رحل البروف عزالدين عمر موسى وبقي الأثر

رحل البروف عزالدين عمر موسى وبقي الأثر

Loading

وُوري جثمانه النحيل الثرى في إنديانا الامريكية، بعيداً عن توتي مسقط رأسه التي عشق أهلها وبيوتها وجمعياتها الخيرية. إنه كان أحد أعمدة علم التاريخ والدراسات الاستراتيجية ورائد المثاقفات السياسية والاجتماعية أينما حل. أبو الوليد البروف عزالدين عمر موسى عاش أكثر من أربعة عقود يمشي في أروقة وقاعات الجامعات ودور العلم بالسعودية يملك المعرفة للطلاب، وقبلها كان في نيجيريا بغرب افريقيا ،واحدة من أهم محطاته العلمية. في السعودية أحبه طلابه وخاصة طلاب الدراسات العليا حيث تفتحت عيونهم على عالم واسع العلم والاطلاع. فمن نعزي في رحيله الهادئ رحيل العلماء؟ هل نعزي أنفسنا نحن محبيه وطلابه في العمل العام ، أم أُسرته الصغيرة، وأهل توتي أم الوطن وكلهم خاصته؟ لا نقول إلا ما يرضي الله فالموت حق، وندعو الله له بالثبات وأن يرزقه الجنة وإن شاء الله في عليين.. آمين.

بروف أبو الوليد كان الأب الروحي للجالية السودانية بالرياض بتفاصيلها المتنوعة. تجده رئيساً للملتقي الثقافي، الرابطة الرياضية،ملهماً الفاعلية لكل أشكال العمل العام وحتى الروابط الخيرية والمناطقية وبصماته كانت واضحة في كل نشاط. فهو يملك قدرة عالية في التواصل والتفاعل الاجتماعي وسط السودانيين وغيرهم. كان منظماً ورائداً في الديوانيات الثقافية لراشد المبارك وحمد الجاسر وأنور عشقي بالرياض بتنوع أنشطتها التي تعطي وتأخذ بموضوعية. جذبنا الى هذه الديوانيات وربطنا بها ونحن تلاميذه في العمل العام والثقافي، بصفوة المجتمع السعودي فعرفناهم عن قرب وهم الكرماء. تعرفوا علينا أكثر نحن أهل السودان، حيث كان تعزيز القيم الفاضلة وروابط الإخاء. نعم كان البروف رائداً في الدبلوماسية الشعبية. لم تشبعنا أنشطة الديوانيات فكنا نلاحقه الى داره العامرة حيث تستقبلنا أسرته بالشاي والقهوة والتمر، بل في جرأة نطلب أحياناً الغداء أو العشاء. لقد خصص لنا في داره جناحاً منفصلاً نستكمل فيه مثاقفاتنا حتى سمانا البعض أولاد عزالدين، ونعم الأب. فعرفنا تفاصيل توتي وأهلها. كان وقتها ذلك الود الشاب “أبو تفه” الشيخ الطاهر الفكي العريبي الكاهلي الفصيح عضواً دائماً في ديوان أبو حمدان، وكان يحلو له أن يحدثنا عن تجربته في حركة 76م وهم الذين سماهم الإعلام المرتزقة .

أبو الوليد رجل وعالم غير عادي، يعمل في كل المجالات وبهمة نحسده عليها. فرغم تقدم عمره علينا نحن الملولين على تطويل الجلسات، أما هو فقد كان يصبر على الاجتماعات لساعات طويلة. تجده يحرص ويكثر من السفر لحضور المنتديات العلمية والثقافية في كل البلاد وخاصة مصر المحروسة التي يقصدها كل من أراد النجاح في تلقي العلم والفن، حيث توطنت فيها الكثير من مؤسسات الثقافة والحداثة. تجده في الأردن ومثقفيها المتميزين وفي لبنان الجميل الراقي. فودّهُ وصداقته مع لبنان قديم حيث درس بالجامعة الأمريكية ببيروت. وفوق هذا وذاك كان عضواً ومتحدثاً راتباً في حسنيات الملك الحسن الرمضانية السنوية في المغرب. هو مبدع في البيئات الناعمة وكذلك في مناطق التحدي الصارمة وينشط فيها لذلك لم ينقطع تواصله مع الوطن وحتى بلاد شنقيط.

لعطاء فقيدنا الراحل العلمي الغزير نال وكُرم بجائزة الملك فيصل العالمية لدراساته المعمقة عن النشاط الاقتصادي بالمغرب العربي. وكانت النقلة الكبرى في تخصيص كامل الجائزة لتأسيس مركز العز بن عبد السلام للثقافة بالخرطوم بحري/ شمبات حيث الشمباتية عمقه الاجتماعي. عندما قصدته لتقديم كتابي المترجم عن جبال النوبة للبروف البريطاني “نادل ” وجدته يعرف تفاصيل عن أهل الجبال وكأنه منها. 

