جزءًا من ذاكرة ما بعد 11 سبتمبر لدى شريحة من المسلمين: الوصول مبكرًا تحسبًا للتأخير، توقع السؤال الإضافي، ومحاولة فهم لماذا انتقل مسافر دون توقف بينما طُلب من آخر الانتظار.
ولا ينفصل هذا الأمر عن التحول الأمني الأوسع الذي تناولناه في ملف “ربع قرن على 11 سبتمبر”: النظام الذي بدأ بتشديد أبواب الطائرات امتد لاحقًا إلى البيانات وقوائم المراقبة وسجلات السفر.
من الاعتداء في الشارع إلى الشبهة في الحياة اليومية
جاء التحول الاجتماعي سريعًا أيضًا. ففي العام السابق للهجمات، سجل مكتب التحقيقات الفيدرالي 28 حادثة كراهية معادية للمسلمين. عام 2001 قفز الرقم إلى 481 حادثة. وتراجعت الأعداد بعد ذلك، لكنها لم تعد إلى مستوى ما قبل 11 سبتمبر؛ وبلغت مثلًا 307 حوادث عام 2016، ثم 236 في 2023 و228 في 2024 و205 في 2025.
اتسعت دائرة الاستهداف إلى ما وراء المسلمين أنفسهم. فقد قالت وزارة العدل الأميركية إنها حققت بعد الهجمات في أكثر من 800 حادثة شملت عنفًا وتهديدات وتخريبًا وإحراقًا استهدفت عربًا ومسلمين وسيخًا وأميركيين من جنوب آسيا وأشخاصًا اعتُبروا من أصول شرق أوسطية. الهوية التي كان المعتدي يراها أحيانًا كانت أهم من الهوية الفعلية للضحية.
وهذا تمييز ضروري عند الحديث عن “العرب والمسلمين”: الفئتان لا تتطابقان. فليس كل عربي مسلمًا، وغالبية مسلمي العالم ليست عربية، كما طاولت موجة ما بعد 11 سبتمبر أشخاصًا لم يكونوا عربًا ولا مسلمين لأن مظهرهم وضعهم داخل صورة نمطية واحدة.
ماذا فعلت الشاشة بصورة المسلم؟
لكنّ الشبهة لم تُصنع في غرف الأمن وحدها. فقد لعبت الشاشة دورًا في تثبيت صورة المسلم باعتباره “وافدًا” أو مرتبطًا بالحرب والعنف، حتى عندما كانت المجتمعات المسلمة نفسها تتغير وتترسخ داخل الدول الغربية.
حللت مبادرة أننبرغ للشمول في جامعة جنوب كاليفورنيا 200 فيلم شعبي أُنتجت في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا بين 2017 و2019. ومن بين أكثر من 8500 شخصية ناطقة، كانت نسبة المسلمين أقل من 2%. والأوضح أن 90.5% من الأفلام لم تضم شخصية مسلمة ناطقة واحدة.
وحين ظهر المسلمون، بقيت أنماط قديمة حاضرة. فقد أشارت الدراسة إلى أن نحو ثلث الشخصيات المسلمة كانت مرتكبة للعنف، بينما كان أكثر من نصفها ضحية له. كما ظهر أكثر من نصف الشخصيات الأساسية والثانوية بوصفها مهاجرة أو لاجئة، ما يعيد إنتاج فكرة أن المسلم شخص قادم من الخارج حتى في مجتمعات يعيش فيها المسلمون منذ أجيال.
هذه الفجوة تظهر أيضًا في نظرة المسلمين الأميركيين أنفسهم إلى الإعلام. ففي استطلاع بيو لعام 2026، قال 59% إن تصوير المسلمين في التلفزيون والأفلام غير منصف. وهي نسبة تكاد تطابق الـ60% المسجلة في سؤال مشابه عن التغطية الإعلامية عام 2017.
حين وصل الأمن إلى المدرسة والجامعة
في بريطانيا، يوضح برنامج Prevent كيف انتقل منطق مكافحة الإرهاب إلى مؤسسات تتجاوز الشرطة والمطارات. بدأ البرنامج داخل استراتيجية مكافحة الإرهاب البريطانية CONTEST عام 2003، وكان تركيزه الأول منصبًا على خطر الإرهاب الإسلاموي ومنع تطرف الشباب المسلم، قبل أن يتوسع لاحقًا ليشمل أشكالًا أخرى من الإرهاب.
بعد تفجيرات لندن عام 2005 توسع البرنامج، ثم دخلت آلية Channel تدريجيًا، وفي 2015 أصبحت واجبات الوقاية من الانجذاب إلى الإرهاب ملزمة قانونيًا لمؤسسات عامة، من بينها التعليم.
هذه السياسات كانت موضع جدل طويل: الحكومات البريطانية اعتبرتها جزءًا من الوقاية المبكرة، فيما رأى منتقدون ومنظمات حقوقية أنها قد تجعل بعض المسلمين يشعرون بأن المدرسة أو الجامعة صارت أيضًا مساحة يُنظر فيها إلى السلوك العادي من خلال عدسة أمنية. وقد أقرّت مراجعة حكومية لبرنامج Prevent بوجود شعور داخل قطاعات من المسلمين بأن قوانين مكافحة الإرهاب تؤدي إلى وصمهم.
