رغم خسائر تجاوزت 500 مليون دولار وفقدان أكثر من 130 مركبة الإمدادات الطبية السودانية تصنع قصة صمود في زمن الحرب

رغم خسائر تجاوزت 500 مليون دولار وفقدان أكثر من 130 مركبة الإمدادات الطبية السودانية تصنع قصة صمود في زمن الحرب

Loading

رغم خسائر تجاوزت 500 مليون دولار وفقدان أكثر من 130 مركبة
الإمدادات الطبية السودانية تصنع قصة صمود في زمن الحرب
دراسة علمية منشورة بمجلة شرق المتوسط الصحية توثق استمرار تدفق الأدوية والمستلزمات الطبية إلى 17 ولاية وتغطية 90% من المرافق الصحية العاملة بالمناطق التي أمكن الوصول إليها
الخرطوم – هادية صباح الخير
في بلدٍ أنهكت الحرب بنيته التحتية، وأثقلت كاهل مؤسساته الصحية، تبرز تجربة الصندوق القومي للإمدادات الطبية بوصفها واحدة من التجارب التي تستحق التوثيق والدراسة؛ بعدما واجهت سلسلة الإمداد الصحي خسائر فادحة وتحديات أمنية ولوجستية معقدة، دون أن يتوقف السعي إلى توفير الأدوية والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة.
وتوثّق دراسة علمية بعنوان «تجارب ودروس حول صمود واستدامة سلسلة الإمداد الصحي خلال الحرب في السودان»، نُشرت في مجلة شرق المتوسط الصحية لعام 2026، الجهود التي بُذلت للحفاظ على استمرارية الإمداد الدوائي منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، مسلطةً الضوء على قدرة المنظومة على التكيف مع الظروف الاستثنائية وإعادة ترتيب أولوياتها التشغيلية.
خسائر جسيمة وتحديات غير مسبوقة
وبحسب البيانات الواردة في المادة الصحفية، تجاوزت خسائر سلسلة الإمداد الصحي 500 مليون دولار، إلى جانب فقدان أكثر من 130 مركبة، وتضرر مخازن ومنشآت وأنظمة معلوماتية، الأمر الذي فرض ضغوطاً كبيرة على عمليات شراء الأدوية وتخزينها ونقلها وتوزيعها.
ولم تكن هذه الخسائر مجرد أرقام في سجلات المؤسسات، وإنما مثّلت تحدياً مباشراً أمام وصول العلاج إلى المرضى، في وقت ازدادت فيه حاجة المواطنين إلى الخدمات الصحية، وتراجعت فيه قدرة العديد من المرافق على العمل بصورة منتظمة.
27,600 طن من الإمدادات الطبية
ورغم هذه التحديات، تشير البيانات المقدمة عن التجربة إلى نجاح الصندوق في استلام وتوزيع أكثر من 27,600 طن من الأدوية والمستهلكات الطبية، بقيمة بلغت 123 مليون دولار، في جهود استهدفت الحفاظ على تدفق الإمدادات الأساسية إلى المؤسسات الصحية.
ووفقاً لملخص الدراسة المنشور، وصلت المنتجات الصحية الأساسية إلى 17 ولاية من أصل 18 ولاية، مع تفاوت كميات وتواتر عمليات التسليم تبعاً للأوضاع الأمنية وإمكانية الوصول. كما غطت الإمدادات نحو 90% من المرافق الصحية العاملة في المناطق التي أمكن الوصول إليها.
وتعكس هذه المؤشرات حجم الجهد المبذول لتقليل أثر الحرب على الخدمات الصحية، مع ضرورة التمييز بين تغطية المرافق بالإمدادات وبين انتظام توافر كل صنف دوائي أو كفاية الكميات لتلبية جميع الاحتياجات.
استعادة 70% من قدرات سلسلة التبريد
ومن أبرز النتائج التي أوردها ملخص الدراسة استعادة نحو 70% من قدرات سلسلة التبريد التي تضررت خلال الأشهر الأولى للحرب، وهي منظومة حيوية لحفظ الأدوية والمنتجات الطبية التي تتطلب درجات حرارة محددة لضمان سلامتها وفعاليتها.
كما رصدت الدراسة تحسناً في توافر عدد من الأدوية والإمدادات الحيوية خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023، بما في ذلك أدوية الأورام ومستلزمات غسيل الكلى، في ظل جهود تنويع مصادر ومسارات الإمداد، وتعزيز التخزين والتوزيع عبر المراكز الإقليمية.
اللامركزية وتنويع المسارات.. مفاتيح الاستمرار
وتبرز الدراسة أهمية جملة من التدابير التي ساعدت على تعزيز مرونة سلسلة الإمداد الصحي، من بينها تنويع عمليات الشراء، واللامركزية في التخزين والتوزيع، والاستفادة من الفروع الولائية، إلى جانب تطوير أنظمة المعلومات وتحسين إدارة الموارد المتاحة.
وتكتسب هذه التدابير أهمية خاصة في ظل اتساع الرقعة الجغرافية للسودان، وتباين الظروف الأمنية بين الولايات، وصعوبة حركة النقل والإمداد في عدد من المناطق. فكلما توفرت بدائل عملية للتخزين والنقل والتوزيع، ازدادت فرص استمرار وصول الأدوية إلى المرافق الصحية رغم تعطل بعض المسارات.
ومع ذلك، تؤكد التجربة أن الصمود لا يعني انتهاء الأزمة؛ إذ لا تزال تحديات التمويل والأمن وتدفق المعلومات واستدامة العمليات قائمة، ما يجعل استمرار الدعم وتطوير البنية اللوجستية ضرورة لحماية المكتسبات التي تحققت.
من تجربة الحرب إلى دروس المستقبل
وتتجاوز أهمية الدراسة توثيق ما واجهته الإمدادات الطبية خلال الحرب، لتقدم دروساً يمكن الاستفادة منها في التخطيط للطوارئ الصحية مستقبلاً، وفي بناء نظام إمداد أكثر قدرة على الاستجابة للأزمات، وأقل تأثراً بتعطل الطرق أو خروج المخازن ووسائل النقل عن الخدمة.
كما تفتح النتائج المجال أمام مراجعة السياسات المتعلقة بالاحتياطي الاستراتيجي من الأدوية، وتوزيع المخازن جغرافياً، وتأمين وسائل النقل، وتطوير قواعد البيانات، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الصحية والجهات الداعمة.
فحين تتعرض المخازن للدمار، وتتعطل الطرق، وتُفقد المركبات، لا تكون المعركة معركة أدوية فحسب، وإنما معركة من أجل استمرار الحياة. وبين الخسائر الثقيلة ومحاولات استعادة القدرة على الإمداد، تظل الأولوية أن يجد المريض دواءه، وأن يواصل المستشفى أداء رسالته، وألا تتحول الحرب إلى حاجز إضافي بين الإنسان وحقه في العلاج.
مسار ميديا.. نصنع الحدث ونترك الأثر لغيرنا.

The post رغم خسائر تجاوزت 500 مليون دولار وفقدان أكثر من 130 مركبة الإمدادات الطبية السودانية تصنع قصة صمود في زمن الحرب first appeared on مسار ميديا.