شمال كردفان في مواجهة تحديات التعليم.. عام دراسي جديد وشحّ في الكتاب المدرسي

شمال كردفان في مواجهة تحديات التعليم.. عام دراسي جديد وشحّ في الكتاب المدرسي

Loading

مدرسة في النيل الأبيض-وسائل التواصل الاجتماعي

الأبيض – 19 أكتوبر 2026- شمال كردفان

في الثامن عشر من أكتوبر 2026، تستعد ولاية شمال كردفان لبدء عام دراسي جديد في ظروف استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها على المؤسسات التعليمية والطلاب والأسر. وبينما تمضي حكومة الولاية في جهودها لاستمرار العملية التعليمية، يبرز نقص الكتاب المدرسي بوصفه أحد أبرز التحديات التي تهدد انتظام الدراسة، خصوصاً بعد ورود تقارير عن تدمير أكثر من 330 ألف كتاب ومادة تعليمية جراء هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مخازن للمواد التعليمية في الولاية.

ويأتي الاستعداد للعام الدراسي الجديد بعد أن تمكنت السلطات التعليمية من استكمال امتحانات العام الدراسي المسرّع وإعلان نتائج الشهادتين الابتدائية والمتوسطة لعام 2026، في خطوة تعكس استمرار الجهود الرامية إلى حماية حق الأطفال في التعليم، رغم الظروف الأمنية والاقتصادية والإنسانية المعقدة التي تعيشها الولاية.

وبحسب الأرقام المتداولة بشأن النتائج، بلغت نسبة النجاح في الشهادة الابتدائية أكثر من 88 في المئة، إذ جلس للامتحانات 19,962 تلميذاً وتلميذة، نجح منهم 17,628. وفي الشهادة المتوسطة، بلغت نسبة النجاح 80 في المئة، من بين 17,231 طالباً وطالبة جلسوا للامتحانات، نجح منهم 13,791. وتمثل هذه النتائج مؤشراً على استمرار العملية التعليمية، وعلى الجهود التي بذلها المعلمون والطلاب والأسر والجهات المختصة للحفاظ على مسار التعليم في ظل واقع بالغ الصعوبة.

تحديات

غير أن إعلان النتائج، على أهميته، لا يعني أن الطريق أمام التعليم أصبح ممهداً؛ فخلف هذه الأرقام تقف تحديات تتعلق بمدى انتظام الدراسة، وتوافر المستلزمات التعليمية، وقدرة الطلاب على استيعاب المناهج في بيئة تتأثر بصورة مباشرة بتداعيات الحرب. كما أن المحافظة على نسب النجاح لا ينبغي أن تكون الهدف الوحيد، بل يجب أن تترافق مع ضمان جودة التعليم، ومعالجة الفاقد التعليمي، وتوفير الظروف التي تمكّن الطلاب من مواصلة دراستهم دون انقطاع.

وتتفاقم هذه التحديات مع الخسائر التي لحقت بالكتاب المدرسي، الذي يمثل إحدى الركائز الأساسية للعملية التعليمية، ولا سيما في المجتمعات التي تواجه صعوبات اقتصادية تحد من قدرة الأسر على شراء الكتب والمواد البديلة. وتشير المعلومات المتعلقة بالحادثة إلى تدمير أكثر من 330 ألف كتاب ومادة تعليمية كانت معدة للتوزيع على المدارس، وهو ما يثير مخاوف بشأن قدرة المؤسسات التعليمية على توفير احتياجات الطلاب مع بداية العام الدراسي.

وتكتسب هذه الخسارة أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها؛ إذ تأتي قبل موعد انطلاق الدراسة، وفي وقت تحتاج فيه المدارس إلى استكمال استعداداتها وتوفير الحد الأدنى من المتطلبات اللازمة لاستقبال التلاميذ. فغياب الكتاب المدرسي لا يمثل مجرد نقص في الأدوات، بل قد يؤثر في سير الحصص، ويحد من فرص المراجعة والاستيعاب، ويزيد الفجوة التعليمية بين الطلاب الذين تتوافر لهم مصادر التعلم وأولئك الذين لا يجدونها.

ضرورة الاستجابة العاجلة

وفي ظل هذه الظروف، تتجه الأنظار إلى قدرة حكومة الولاية والجهات التعليمية على وضع استجابة عاجلة تضمن عدم تحول فقدان الكتب إلى عقبة طويلة الأمد أمام التعليم. ويتطلب ذلك حصر الاحتياجات الفعلية للمدارس، وتحديد المواد التي تعرضت للفقدان، وإعطاء الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً، إلى جانب البحث عن بدائل مؤقتة وإعادة طباعة الكتب أو توفير نسخ إضافية بالتنسيق مع الجهات المختصة والشركاء الداعمين للتعليم.