اتَّخذ البروف رمزية العالم المجاهد العز بن عبدالسلام اسماً لهذا لمركز الناشئ. فهذا الشيخ الجليل كان آمراً بالمعروف لدى السلاطين، وهو الذي لا يحسب حساباً لرهابهم وجبروتهم ولا يحدُّ من نصيحته عطاؤهم المغروض. عاش هذا الفقيه متنقلاً يقدم علمه للجميع فحط آخر رحالة بمصر المحروسة. وهو السيف الذي يخشاه الجميع حُكاماً وزملاء من حملة العلم النافع. لذلك سُمي ” بسلطان العلماء”. قضى عمره في المناصحة المفتوحة حتى مات ودفن في نواحي جبل المقطم بالقاهرة. لقد أحسن البروف عز الدين عمر موسى في اختياره اسماً لهذا المركز الثقافي، وفي ذلك دلالات إيجابية عديدة وهو البصمة والأثر الباقي بعد رحيله.

ومن مواليد مركز العز صحيفة “المركز” لسان حاله، والداعمة لأنشطة المركز إعلامياً ، وهي مولوده البكر في مهاجر اللجوء ، نقرأ في تعريفها أنها ولدت في 27 أبريل من عام 2024م. اليوم هي تمشي على قدمين راسخين بعد أن تخطت الحبو تحت رعاية البروف مُسرعة تتأهب للطيران بجناحين لتحلق في الفضاء الثقافي والتثاقف. تحمل رسالة قومية ثقافية واجتماعية تدعو فيها إلى التأخي والتسامح وتقول لروادها “أنا السودان ” أشرب من ماء نيل الوطن العظيم كل القيم الإنسانية الفاضلة التي تأسست عبر السنين. حيث مولد حاديها البروف له الرحمة توتي مجّمع البحرين الأرض التي مشى عليها سيدنا موسى عليه السلام كليم الله والخضر النبي الحكيم بأمر وفضل الله.

فمركز العز بن عبد السلام وصحيفته “المركز” هما من الآثار الطيبة الباقية عن البروف وهما من بيئة خلاسية الثقافة هي بعض عربية وبعض زنجية. هما من عمق إنسانها المتميز وحروفهما خضراء تجذب المتذوقين للثقافة. هي مزيج لخليط ثقافي قيل أنهم أحفاد تهراقا وبعانقي وكذلك الخزرج البدريين في الإسلام، اليوم هم الذين يزرعون جروف النيل. نقرأ في أعلى سطور صحيفة المركز أنها نصف شهرية ويرأس مجلس إدارتها البروف عزالدين عمر موسى أستاذ التاريخ والاستراتيجية في عدة جامعات. بروف عزالدين عاشق للعلم والاجتماعيات، يعطي أكثر مما يأخُذ، وكانت الديوانيات التي اشرت اليها أعلاه بمواقعها المختلفة ومواضيعها المتنوعة نبيلة المقصد، ميدانه الأخضر. قدمتنا نحن السودانيين للآخر ليؤكد عندهم تلك السيرة الطيبة التي صنعها الرعيل الأول من المهاجرين، وتعلمنا فيها الكثيرعن الآخر الثقافي والاجتماعي الذي التقيناه.

بروف عزالدين علمُ لا يحتاج لتعريف، تعرفه بإنتاجه العلمي الغزير من المؤلفات. عرفناه رجلاً يحب العمل في بيئة التحديات وغالباً كان يسلك الطرق الوعرة ولا يهابها لإنجاز العظيم من الاُمور. قبل شهر رمضان لعام 2024م تشاور مع خاصته في مركز العز بن عبدالسلام مقترحاً، تكريم الفنان الكردفاني الكبير أحد صناع وجداننا الفني/ الثقافي القومي المشترك الدكتور/عبد القادر سالم الذي تغني بالسلم الخماسي، وأضاف إليه سلمين ليكون سُباعياً. وسريعاً شكل لجان العمل ورتب البرنامج، وأخذ يدعو ويكلف من يرى لتنفيذ تفاصيل الفكرة. كان أمامنا عدة تحديات كل واحدة كافية أن تكون سبباً قي فشل تكريم هذا الفان الكبير. ومن هذه التحديات أن رمضان كان على الأبواب ولم يبق منه إلا أقل من أُسبوعين والناس مشغولين للتحضير له، كما أن الوضع الصحي للفان غير مريح. وهو العائد لتوه من العلاج في القاهرة، وكذلك تعدد الفعاليات الأخرى في تاريخ التكريم، قد تُقاسمنا جمهور المُستهدفين. كذلك تدهور الوضع الأمني بأم درمان حيث يسكن الفنان وعدم توفر الكهرباء لتسهيل الاتصال والتواصل عبر تطبيق زُوم ، بما يضمن مشاركة الفنان وآخرين أسفيرياً. فضغطنا على البروف في اتجاه تاجيل الفعالية إلى ما بعد شهر رمضان لنقيمها في ظروف أفضل. لقد نسينا أنه رجل التحديات وتلك هي بيئته المُفضلة. ألم أقل لكم أن البروف يحب العمل في ظروف التحدي. فهاج فينا وأصرّ على موقفه والتاريخ الذي حدده لهذه الفعالية. فهزمنا جميعاً نحن أصحاب فكرة التأجيل . وما كان إلا أن وضعنا أمام الأمرالواقع ، ونحن نقول له ستتحمل الفشل وحدك إذا حدث. فتركنا جانباً وأخذ يتصل ويدعو ويتابع الترتيبات بنفسه، ولم يترك لنا إلا القليل لنقوم به. قامت الفعالية الحمد لله في تاريخها وتوقيتها، وكانت محضورة العدد متجاوزة كل التحديات بنجاح. فذلك هو البروف عزالدين صاحب مركز العز عبدالسلام وصحيفته ” المركز” وخلية العمل التي تعمل معه بهمة ونشاط.

