![]()
بعد قضاء ستةٍ وثلاثين عامًا (1989-2026) في التعليم العالي، تدرّجتُ فيه من مساعد تدريس حتى حصلتُ على درجة الأستاذية، ولم أغادر الحاضنة التعليمية. كما تدرّجتُ في الوظائف الأكاديمية من مساعد تدريس إلى مشرف على فصول دراسية، ثم مشرف على نشاط حقلي، فرئيس قسم، فرئيس للشؤون الأكاديمية، حتى وصلتُ إلى عميد، ومن ثم مدير لكلية جامعية. وشاركتُ في مختلف اللجان التعليمية بكل مسمياتها، حتى أصبحتُ عضوًا ومقررًا للمجلس العلمي في التعليم الجامعي.
وقد شاء الله لي أن أمارس العمل الجامعي في بيئات مختلفة داخل السودان وخارجه، في دول عربية وأجنبية. وخلال هذا النشاط الأكاديمي، درّستُ طلابًا من جنسيات متعددة: من دول إفريقية وعربية وآسيوية وأوروبية، مما أكسبني إلمامًا معقولًا وخبرةً مهمة في هذا المجال.
ومع طول هذه الفترة، والتغيرات التي صاحبت تطور المناهج ووسائل التعليم، والمرونة التي اكتسبناها لمواكبة هذه المتطلبات، أصبحنا أولًا طلابَ معرفة، وأكثر قدرةً على إعداد أنفسنا لتحقيق الجاهزية المطلوبة لتنفيذ البرامج التعليمية وأساليبها، رغم سرعة التحولات وتلاحقها.
ولا أنسى جانبًا مهمًا، وهو الزمالة في هذا المجال الفريد؛ فقد زاملتُ أساتذتي الذين تعلمتُ على أيديهم، كما زاملني طلابي، وزاملتُ أشخاصًا من مختلف جنسيات العالم، بثقافاتٍ وأمزجةٍ وتقاليدَ ونفسياتٍ وشخصياتٍ متنوعة. فمنهم من يسهل التعامل معه ويبعث على الارتياح، ومنهم من يصعب نيل رضاه. هناك شخصيات متواضعة، وأخرى مترفعة؛ شخصيات ترى فيك فائدة عظيمة، وأخرى لا ترى لوجودك داعيًا. هناك من يحب أن يعلّمك، وآخرون مهما بلغتَ من معرفة وخبرة لا يرون أنك تعرف شيئًا. وهناك من يحصر معرفتك في حدود تخصصك، وآخرون يمنحونك الفرصة لإظهار خبرتك والاستفادة مما لديك.
وفي خضم هذا التنوع، ظللتُ أعمل في هذه الأجواء معلّمًا ومتعلّمًا، حتى أصبحتُ أحدث نفسي: أليس هذا كافيًا؟ وهل آن الأوان للتنحي والترجّل عن صهوة العمل الأكاديمي، والتفرغ لما تبقى من العمر لنشاط آخر قد يكون أوسع وأعمّ؟
لكن قبل أن أترجل، أجد نفسي مؤهلًا لعرض ما يجري الآن في التعليم الجامعي. وما حفّزني للكتابة في هذا الأمر كتابٌ قديم، لكنني وجدتُ الوقت لأتأمله وأدرسه، ليس فقط من حيث ما كُتب في سطوره، بل في ضوء ما عشته وأعيشه اليوم في البيئة الأكاديمية عمومًا. وهنا يجب أن أنوّه إلى أمرٍ مهم: هذا النقد لا يستهدف جهةً بعينها، بل هو انعكاس لما لاحظته، وربطته بما أشار إليه الدكتور آلان دونو في كتابه “نظام التفاهة”.
لعلّ المقصود بالتعليم الجامعي هو شمولية المعارف أولًا: الإنسانية، والاجتماعية، والمعلوماتية، والمهنية، وقبل ذلك تحويل هذه المعارف والمهارات جميعها إلى سلوكٍ مفيد عندما يصبح الدارس مخرجًا لهذا التفاعل. ومما يجدر الإشارة إليه، وبحسب السياق السابق، أنه لن نجد مقرراتٍ دراسية تغطي هذا الزخم من المعارف والمهارات؛ وإنما يصبح ذلك ممكنًا من خلال تنوع البيئة، واختلاف الأشخاص، وما يطرأ من تحولات بعد قضاء فترة الدراسة.
