![]()
فمع تراخي قبضة الدولة العثمانية، برز دور “فُتوة الأحياء” والحواري لحماية مناطقهم، قبل أن يتغيّر الدور الوظيفي للفتوة ويتحوّل إلى “بلطجي”، يستخدم قوته لصالح فئة معينة من المجتمع وليس للدفاع عن الفقراء.
يعتبر الفتوة، وحضوره كبير في إرث المنطقة وأسبق بكثير من “البلطجي”، الوجهَ الإيجابي للقوة حين تسعى إلى إحقاق العدالة، وتوظيفها لصالح الفقراء، مثل الاستيلاء على جزء من ثروة الأغنياء وتوزيعها على الفقراء. وبهذا، فهي أقرب إلى المنظومة الأخلاقية التي تفرزها المجتمعات لحماية نفسها والحفاظ على تماسكها، حين تُصاب سلطاتها الحاكمة بالوهن أو تنحرف وظيفتها فتطغى أو تُفقر الناس وتضطهدهم.
في المقابل، تمثّل “البلطجة” الجانبَ الأسود والمظلم للفتوة بعد أن يتحوّل إلى بلطجي يستخدم قوته خارج القانون، ولصالح الطبقة الحاكمة أو الأثرياء على حساب المجتمع نفسه وتماسكه. وهي من مظاهر تفكّك المجتمعات والدول، وتزدهر في مراحل التحوّلات الصعبة التي تعود فيها بعض المجتمعات إلى حقبة ما قبل الدولة.
صبري نخنوخ.. وتحالف البلطجة مع السلطة
يعتبر صعود رجل الأعمال المصري صبري نخنوخ تمثيلًا لافتًا للبلطجة ولعلاقات القوة والنفوذ “المشوّهة” في مصر، منذ انتهاج الرئيس الراحل أنور السادات سياسة الانفتاح التي منحت رجال الأعمال دورًا أكبر في الحياة السياسية للبلاد.
توحّش الأمر أكثر في فترة حكم الرئيس الراحل حسني مبارك، التي ظهر في نهايتها صبري نخنوخ، ابن تاجر الخردوات الطموح، الذي اكتشف أن القوة قد تكون مفتاحه للصعود الطبقي، وأن تحالفه مع الجانب المظلم للسلطات، وخاصة أجهزتها الأمنية، من شأنه منحه الغطاء السياسي وتعبيد طريقه نحو الثروة والنفوذ.
أُلقي القبض على نخنوخ في يونيو/حزيران 2026، بعدما تحوّل، خلال سنوات، إلى ما يشبه مؤسسة قائمة بذاتها، وحاز نفوذًا غير مسبوق، جعله يلعب دورًا أوسع مما يُتاح غالبًا لرجال الأعمال، من التأثير في الانتخابات التشريعية لصالح مرشحين بعينهم، بل والتدخل لإنقاذ النظام المصري نفسه حين تعرّض لأسوأ أزمة في تاريحه، بعد ثورة يناير 2011، التي انتهت بخلع الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، ووصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم.
لكنّ دور الرجل الذي واصل صعوده في حقبة الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي يبدو أنه وصل نهايته، باعتقال الرجل بما وُصف بأنه مصيدة أو فخ، مع ما رافق ذلك من تغطية إعلامية واسعة تؤشر إلى رفع النظام الغطاء عنه.
بلطجة وهتك عرض وحيازة أسلحة
تبدأ الواقعة الأخيرة بمشاجرة في أحد معارض السيارات بمنطقة القاهرة الجديدة، فيتشر مقطع مصوّر لأحد أطرافها على نطاق واسع، قبل أن يتبيّن أن من ظهروا فيه من رجال نخنوخ، أثناء دخولهم مقر المعرض.
وبحسب تحقيقات النيابة العامة المصرية، اعتدى هؤلاء على مسؤولين في معرض السيارات ومحاميهم، على خلفية نزاع مالي بين الجانبين يتعلق بفيلا في الساحل الشمالي.
وتتهم النيابة العامة نخنوخ بتزعم “تشكيل عصابي لفرض السيطرة وممارسة البلطجة بالقوة والتهديد والإخلال بالنظام العام”.
ووفق تحقيقات النيابة المصرية فقد اعتدى هؤلاء على مسؤولي معرض السيارات ومحاميهم بالضرب، على خلفية نزاع مالي بين الجانبين يتعلق بفيلا في الساحل الشمالي.
ووفقًا للمصادر فقد ضبطت السلطات في عملية توقيف نخنوخ أسلحة نارية وذخائر وأجهزة اتصال وقطعًا أثرية.
كما أظهر فحص هواتف الموقوفين، بحسب بيان النيابة، تسجيلات قالت إنها تشير إلى وقائع خطف واحتجاز وتعذيب وإكراه على توقيع أوراق وحيازة أدوات مرتبطة بتلك الجرائم.