ومن الأثر الباقي صحيفة المركز،  مولود مركز العز بن عبد السلام، غير المدلل لكثرة المعوقات، يديرها الصحفي القدير صلاح الحويج، وهو من أخص أصدقاء وتلاميذ البروف. شخص يمشي والأمل في يديه ويقين النجاح في نفسه، يصنع ويصطاد فرص النجاح بلا معطيات ، صبور هادئ متعدد الثقافات عرفناه بالرياض أيام صحيفة الخرطوم المهاجرة المصادمة سياسياً. عرفناه في ندوة الاربعاء بالرياض وهو يقدم ثقافات الهامش عندما كانت الغالبية لا يفرقون بين الكمبلا ورقصات المردوم والكرنق. فكان يعّرف الناس برقصة الكمبلا وابطالها وهم يرقصون حيث تعايش معهم في كادوقلي وعلى رؤوسهم قرون الثيران ويهمهمون في حيوية ” عمر خليفه سوُّا السينما ” احتفاء بافتتاح دار للسينما ،تلك السينما التي كان دخولها مدينة كادوقلي نقلة وحدث عظيم. كان الحويج يتحدث أيضاً عن بطون المسيرية والحوازمة وهجرات الهلاليين. رجل بهذا العمق من الثقافة ومدرك لتفاصيل مجتمعاتنا وثقافاتنا المحلية، قدير في أن يدير صحيفة “المركز” بكفاءة ويعبُرُ بها إلى حيث مقاصدها النبيلة، خاصة أن حاديه وملهمه هو فقيدنا الراحل البروف عزالدين. صحيفة “المركز” لها رصيد من المتابعين في القروبات النيرة الراقية مثل قروبات “سوانح وتعليم وتذكية” وآخرين، جُلهم من أهل توتي والشمباتية الأكاديميين.هذه المجموعات رغم ما يتميزون به من خصوصية لكن هم يعمرون أينما حلو. عرفناهم في كردفان/ الأبيض أبو قبه فحل الديوم، رواداً للتعليم والرياضة وأهل خير في العمل العام فتواطنوا مع السكان المحليين واصبح لهم وجود متميز كإدارات أهلية لها أطيان ليس في الأُبيض فحسب ولكن حتى في ريفه في البانجديد. وهكذا كانت رسالتهم ناجحة في مهاجرهم داخل الوطن وخارجه والتحية للأخ حمودة ومؤسسة الجميح الخيرية. وكانت هذه أيضاً رسالة مركز العز بن عبد السلام وصحيفته ” المركز” وهما من بصمات البروف عزالدين له الرحمة الباقية في مقاصدها النبيلة، للارتقاء بالثقافة والرأي العام السوداني لهزيمة خطاب الكراهية والعنصرية الجهوية بمزيد من التعارف و التعريف بمكوناتنا الإجتماعية حتى النائية منها.

في الختام نعزي أنفسنا واسرة فقيدنا الراحل الصغيرة وحرمه الصابرة النخيل وابنائها الوليد /حاتم /أيمن وبناته دكتورة رندة وسوسن ولأسرة صحيفة ” المركز ” وكل الفريق الإداري لمركز العز بن عبدالسلام ونقول حافظوا على هذا الإرث العظيم ، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يرزق البروف الجنة ويربط على قلوب اسرته بالصبر الجميل ويجبر كسرهم وأهل توتي وكل محبيه في الوطن العريض ” إنا لله وإنا اليه راجعون”.