وفي ظني أن أكبر تحدٍ يواجه العملية التعليمية الآن، وسيظل كذلك، هو التقييم وجودة العملية التعليمية في المؤسسات. وقد أصبح هذا المجال مدخلًا لمآرب ومطامع جهاتٍ أطلقت على نفسها منصات تقييمية، ولا أدري كيف اكتسبت هذا الحق في وضع مؤشرات باتت لها اليد العليا في تقييم الجامعات وترتيبها وتصنيفها.
لقد التقيت بهذه المنصات في عدة مؤتمرات، ولم نكن دومًا على وفاق، لعدم قدرتهم في بعض الأحيان على الإجابة عن أسئلة منطقية، أو إقناع السواد الأعظم من الحضور بجدوى هذا النشاط، الذي يبدو في جوهره نشاطًا ربحيًا. وحتى الآن، لا أجد له جدوى أكاديمية حقيقية، بل أرى أنه اختطف العملية التعليمية المعرفية نحو مغالطات كمية ومؤشرات رقمية.
بل إن نشاط الأساتذة أنفسهم أصبح في كثير من الأحيان موجّهًا نحو ملاحقة هذه الأرقام والمؤشرات، حفاظًا على وظائفهم أو سعيًا للترقية ولفت الانتباه إلى نشاطهم الرقمي، دون الوقوف على الأثر المعرفي الفعلي لجهودهم الحقيقية في العملية التعليمية، ومدى إسهامها في تطوير المخرج التعليمي.
في إطار عملي في المجال الأكاديمي، بين القطاع الخاص والعام، وشبه العام وشبه الخاص، أرى حقيقة لا بد من قولها: إن جميع هذه المؤسسات تولي رسالة التعليم المكانة الأسمى ضمن أهدافها وبرامجها. غير أن بعضها قد تعيقه محدودية الإمكانات والموارد، في حين يساعد البعض الآخر توفر الميزانيات. ومع ذلك، يظل هناك تفاوت واضح بين التعليم العام (الحكومي) والتعليم الخاص في تحقيق الأهداف المنشودة وتنفيذها.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن نسبة انتشار المؤسسات التعليمية العامة قد تراجعت مقارنة بنظيرتها من مؤسسات التعليم الخاص. وفي تقديري، يُعزى ذلك إلى عدم قدرة المؤسسات العامة على مواكبة الزيادة المطّردة في أعداد الراغبين والمؤهلين للالتحاق بالتعليم. وهذا تفسير منطقي إلى حد كبير، غير أن هناك جانبًا آخر يتمثل في البعد الاستثماري للتعليم الخاص أو الأهلي، وهو ما أدخل العملية التعليمية في إشكالات متعددة، خاصة في الدول النامية.
ومن أبرز عيوب التعليم الخاص هيمنة النظرة الاستثمارية، دون أن تواكبها رؤية استراتيجية عامة تتماشى مع سياسات الدولة واحتياجات سوق العمل. وقد أدى ذلك إلى فجوة واضحة بين مخرجات التعليم، من حيث النوع والتخصص والجودة، وبين المتطلبات الفعلية لسوق العمل.
أما التنافس بين المؤسسات التعليمية، سواء كانت عامة أو خاصة، فقد اتخذ في بعض الأحيان طابعًا هجينًا، حيث دخلت بعض المؤسسات العامة أيضًا في نمط التعليم ذي الطابع الاستثماري. وأفرز هذا الواقع ظهور جهات تُعنى بتقييم وتصنيف الجامعات. ورغم أن فكرة التصنيف في حد ذاتها قد تبدو إيجابية، خاصة عندما تتصدرها مؤسسات أكاديمية عريقة، إلا أن عامة الناس قد يظنون أن هذه التصنيفات دقيقة وعلمية بشكل مطلق، فتسارع المؤسسات التعليمية إلى استثمارها دعائيًا لإقناع الطلبة بجودتها، مستندة إلى ترتيب رقمي قد يضم في مقدمته جامعات ذات سمعة راسخة.