المهم هنا ليس القول إن كل طالب مسلم خضع للمراقبة، وإنما أن ما بدأ في 2001 كتهديد خارجي أعاد تشكيل الطريقة التي ناقشت بها دول غربية الاندماج والهوية والتطرف، وأدخل مؤسسات مدنية إلى قلب النقاش الأمني.
أوروبا.. الشبهة لم تتوقف عند 11 سبتمبر
لا يمكن تفسير الإسلاموفوبيا في أوروبا كلها بهجمات 11 سبتمبر. القارة لها تاريخها الخاص مع الهجرة والاستعمار والعلمانية وصعود اليمين المتطرف، كما أضافت تفجيرات مدريد عام 2004 ولندن عام 2005 وهجمات لاحقة عوامل جديدة. لكن 11 سبتمبر شكّل منعطفًا مبكرًا جعل الإسلام حاضرًا بصورة دائمة تقريبًا في نقاش الأمن والاندماج.
وتظهر أحدث بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية استمرار المشكلة. ففي مسح شمل مسلمين من خلفيات مهاجرة وأبناءهم في 13 دولة، قال 47% إنهم تعرضوا لتمييز عنصري خلال السنوات الخمس السابقة، مقارنة بـ39% في المسح السابق. وظهرت المشكلة بقوة في العمل والسكن، كما كانت النساء اللواتي يرتدين ملابس دينية أكثر عرضة للتمييز عند البحث عن عمل.
وتصلح هذه الأرقام لتفسير لماذا ظل النقاش الأوروبي بشأن المسلمين يتجاوز مسألة الإرهاب نفسها إلى الحجاب والوظائف والسكن والانتماء ومن يحق له أن يُعامل بوصفه جزءًا طبيعيًا من المجتمع.
طالبات مسلمات خلال احتجاج في بروكسل على حظر الحجاب – NurPhoto/Getty Images
الزمن مرّ.. لكن الصورة لم تتحسن بالضرورة
ربما تكون المفارقة الأكثر لفتًا بعد 25 عامًا في استطلاعات الرأي الأميركية نفسها.
في مارس/ آذار 2002، بعد ستة أشهر فقط من الهجمات، قال 25% من الأميركيين إن الإسلام أكثر ميلًا من الأديان الأخرى إلى تشجيع العنف. وفي مطلع 2026 وصلت النسبة إلى 51%. وأظهر الاستطلاع الحالي كذلك أن 43% يرون المسلمين الأميركيين أقل وطنية من غيرهم، بينما قال 42% إن للمسلمين أثرًا سلبيًا على البلاد. وعندما طُلب من بعض المستجيبين تفسير رأيهم، استحضروا 11 سبتمبر مباشرة بعد ربع قرن على وقوعه.
لا يعني ذلك أن المجتمع الأميركي كله أصبح أكثر عداءً للمسلمين. ففي الاستطلاع ذاته قال ثلث المسلمين تقريبًا إن شخصًا عبّر لهم خلال العام السابق عن دعمه لهم بسبب دينهم. لكنه يكشف أن الزمن وحده لم يكن كافيًا لفك الارتباط الذي نشأ لدى جزء من الرأي العام بين الإسلام وبين العنف.
جيل أقل استعدادًا لتبرير وجوده
غير أن قصة ربع القرن ليست قصة تراجع متواصل.
فقد أظهرت دراسة بيو لعام 2017 أن المسلمين المولودين في الولايات المتحدة كانوا أكثر ميلًا من المهاجرين إلى القول إنهم واجهوا التمييز: 61% مقابل 39%. كما كان الأصغر سنًا أكثر ميلًا إلى تسجيل تجارب التمييز من الأكبر سنًا.
أحد التفسيرات التي طرحها الباحثون ليس أن الجيل الجديد يتعرض بالضرورة لكل شيء أكثر من آبائه، وإنما أنه أقل استعدادًا لقبول تلك التجارب بوصفها أمرًا طبيعيًا على المهاجر التكيف معه.
ويفسّر هذا التحول جزءًا من التغير السياسي والاجتماعي. هناك اليوم نحو 5.5 ملايين مسلم في الولايات المتحدة، مقابل 2.4 مليون عام 2007. وارتفع عدد المساجد من قرابة 1200 عام 2000 إلى نحو 2800 عام 2020.
وكان الكونغرس خاليًا من الأعضاء المسلمين عام 2001، فيما يضم اليوم أربعة، وأصبح زهران ممداني عام 2026 أول مسلم يتولى رئاسة بلدية نيويورك، المدينة التي بدأت فيها القصة قبل ربع قرن.
بعد 25 عامًا على الهجمات، أصبح زاهر ممداني أول عمدة مسلم لنيويورك يتولى منصبه في 2026 – غيتي
إنه الوجه الآخر تمامًا لقصة ما بعد 11 سبتمبر. فالمجتمعات التي طُلب من أفراد منها سنوات طويلة أن يثبتوا أنهم لا يمثلون خطرًا أصبحت أكثر حضورًا في السياسة والإعلام والجامعات والفن، وظهر جيل يتعامل مع أميركا أو بريطانيا أو فرنسا باعتبارها بلده، لا مكانًا يقيم فيه ويحتاج باستمرار إلى إثبات حقه في الانتماء.
الحادي عشر من سبتمبر لم ينتهِ بالنسبة لهذه المجتمعات في ذلك الصباح، ولم ينتهِ أيضًا بعد خمس وعشرين عامًا، لكنه تحول إلى توازن هش بين خوف يتجدد وحضور يتسع.