وتظل المسؤولية في هذا الجانب مشتركة بين السلطات التعليمية والجهات الوطنية والمنظمات الإنسانية وشركاء التنمية، خصوصاً في ظل اتساع الاحتياجات وصعوبة توفير الموارد اللازمة في بيئة تتأثر بتداعيات النزاع. كما أن دعم التعليم لا ينبغي أن يقتصر على تعويض الكتب المفقودة، بل يجب أن يشمل توفير المعلمين، وتحسين بيئة الفصول، وتأمين المستلزمات الأساسية، ومساندة الأطفال الذين تعرضوا لانقطاع متكرر عن الدراسة أو تأثروا نفسياً واجتماعياً بسبب الحرب.

ضرورة التوثيق وتحديد المسؤولية

وفيما يتعلق بالهجمات التي تسببت في تدمير المواد التعليمية، فإن توثيق الواقعة وتحديد المسؤولية عنها يظلان من المسائل التي ينبغي تناولها استناداً إلى بيانات موثوقة ومصادر معلنة. فحماية المؤسسات التعليمية والمواد المخصصة للأطفال مسؤولية تكتسب أهمية خاصة في أوقات النزاع، كما أن الحفاظ على الدقة في إسناد الوقائع يمثل ضرورة مهنية لضمان مصداقية التغطية الصحفية.

ولا تنفصل التحديات التي تواجه التعليم في شمال كردفان عن واقع أوسع يعاني فيه الأطفال من آثار النزوح وعدم الاستقرار وتراجع الإمكانات المتاحة للأسر. فكل يوم ينقطع فيه طفل عن المدرسة قد يفاقم الفاقد التعليمي، ويزيد احتمالات التأخر الدراسي أو التسرب، ويضع أعباء إضافية على المعلمين والمؤسسات التعليمية عند استئناف الدراسة. ومن هنا، فإن العودة إلى الفصول لا ينبغي أن تُقاس بمجرد إعلان موعد بداية العام الدراسي، بل بمدى قدرة المدارس على استقبال الطلاب وتوفير الحد الأدنى من متطلبات التعلم الآمن والمنتظم.

توفير المستلزمات

ومع اقتراب الثامن عشر من أكتوبر، تبرز الحاجة إلى تحويل الاستعدادات المعلنة إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، تضمن وصول الكتب إلى المدارس، وتحدد أولويات الدعم، وتوفر معلومات واضحة بشأن حجم العجز والخطط الموضوعة لمعالجته. كما تبرز أهمية إشراك المجتمعات المحلية في مساندة العملية التعليمية، دون أن يحل ذلك محل مسؤولية الجهات المعنية في ضمان الحق في التعليم.

إن استكمال العام المسرّع وإعلان نتائج الشهادتين الابتدائية والمتوسطة يمثلان محطة مهمة في مسار الحفاظ على التعليم بولاية شمال كردفان، لكن التحدي الأكبر يتمثل الآن في ضمان ألا تتحول الخسائر المادية إلى خسائر ممتدة في فرص الأطفال ومستقبلهم. فنجاح العملية التعليمية لا يُقاس فقط بعدد الطلاب الذين اجتازوا الامتحانات، وإنما أيضاً بقدرة النظام التعليمي على توفير فرص عادلة للتعلم، وحماية الطلاب من الانقطاع، وتمكينهم من مواصلة الدراسة في ظروف تحفظ كرامتهم وسلامتهم.

وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر ببدء عام دراسي جديد فحسب، بل بمستقبل جيل كامل يحتاج إلى التعليم أكثر من أي وقت مضى. وبين آثار الحرب ونقص الكتاب المدرسي، تواجه شمال كردفان اختباراً حقيقياً لقدرتها على صون هذا الحق. وستظل الاستجابة العملية للاحتياجات التعليمية، وتضافر جهود السلطات والمجتمع والشركاء، عوامل حاسمة في ضمان استمرار الدراسة وعدم ترك الأطفال يدفعون ثمن صراع لا يد لهم فيه.

فالتعليم في أوقات الأزمات لا يمكن تأجيله، بل يُعتبر ضرورة لحماية مستقبل المجتمع، وأحد المسارات الأساسية لاستعادة الاستقرار وبناء الأمل.

The post شمال كردفان في مواجهة تحديات التعليم.. عام دراسي جديد وشحّ في الكتاب المدرسي appeared first on Dabanga Radio TV Online.