![]()
لم تعد الخرطوم تشبه نفسها. فما زالت شوارع الأحياء الخالية محاصرة بأكوام الأوساخ ومخلّفات الحرب غير العسكرية، وأشجار ماتت عطشًا وسقطت على الأرض، وحفر عميقة خلّفتها المدافع والدانات، بينما تحولت أحياء كاملة في وسط العاصمة إلى أطلال تبث الحزن في نفس كل من يراها.
المعاناة هنا تفاصيل يومية قاسية؛ فخدمة المياه تنقطع لأيام، فيخرج المواطنون إلى الشوارع في مشاهد محزنة، يتنقلون بين الأحياء المجاورة بحثًا عن “جرعة ماء”. أما الكهرباء، فقصتها قصة أخرى؛ إذ إن أعطالًا بسيطة تستغرق أيامًا لإصلاحها. ففي الحي الذي أقطنه، انقطعت الكهرباء بسبب عطل في المحول، واستغرق إصلاحها يومين، بعد أن سبقها انقطاع المياه التي لم تعد حتى هذه اللحظة.
إن ما تشهده ولاية الخرطوم اليوم هو تجسيد صريح للفشل الإداري. فملايين الجنيهات تُنفق بلا تردد على رفاهية المسؤولين، وصيانة منازلهم، واستجلاب الأثاث الفاخر، بينما يتجرع المواطن المرارة للحصول على أدنى حقوقه في الحياة.
ووصل الحال إلى قطاع العلاج؛ إذ أعلن مستشفى شهير في قلب أم درمان، يخدم آلاف المرضى، عجزه عن شراء الوقود لتوفير المياه والكهرباء للمرضى، بعد أن أصبحت الكهرباء تنقطع لساعات طويلة في صيف شديد الحرارة.
وفي الوقت نفسه، تقف الولاية عاجزة، حتى الآن، عن تركيب المحولات الكهربائية التي استوردتها الدولة بملايين الدولارات. ولم يتوقف العجز عند هذا الحد، بل تمادت الولاية بترك عبء شراء كابلات النقل من المحول إلى العمود الرئيسي على نفقة المواطنين. وأمام هذا التعنت، اضطر سكان بعض الأحياء إلى جمع التبرعات فيما بينهم لشراء الكابلات، فقط ليحظوا بالنور، بينما تقف الجهات الحكومية موقف المتفرج، ويبقى باقي السكان يصرخون بالشكوى، ولا حياة لمن تنادي.
أما المأساة الأكبر، فهي إنفاق الملايين على صيانة “الساحة الخضراء”، في مشهد يستفز مشاعر الجميع ويمثل ملف فساد صارخًا في الخرطوم ما بعد الحرب، وهو ملف سنفتحه قريبًا بالوثائق والمستندات، في وقت تعجز فيه الولاية عن توصيل المياه والكهرباء إلى الأحياء الملاصقة لهذه الساحة.
وفي الليل، تغرق شوارع العاصمة الرئيسية في ظلام دامس يجعل السير فيها مجازفة مخيفة. حتى شارع المطار، تبدو إضاءته رديئة، وتبدأ بالأفول تدريجيًا بعد الغروب، حتى تتهاوى وتنطفئ تمامًا بعد منتصف الليل.
إذا استمر هذا العجز وهذا التجاهل، فإن كل مساعي القيادة العليا لتهيئة البيئة وتشجيع المواطنين على العودة ستذهب أدراج الرياح؛ فالناس لا يمكن أن تعود إلى مدينة تعجز عن توفير كوب ماء وشمعة أمل.
محبتي واحترامي.