وهنا نصل إلى إشكالية ما يمكن تسميته بـ”فساد التقييم”، حيث أصبح بعض هذا التصنيف مدفوعًا، وامتد تأثيره إلى مختلف مكونات العملية التعليمية. بل وصل الأمر إلى تصنيف أعضاء هيئة التدريس أنفسهم ضمن قوائم لا تستند إلى معايير علمية راسخة، ولم يُعرف لها وجود يُذكر إلا في السنوات الخمس الأخيرة. ولإضفاء مزيد من المصداقية والبريق على هذه القوائم، يتم ربطها بأسماء مؤسسات أكاديمية مرموقة، مثل ما يُنسب إلى قوائم بعض الجامعات العالمية، وغيرها من التصنيفات التي تلقفتها جامعاتنا، خاصة في دولنا، وأدرجتها ضمن أدواتها الترويجية، على نحو يشبه عرض قوائم الطعام في المطاعم.
وهذا يأخذني مباشرةً إلى ما كتبه آلان دونو في كتابه نظام التفاهة، حول الكيفية التي تحوّلت بها الجامعات من مؤسسات معرفية إلى مؤسسات تحكمها الأرقام والمعايير والمؤشرات الكمية. فقد أشار إلى تحوّلها من مؤسسات تعليمية تتراجع فيها قيمة الفكر والمعرفة المقصودة لصالح تقييمات كمية قابلة للقياس الرقمي، وهو ما يُفرغها من جوهرها الإبداعي المتميز ومن عمق المعرفة المنشودة.
لقد أصبح كل ما في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية يُقيَّم تقييماً رقمياً، أو ما يُعرف حديثاً بـ”المقاييس الأكاديمية”، التي تزعم قياس جودة البحث والتعليم، مثل: عدد الأبحاث المنشورة، عامل تأثير المجلات العلمية، معدلات الاستشهاد بالأعمال، ترتيب الجامعة في التصنيفات العالمية، إلى جانب تقييمات رقمية لأداء الأساتذة والطلبة. وقد تحوّلت هذه المؤشرات إلى لغة الإدارة الجامعية الحديثة ومرتكز قراراتها، حتى باتت مخرجات العلم والفكر تُختزل في أرقام وإحصاءات تفقد كثيراً من معناها الحقيقي.
وقد علّق دونو على ذلك قائلاً: “إن هذا التحول من الفكر إلى الأرقام لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بصعود نزعة إدارية تكنوقراطية في التعليم العالي، تحت ضغط المساءلة العامة ومفهوم «الجودة» بمقاييس السوق. فقد وجد المديرون والمسؤولون أنه من الأسهل تتبّع الأداء الأكاديمي عبر جداول البيانات والرسوم البيانية، بدلاً من تقويم جوهر العملية التعليمية أو قيمة الإسهامات الفكرية. وعليه، أصبح المطلوب من الأستاذ والباحث تحقيق أهداف رقمية واضحة – كإصدار عدد معين من الأوراق العلمية سنوياً – لضمان الاستمرار والترقية، بغضّ النظر عن جودة ما يُنتَج أو أهميته الفكرية”.
وهذا يتقاطع مع ما ذهبتُ إليه في مستهل حديثي، كما تؤكده تجربتي الشخصية، من انشغال أعضاء هيئة التدريس بأمور ثانوية لا تخدم العملية التعليمية ولا مخرجاتها بشكل حقيقي.
ويخلص دونو في كتابه إلى إشكالية أخرى، تتمثل في أن “المقاييس الأكاديمية تحوّلت من أدوات مساعدة إلى غايات بحد ذاتها، وأصبح «النجاح» في الجامعة يُقاس بمؤشرات رقمية صارمة، أكثر مما يُقاس بالأثر الفكري أو الإبداعي. وفي ظل «سياسة الوسط المتطرف» التي يصفها، بات التفوق الحقيقي مهدداً، إذ يُفضَّل المتوسط المطيع على المتميز النقدي. إن الانتقال من رحابة الفكر إلى ضيق الأرقام لا يفرز سوى بيئة أكاديمية عقيمة، تتراكم فيها المعارف كمّاً بينما يتراجع فيها جوهر الفكر والمعنى”.
