رَنَّة التِّلِفُون.. متلازمة عدم الرد…!

رَنَّة التِّلِفُون.. متلازمة عدم الرد…!

Loading

الهاتف الذي كنا نحلم بامتلاكه… أصبحنا نحلم بالتخلص منه!
في زمنٍ مضى، كان امتلاك الهاتف المحمول امتيازاً.
كان الجهاز صغيراً، ثقيلاً في الجيب، ثقيلاً في الفاتورة، وثقيلاً في دلالته الاجتماعية.
كان الهاتف يقول للناس:
«أنا مهم… أستطيع أن أتواصل في أي وقت، ومن أي مكان.»
كان امتلاك الموبايل  قشرة(( بالسوداني)) و«كشخة»! بالعامية السعودية
ثم حدثت الكارثة…
أصبح الجميع يملكونه!
وانتهى عصر الوجاهة، وبدأ عصر العبودية.
نعم…
العبودية!
ليس عبودية السلاسل القديمة، وإنما عبودية الإشعار، والرنة، والرسالة، و«الواتساب»، و«آخر ظهور»، و«تمت القراءة»، و«لماذا لم ترد؟».
الهاتف الذي اخترعناه لكي يكون في خدمتنا…
انتهى به الأمر إلى أن نكون نحن في خدمته.
——-
في البدايات، كان الإنسان ينتظر الهاتف.
اليوم…
الهاتف هو الذي ينتظر الإنسان!
ينتظر أن يستيقظ.
ينتظر أن يفتح عينيه.
ينتظر أن يلمسه.
ينتظر أول «رنة » في الصباح.
ثم يبدأ في توزيع أوامره:
إشعار…
رسالة…
مكالمة فائتة…
خبر…
فيديو…
تعليق…
إعجاب…
ثم إشعار آخر يقول لك بطريقة غير مباشرة:
«أنت لم تعد مالك وقتك!»

لكن أكثر ما يثيرني في هذه العلاقة الغريبة هو:
رَنَّة التليفون.
تلك الرنة التي كانت في الماضي خبراً سعيداً.
«فلان اتصل!»
اليوم قد تتحول الرنة إلى مصدر قلق.
ينظر الإنسان إلى الشاشة…
يرى اسم المتصل…
ثم يقلب الهاتف على وجهه!
ولا يرد.
لماذا؟
لا ندري!
ثم إذا سأله صاحب الاتصال:
— «ما رديت ليه؟»
تأتي الإجابة السودانية الخالدة:
«والله ما سمعت التلفون!»
وهو سمعه…
ورأى الاسم…
وقرأ الرقم…
وربما توقع مضمون المكالمة بالكامل!
لكنه اختار ألا يرد.
وهنا تبدأ الحكاية الفلسفية.
هل نحن فعلاً لا نريد الرد؟
أم أننا لم نعد نحتمل ما يأتي بعد الرد؟

ربما لم نعد نخاف من الهاتف…
بل نخاف من الإنسان الذي يقف خلف الهاتف.
نخاف من السؤال.
من الطلب.
من العتاب.
من الأخبار السيئة.
من المسؤولية.
من المكالمة التي تبدأ بـ:
«عندي ليك موضوع بسيط…»
ونعرف جميعاً أن «الموضوع البسيط» قد يحتاج إلى ثلاثة أيام من التفكير!

نحن لم نعد نملك هاتفاً…
نحن نملك باباً مفتوحاً على العالم طوال أربع وعشرين ساعة.
ولا أحد يحب أن يكون بيته مفتوحاً طوال الوقت.
لكننا فعلناها بأنفسنا.
أدخلنا العالم إلى غرف نومنا.
إلى موائدنا.
إلى سياراتنا.
إلى أسرّتنا.
إلى لحظاتنا الخاصة.
حتى أصبح الإنسان يجلس وحده…
ومعه مليارات البشر!
والأغرب؟
أنه يشعر بالوحدة!

يا للمفارقة!
لدينا آلاف الأصدقاء على مواقع التواصل…
ولا نجد شخصاً واحداً نطرق بابه عندما تضيق بنا الدنيا.
نستطيع أن نتحدث مع أي شخص في العالم خلال ثوانٍ…
لكننا نعجز أحياناً عن الحديث مع الشخص الجالس بجوارنا.
نصور الطعام قبل أن نأكله.
نصور السفر قبل أن نستمتع به.
نصور الضحكة قبل أن نشعر بها.
نصور الحياة…
بدلاً من أن نعيشها!

