![]()
«لقد كبرتوا وصرتوا ترفعوا صوتكم عليّ.. متى تصيروا رجال؟»
في ذاكرة القرى السودانية حكايات لا تموت، ووجوه لا تغيب مهما ابتعدت بنا المسافات، وعبارات تظل عالقة في أذهاننا، نستعيدها كلما اشتقنا إلى زمن البساطة، وزمن الرجال الذين كانت لهم مكانتهم وهيبتهم في نفوس الصغار والكبار.
من تلك الذكريات حكايتنا مع شيخ القرية، في مرحلة أعقبت إلغاء نظام الحكم الأهلي بصيغته القائمة على العمد، وبرز فيها نظام شيخ القرية بوصفه أحد أشكال القيادة المحلية في بعض المجتمعات. كانت للشيخ مكانته الاجتماعية، وكان حضوره في حياة الناس يتجاوز المسمى الوظيفي إلى ما يمثله من وجاهة واحترام وارتباط بشؤون القرية وأهلها.
كنا أطفالًا صغارًا، إذا لمحنا شيخ القرية قادمًا من بعيد، تسابقنا إلى السلام عليه، ونرفع أصواتنا بكل ما أوتينا من حماس، وكأننا نريد أن نعلن للعالم كله أننا رأيناه، وأننا نؤدي واجب الاحترام تجاهه.
لكن الشيخ كان يستقبل سلامنا بعبارة تحمل شيئًا من العتاب وكثيرًا من الطرافة، فيقول لنا:
«لقد كبرتوا وصرتوا ترفعوا صوتكم عليّ!»
فنرتبك، ونشعر أننا تجاوزنا حدود الأدب، ونقرر في قرارة أنفسنا أن نخفض أصواتنا في المرة القادمة.
وحين تأتي الفرصة التالية، نقترب منه بهدوء، ونلقي السلام بصوت منخفض، ظانين أننا تعلمنا الدرس وأحسنا التصرف، فإذا به يفاجئنا بعبارته الأخرى:
«متى تصيروا رجال؟»
وهنا تبدأ الحيرة من جديد!
إذا رفعنا أصواتنا قال إننا كبرنا وصار صوتنا يعلو عليه، وإذا خفضناها سألنا متى نصبح رجالًا! وبين العبارتين كنا نعيش حيرة الطفولة، لا نعرف أي الطريقين يرضيه، ولا كيف نجمع بين احترام الكبير وإثبات أننا لم نعد أطفالًا كما كنا.
حين كان للكلمة أثر
مرت السنوات، وكبرنا، وغادر بعضنا القرية بحثًا عن العلم والعمل والرزق، وتغيرت ملامح الحياة، لكن تلك الحكاية ظلت حاضرة في الذاكرة، تحمل معها صورة شيخ القرية، وملامح زمن كانت فيه العلاقات الاجتماعية تقوم على المعرفة المباشرة، وكان الناس يعرف بعضهم بعضًا، وتجمعهم المناسبات والأفراح والأتراح.
لم تكن التربية في ذلك الزمن محاضرات طويلة ولا دروسًا نظرية؛ كانت موقفًا عابرًا، أو كلمة من رجل كبير، أو نظرة تحمل عتابًا، أو سؤالًا يظل يدور في ذهن الطفل حتى بعد أن يكبر.
وربما لم يكن الشيخ يقصد من عباراته أكثر من المداعبة والتربية، لكنه ترك في نفوسنا ذكرى أصبحت اليوم جزءًا من حكاياتنا عن القرية وأهلها.
لقد كانت للقيادة المحلية في القرى السودانية ملامح إنسانية واجتماعية خاصة؛ فبصرف النظر عن اختلاف الأنظمة والمسميات من مرحلة إلى أخرى، ظل احترام كبار السن وتقدير أصحاب المكانة الاجتماعية من القيم التي نشأ عليها كثير من أبناء القرى.
ماذا تعني الرجولة اليوم؟
اليوم، بعد أن تقدم بنا العمر، أصبحنا نفهم أن الرجولة ليست في رفع الصوت ولا في خفضه، وليست في المظهر أو العمر وحدهما، وإنما في المواقف، وتحمل المسؤولية، والوفاء بالعهد، واحترام الآخرين، والقدرة على التمييز بين الثقة بالنفس والتطاول، وبين التواضع والضعف.
ولعل أجمل ما في حكاية شيخ القرية أنها لا تقدم لنا إجابة جاهزة، بل تتركنا أمام سؤال يستحق التأمل: كم من الكلمات التي سمعناها في طفولتنا ولم نفهمها إلا بعد أن كبرنا؟ وكم من المواقف التي حسبناها عتابًا عابرًا، ثم اكتشفنا أنها كانت دروسًا في الحياة؟
رحم الله من رحل من شيوخ قرانا وكبارنا، وحفظ من بقي منهم، فقد حملوا في ذاكرتهم تاريخًا اجتماعيًا يستحق أن يُروى، وكانت لهم بصمات في حياة الأجيال، سواء اتفقنا مع أساليبهم في التربية أم اختلفنا معها.
فالأنظمة تتغير، والمسميات تتبدل، لكن الذاكرة الشعبية تبقى شاهدة على زمنٍ صنعته المواقف، وحفظته الحكايات.
أما شيخ قريتنا، الذي كان يربكنا بين سلام مرتفع وآخر خافت، فقد ترك لنا سؤالًا لا يزال يستحق الإجابة حتى اليوم:
متى نصير رجالًا بحق؟
حين نكبر في أخلاقنا قبل أعمارنا، ونحترم الناس دون خوف، ونختلف دون إساءة، وندرك أن الرجولة الحقيقية ليست أن يسمع الناس أصواتنا، بل أن يشهدوا لنا بمواقفنا.
تلك حكاية من حكايات القرية، لكنها في حقيقتها حكاية جيل كامل، ما زال يحمل في قلبه حنينًا إلى وجوه الأمس، وإلى زمن كانت فيه أبسط الكلمات تصنع أجمل الذكريات.