وأذكر أنني حضرتُ مؤتمراً حول تقييم الجامعات وتصنيفها، شاركت فيه إحدى أشهر المنصات العالمية المتخصصة في هذا المجال. وقد تطرّق المتحدث إلى المؤشرات المستخدمة في تصنيف وتقييم الجامعات، وعندما عدّدها بدت في مجملها معقولة ومنطقية. غير أنه أغفل مؤشراً بالغ الأهمية، وهو: دور المؤسسة الجامعية في البيئة التي أُنشئت فيها. وقد استوقفتني هذه النقطة، فطرحت سؤالاً مستشهداً بتجربتي جامعة الخرطوم وجامعة الجزيرة، ودورهما قبل الإنشاء وبعده في خدمة البيئة المحيطة والمجتمع المحلي. ولاحظت استحسان الحضور لهذا الطرح، في مقابل حالة من المفاجأة بدت على المتحدث، الذي جاءت إجابته مرتبكة إلى حدٍّ ما، رغم إقراره بأهمية هذا المؤشر. ويُعدّ هذا الموقف دليلاً إضافياً على أن ما يُعرف بـ”المقاييس الأكاديمية” ينبغي أن يُفهم بوصفه أدوات مساعدة لا غايات في حدّ ذاته. فإغفال مؤشرات جوهرية كهذا المؤشر يعكس محدودية هذه المقاييس، على الرغم من أنها أصبحت للأسف حاكمة ومهيمنة في عصرنا الراهن، وموجِّهة لكثير من السياسات والقرارات في التعليم العالي.
في رحلتي الأكاديمية، تعرّفتُ إلى ما يُعرف باقتصاديات التعليم، وإلى الدور الذي يلعبه الاقتصاد في تشكيل بنية التعليم ومضامينه. وهنا لا بد من التفريق بين التعليم الأهلي، والتعليم الخاص، والتعليم العام. غير أن دخول التعليم ، على وجه العموم ، في إطار الاستثمار جعَل الأثر الاقتصادي أكثر حضوراً وعمقاً في تشكيل مفردات العملية التعليمية. ولعل التعليم الجامعي، في كثير من السياقات، أصبح أو هو في طريقه لأن يصبح ممولاً ذاتياً. وهذا النهج لا يقتصر على الدول النامية فحسب، بل إن هذه الدول باتت تتبع نظيراتها المتقدمة في تقليص الدعم الكامل لتكلفة التعليم الجامعي، مقارنة بما كان سائداً في المراحل الأولى من تطور أنظمة التعليم. بل ويمكن القول، دون مبالغة كبيرة، إن نسبة محدودة فقط من الطلبة قد لا تتجاوز نحو 35% في بعض الجامعات الحكومية ، هم من تتكفّل الجامعات بتغطية تكاليف تعليمهم بشكل كامل، وغالباً ما يكون ذلك مشروطاً بالحفاظ على مستوى أكاديمي متميز طوال فترة الدراسة. وربما تتضاءل هذه النسبة أكثر، أو تكاد تنعدم، في كليات بعينها، كالكليات الطبية. وقد ترتّبت على هذا الوضع تبعات عديدة، لعل أبرزها أن الطالب أصبح، بصورة أو بأخرى، ممولاً للتعليم الجامعي، وغالباً ما تتحمل أسرته هذا العبء. ونتيجة لذلك، بدأ كلٌّ من الطالب وأسرته ينظران إلى التعليم الجامعي بوصفه “سلعة” مدفوعة الثمن. ومع ترسّخ هذا التصور، يتنامى لدى الطالب شعور بالحق في التأثير في مجريات العملية التعليمية، فيتحول في بعض الحالات ، إلى طرفٍ “مطلبي”، كثير الشكوى والاعتراض. ولم يعد دور الطالب مقتصراً على التلقي، بل بات يمارس دوراً تقييماً كمّياً لأداء الأستاذ، والمقرر، والبيئة الجامعية ككل. بل وقد يمتد تأثيره ، عبر أدوات التقييم المختلفة إلى إعادة تشكيل مفردات المقررات الدراسية، وطرق التدريس، بل وحتى أساليب التقويم. وهنا تنزلق العملية التعليمية، تدريجياً، نحو منطق السوق: سلعةٌ ومستهلك، حيث يصبح رضا “الزبون” معياراً حاكماً، وتُختزل جودة التعليم في مدى إشباع توقعاته، لا في عمق المعرفة أو أصالتها.