والأكثر غرابة أننا أصبحنا نربط قيمتنا الإنسانية بالأرقام.
كم لديك من متابع؟
كم حصلت على إعجاب؟
كم شخص شاهد الفيديو؟
كم تعليقاً جاء؟
حتى أصبح الإنسان أحياناً لا يسأل:
«هل أنا سعيد؟»
بل يسأل:
«هل أعجب الناس بما فعلت؟»
وهنا تحولت وسائل التواصل من وسيلة للتواصل…
إلى بورصة للقبول الاجتماعي.
نرفع أسهمنا بصورة.
ونهبط بتعليق.
وننهار بسبب تجاهل.
ونفرح لأن شخصاً ضغط زر «إعجاب».
أي عقل هذا الذي يسمح لزر صغير على شاشة أن يحدد مزاج إنسان كامل؟

ثم نغضب من الهاتف!
نقول:
«التكنولوجيا دمرت حياتنا.»
لا يا صديقي…
التكنولوجيا لم تدمر حياتنا.
نحن الذين سلمناها مفاتيح حياتنا…
ثم اكتشفنا أنها تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا.
تعرف متى نستيقظ.
ماذا نبحث.
ماذا نحب.
ماذا نكره.
من نتحدث إليه.
وما الذي يجعلنا نتوقف أمام الشاشة.
ثم تقول لنا الخوارزميات:
«دعني أختار لك ما تريد أن تراه.»
وبهدوء…
بدأنا نعيش داخل غرف صممتها لنا الخوارزميات.
نرى ما يشبه أفكارنا.
نسمع ما يوافق قناعاتنا.
نتابع من يشبهنا.
ثم نتساءل:
لماذا أصبح العالم منقسماً إلى هذا الحد؟
لأننا لم نعد نعيش في عالم واحد.
كل واحد منا يعيش في فقاعة رقمية خاصة به.

ولذلك ربما لا تكون المشكلة في «متلازمة عدم الرد».
ربما المشكلة أعمق.
نحن نعيش متلازمة عدم الحضور.
الجسد حاضر…
والعقل في الهاتف.
الأسرة مجتمعة…
وكل فرد في عالم مختلف.
الأصدقاء على طاولة واحدة…
وكل واحد منهم يتحدث مع شخص غائب.
والإنسان يمشي في الشارع…
لكن عينيه في شاشة صغيرة.
حتى أصبحت الحياة الحقيقية نفسها…
إشعاراً مؤجلاً!

أنا لا أدعو إلى رمي الهاتف.
ولا أطالبنا بالعودة إلى زمن «البيجر»!
لكنني أسأل سؤالاً بسيطاً:
من يستخدم من؟
هل نحن نستخدم الهاتف؟
أم أن الهاتف يستخدم حاجتنا إلى الاهتمام؟
هل نحن نتصفح وسائل التواصل؟
أم أن وسائل التواصل تتصفح نقاط ضعفنا؟
هل نحن نختار ما نراه؟
أم أن الخوارزميات تختار لنا ما يجب أن نراه؟
والأخطر:
هل أصبحنا نخاف من رنة الهاتف لأننا فقدنا القدرة على مواجهة الحياة التي تأتي عبره؟
ربما…
ولهذا، في المرة القادمة التي يرن فيها هاتفك…
لا تسأل فقط:
«من المتصل؟»
اسأل نفسك:
«لماذا أخاف من الرد؟»
ثم ضع الهاتف جانباً لدقائق…
وانظر إلى الإنسان الجالس بجوارك.
ربما يكون هناك شخص أمامك منذ سنوات…
وأنت مشغول بالرد على شخص لم تره قط.
#مشاهدات_عمر_المونه
#رنة_التلفون
#متلازمة_عدم_الرد
#الهاتف_الذكي
#إدمان_الهاتف
#وسائل_التواصل
#فلسفة_الحياة
#علم_النفس
#نحن_والهاتف
#ملحوظة شي`ش