![]()
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
” صدق الله العظيم”
بقلوب يملؤها الحزن والإيمان بقضاء الله وقدره، أودّع اليوم أخاً عزيزاً وصديقاً وفياً ومعلماً كبيراً، رجلاً جمعتني به صلة امتدت لما يقارب الأربعين عاماً، كانت حافلة بالمحبة والتقدير والاحترام وبالاستفادة من علمه وفكره وتجربته الإنسانية الواسعة.
رحل عن دنيانا البروفيسور عز الدين عمر أحمد موسى، لكن أمثاله من الرجال الذين يصنعون أثراً في حياة الناس لا يغيبون و تبقى سيرتهم في العلم الذي قدموه والأجيال التي قاموا بتعليها وتربيتها والمبادئ التي التزموا بها والمواقف العظيمة التي ثبتوا عليها والخير الذي تركوه بين الناس.
عرفت البروفيسور عز الدين عمر موسى إنساناً قبل أن أعرفه عالماً؛ رأيت فيه نموذج الرجل العصامي الذي بدأ حياته معلماً في المدارس الوسطى، يحمل رسالة التربية وبناء الإنسان، ثم واصل مسيرته العلمية حتى أصبح واحداً من أعلام الفكر والتاريخ، وأستاذاً ومربياً نهلت من علمه أجيال عديدة.
كانت مسيرته الأكاديمية شاهداً على مكانته العلمية الرفيعة؛ فقد عمل أستاذاً في عدد من الجامعات في السودان ونيجيريا والمملكة العربية السعودية، وأسهم في تأسيس وبناء عدد من الكليات والمؤسسات الأكاديمية، مشاركاً في صناعة البيئة العلمية وتطوير التعليم العالي، ومؤمناً بأن نهضة الأمم تبدأ من الجامعات ومن صناعة العقول.
لم يكن البروفيسور عز الدين عمر موسى مجرد أستاذ جامعي أو باحث متخصص، بل كان موسوعة حية في العلم والفكر والأدب والفن والرياضة؛ واسع المعرفة، متنوع الاهتمامات، يجمع بين عمق الأكاديمي وروح المثقف وقرب الإنسان من الناس. كان حضوره في المنتديات والمحافل الفكرية والعلمية المحلية والعالمية حضوراً مميزاً، يضيف بفكره وتجربته، ويقدم رؤية تجمع بين الأصالة والانفتاح.
وفي المملكة العربية السعودية، كان له حضور مقدر في المنتديات الثقافية والفكرية، مشاركاً ومحاضراً في العديد من المجالس والملتقيات، من بينها أحدية المبارك، وخميسية حمد الجاسر، ومنتدى أنور عشقي، وغيرها من المنتديات الثقافية والفكرية التي وجد فيها مساحة للحوار والعطاء والتواصل مع النخب والمثقفين. كما كان حضوراً علمياً وفكرياً في المحافل الثقافية خارج المملكة، ومن ذلك مشاركاته ومحاضراته في الحسينية الملكية بالمغرب ضمن الفعاليات الفكرية والثقافية التي جمعت العلماء والمفكرين.
كان العلم عنده رسالة وليس مجرد مكانة؛ فقد سخّر معرفته لخدمة المجتمع، فكان محاضراً ومعلماً في مجالات السيرة والفقه والتاريخ، قريباً من الناس بمختلف مستوياتهم، يشرح ويعلّم ويوجه، ويمنح من وقته وفكره لكل من يبحث عن المعرفة أو المشورة.
وكان للسودان مكانة خاصة في قلبه ووجدانه؛ فقد حمل قضاياه الوطنية بوعي ومسؤولية، وكانت له مواقف مشرفة ورؤى صادقة تجاه قضايا الوطن، نابعة من حرصه على وحدة السودان ونهضته ومستقبله. لم يكن بعيداً عن هموم الناس، بل كان دائماً صوتاً للفكر والحكمة والدعوة إلى البناء والتكاتف.
ومن أجمل ما يذكر له أنه كان قريباً من أبناء مجتمعه، وخاصة أبناء الجالية السودانية؛ داعماً ومسانداً ومشاركاً في قضاياهم، حاضراً في مناسباتهم، معيناً لمن يحتاج العون. كما كان له دور بارز في تأسيس ودعم عدد من الروابط الرياضية والاجتماعية والثقافية، إيماناً منه بأن المجتمع يقوى بالتواصل والعمل الجماعي.
وكان من أهل البذل والعطاء؛ دعم طلاب العلم من المحتاجين، وفتح أبواب المساعدة أمام كثيرين، مؤمناً بأن خدمة الإنسان ونشر المعرفة من أعظم صور العطاء.
لقد كان حصوله على جائزة الملك فيصل العالمية تتويجاً لمسيرة علمية وفكرية متميزة، لكنه بالنسبة لمن عرفوه عن قرب كان أكبر من الجوائز والألقاب؛ كان مدرسة في العلم، ونموذجاً في التواضع، وصاحب رسالة عاش من أجلها ولذا أنفق الجائزة وأضاف من ماله الخاص في إنشاء مركز العز بن عبد السلام في السودان..
وعلى المستوى الشخصي، فقد فقدت برحيله صديقاً عزيزاً ورفيق درب، فقد كانت سنوات صحبتنا الأربعون تقريباً مليئة بالذكريات والمواقف والحوار والتقدير المتبادل. عرفته معلماً ومرشداً وصاحب فكر، ووجدت فيه دائماً القلب الكبير والروح النبيلة التي تهتم بالناس وتسعى لخدمتهم.
إن رحيل عز الدين عمر موسى هو فقد لقامة علمية وثقافية وإنسانية نادرة، لكن أثره سيظل حاضراً في طلابه، وفي مؤسساته، وفي كل من عرفه واستفاد من علمه وخبرته.
أسأل الله تعالى أن يتغمد أخي وصديقي العزيز البروفيسور عز الدين عمر أحمد موسى بواسع رحمته، وأن يجعل علمه وعمله وخدماته للناس في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أسرته وتلاميذه ومحبيه الصبر والسلوان.
رحم الله عز الدين عمر موسى؛ فقد كان علماً في المعرفة، وإنساناً في العطاء، وصديقاً لا يُنسى.
إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله
المستشار البشرى عبد الحميد