مما يجدر الاشارة اليه فى هذه الرحلة الممتدة فى العمل الاكاديمى عايشنا اساليب تعليمية و فلسفات مختلفة و كذا وسائل تعليمية و معينات متنوعة و خاصة الوسائل بعد التقدم المضطرد فى تقنية و تقانة المعلومات ودخولنا الى عصر الذكاء الاصطناعى و حتى وسائل الاتصال بين الطالب و الاستاذ استحدثت فيها نظم و فراغات افتراضية جعلت فى اغلب الاحايين ان فراغ التواصل اصبح الكترونيا، نفس الاستاذ قبل عشرون عاما والذى كان يستخدم وسائل تقليدية و حضورية فى العملية التعليمية، يتطلب منه هذا التحول تقديم نفس الخدمة بوسائل مستحدثة تتطلب من الاستاذ ان يواكب حداثة الوسائل و تطورها و التدرب على المهارات المتجددة و الالمام بها و ايجادة استخدامها و الا عدم المواكبة قد لا يساعد الاستاذ تقديم مادته بصورة جاذبة لطلبة هذا العصر، و هنا نأخذ مثال لذلك اصبح التدريس لدرجة كبيرة يعتمد على الباوربوينت فى تقديم المحاضرات او وسائل اخرى مثل السميليشن و ما الى ذلك من الوسائل. لا شك ان هذه الوسائل مفيدة الا ان تاثيرها فى الجانب المعرفى تحتوى على بعض السلبيات، فمثلا بونو فى كتابه ينتقد هذه الوسائل التعليمية قائلا ” أحد تجليات “نظام التفاهة” في التعليم. فالتعليم الجامعي تحول عن جوهره التفاعلي إلى عملية إخراج وإبهار بصري. يضع الأستاذ نقاطًا أساسية مختزلة على الشاشة، ويُجمل الأفكار المعقدة في رسومات بيانية جذابة، أملاً في إيصال “المعلومة” بأسرع وأبسط طريقة ممكنة. لكن هذه البساطة الخادعة قد تأتي على حساب عمق الفهم؛ إذ يُفرض على العقل تلقي المادة بشكل خطي ومُعلَّب، دون مجال كبير للتساؤل والنقاش الحر الذي يُنمّي ملكات التفكير النقدي”.
وفي هذا السياق، يميل التدريس إلى أن يكون أقرب إلى عملية تنظيم للمحتوى وإدارة للوقت، حيث يحرص الأستاذ على تغطية جميع الشرائح والنقاط المخطط لها ضمن الإطار الزمني المتاح. وقد يحدث ذلك أحيانًا على حساب التفاعل العميق أو التأكد من مستوى استيعاب الطلاب وانخراطهم الفكري.
يمكن القول إن “عرض” التدريس بهذا الشكل قد تحقق بعض المكاسب السريعة؛ إذ قد يزداد انتباه الطلاب لما يُعرض أمامهم، وقد يستمتعون بالصور والرسوم ومقاطع الفيديو المدمجة في الدرس. كما قد تنعكس هذه الطريقة إيجابًا على تقييماتهم للأستاذ باعتباره أقل مللاً لكن على المدى البعيد، قد يؤدي ذلك إلى انخفاض مستوى التحدي الفكري داخل القاعة. حيث يميل الطالب إلى التلقي بشكل سلبي، ويتوقع أن تكون المعلومة جاهزة ومبسطة، دون مشاركة فعلية في بنائها أو مناقشتها. وبذلك، يتراجع تدريجيًا دور الأستاذ كمحفّز على التفكير والنقد، ليقترب أكثر من كونه ناقلًا للمعلومات بطريقة جذابة، بدلاً من كونه موجهاً لعملية تعلم تفاعلية وعميقة.
قال ناقد آخر منتقدا استحداث مثل هذه الوسائل “لقد أصبح امتلاك مهارات العرض والإلقاء شرطًا غير مكتوب لنجاح الأستاذ في عصرنا. فالتقارير والتقييمات تكافئ من يحافظ على انتباه الطلاب ونسبة حضورهم، بغض النظر عما إذا كان ما يُقدمه من مادة علمية يثري فكرهم أو يدربهم على النقد. وهكذا يجد العديد من الأساتذة أنفسهم مضطرين لمجاراة التوقعات: المزيد من الشرائح، المزيد من الطرائف والقصص الجانبية لإبقاء الجو ممتعًا، وربما تبسيط شديد للمادة لكي لا يفقد الطالب تركيزه. كل ذلك يؤدي بالتدريج إلى انزلاق معنى التعليم من عملية تغيير جذري في طريقة التفكير إلى مجرد “تجربة” ممتعة ومريحة للحصول على الشهادة”. بعد هذه الرحلة ، وجهة نظرى في المحصلة، يمكن النظر إلى التحول التقني في التعليم بوصفه سيفًا ذا حدين؛ فقد أتاح أدوات حديثة وسهلة الاستخدام أسهمت في رفع الجاذبية وتنظيم المحتوى وتحسين الوصول إلى المعرفة. غير أن هذا التحول، حين يُدار بوصفه غاية لا وسيلة، قد يُضعف عمق التفاعل الفكري ويقلل من مساحة الحوار النقدي داخل القاعة ومن ثمّ، لا يكمن الإشكال في الوسائل ذاتها بقدر ما يكمن في طريقة توظيفها وتوازنها مع جوهر العملية التعليمية. المطلوب هو إعادة الاعتبار للتفكير النقدي والتفاعل الحي، دون التفريط في مكتسبات التقنية، بما يحفظ للتعليم وظيفته التكوينية لا التجميلية فقط.
لا تزال الرحلة مستمرة، غير أني كثيراً ما أجد نفسي في حوار صامت مع الذات: هل ما زال لدي من الطاقة والحماس ما يكفي للاستمرار بنفس الجودة والدقة والإخلاص الذي رافقني طوال هذه السنوات؟ يتأرجح داخلي حرصٌ على ما تراكم من خبرة وسمعة مهنية، وخشيةٌ من أن يُمسّ هذا الرصيد الذي بُني بعناية عبر زمن طويل، في مقابل تحولات متسارعة في أدوات التعليم وتصوراته، أحياناً لا تنسجم تماماً مع قناعاتي حول معنى الأمانة في الأداء الأكاديمي، حيث لا يكون التدريس فعلاً عابراً أو أداءً شكلياً، بل مسؤولية واعية لا تُترك للصدفة. وفي خضم هذا التباين، يتكرر السؤال في داخلي: أليس من حق الأستاذ أن يتأمل مساره ويترجل بهدوء حين يشعر أن الإيقاع المتسارع للتغيير قد يتطلب طاقات ورؤى جديدة؟ فالبحث العلمي يظل مجالاً مشوقاً يتجدد فيه الإنسان يومياً، أما التدريس فيبدو لي أكثر احتياجاً إلى تجدد مستمر في الأدوات والروح والخيال، بما يواكب تطلعات مؤسسات تحلم دائماً بالأفضل. لقد قدّمنا ما استطعنا، وتعلمنا من التجربة بقدر ما أثريناها، غير أن الخشية تبقى دائماً على ما تحقق من مكانة وسمعة أن يُثقلها ما تبقى من الطريق. ومن هنا، لا يبدو هذا التأمل إعلان نهاية بقدر ما هو وقفة صادقة مع الذات، استعداداً لمرحلة أقرب إلى التأمل والمراجعة واستخلاص العبر من رحلة كانت غنية بكل ما فيها.