ووفق البيان الرسمي، فإن نخنوخ متهم بإدارة أنشطة مرتبطة بالابتزاز وفرض النفوذ، شملت استهداف تجار، وتأمين ملاهٍ ليلية، وتوفير الحراسة لبعض الفنانين، مع استخدام إحدى شركات الأمن والحراسة الخاصة غطاءً قانونيًا لتسهيل تلك الأنشطة.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يُلقى فيها القبض على نخنوخ. ففي أغسطس /آب 2012، أعيد اسمه إلى الواجهة بعد ثورة يناير، وسط اتهامات بالبلطجة وحيازة أسلحة وذخائر ومواد مخدرة، في سياق سياسي كان لا يزال محكومًا بذاكرة “موقعة الجمل” وما رافقها من عنف ضد المتظاهرين.
وخلال مداهمة ممتلكاته آنذاك، عُثر على أسلحة وذخائر ومواد مخدرة، بالإضافة إلى حيوانات مفترسة.
حُكم عليه عام 2013 بالسجن المؤبد في قضية حيازة أسلحة، إضافة إلى أحكام أخرى مرتبطة بالمخدرات، قبل أن يخرج من السجن بعفو رئاسي عام 2018.
إمبراطورية فالكون للأمن والحراسة
اختفى نخنوخ بعدها من المشهد، قبل أن يعود إليه عام 2023، عبر صور نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي من داخل مقر مجموعة “فالكون” للأمن والحراسة، التي قالت تقارير صحافية إنه أصبح يملك النسبة الأكبر من أسهمها.
تأسست الشركة عام 2006 بمشاركة البنك التجاري الدولي، وتُعد منذ سنوات واحدة من أكبر شركات الأمن والحراسة في مصر. وتوسعت المجموعة لاحقًا لتضم شركات عدة تقدم خدمات الأمن والحراسة ونقل الأموال والأنظمة الفنية وتأمين الفعاليات وإدارة المشروعات.
استُعين بخدمات “فالكون” الأمنية في تأمين مباريات وأحداث كبرى في مصر، بينها احتفالية نادي الزمالك بمئويته عام 2011، وزيارة النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي إلى الأهرامات عام 2017، إضافة إلى تأمين وفود أجنبية ومقار ومهرجانات وزيارات وجولات لمسؤولين ووزراء.
بهذا المعنى، لم تكن “فالكون” مجرد شركة أمن خاصة في السوق المصري، بل صارت عنوانًا لتحول أوسع: تمدد القطاع الأمني الخاص في المجال العام، وتداخل الحدود بين الأمن الرسمي والأمن التجاري وشبكات النفوذ.
يُشار إلى أن الشركة أعلنت عام 2014 تدشين ما سمّته “قطاع الدعم والتدخل السريع” للتعامل مع الانفلات الأمني وأعمال الشغب، وتولت منذ ذلك الوقت تأمين عدد من الجامعات الخاصة والحكومية، بينها القاهرة وعين شمس، كما واجهت بعض المظاهرات بموجب عملها وتعاقداتها.
من تجارة الخردوات إلى البلطجة
ولد صبري حلمي حنّا نخنوخ عام 1963 لأب كان يعمل في تجارة الخردوات في منطقة السبتية في القاهرة.
وخلال عمله في تجارة والده، أصبح نخنوخ الابن “ابن سوق” بالوصف الدارج، وسط بيئة تجارية لا تخلو من الصراعات الخشنة بين العاملين فيها، ما دفعه مبكرًا إلى بناء صورة الرجل القادر على فرض نفسه بالقوة.
دخل نخنوخ في صراعات ومشاجرات مع بلطجية في المنطقة، كان بعضها في أحد الملاهي، حيث اعتُقل ودخل السجن للمرة الأولى، قبل أن تبدأ رحلته مع الثروة وأجهزة الأمن.
بعد الإفراج عنه، هجر نخنوخ تجارة الخردوات واتجه نحو عالم البلطجة المنظم. استخدم بناية لوالده في منطقة بولاق مقرًا له، وبدأ من هناك بتجميع رجال يعملون لحسابه في فرض الإتاوات وحماية المصالح وحسم النزاعات بالقوة.
وتحدثت تقارير صحافية عن الاستعانة برجاله في انتخابات مجلس الشعب عام 2010 لصالح مرشحين محسوبين على النظام، في فترة شهدت واحدة من أكثر المحطات الانتخابية تزويرًا وانكشافًا في عهد مبارك.
خلال هذه الفترة كان نخنوخ قد أصبح من كبار رجال الأعمال ومالكي الأراضي، كما أصبح الذراع غير المعترف بها رسميًا لأجهزة الأمن المصرية، والمزوّد الأكبر لها بالبلطجية لمواجهة المظاهرات والسيطرة على مكاتب التصويت في الانتخابات وتزوير نتائجها.
دور نخنوخ في موقعة الجمل
تعدّ موقعة الجمل من أبرز أحداث ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وأكثرها دموية، وسُمّيت أيضًا “الأربعاء الدامي”.
وقعت في الثاني من فبراير/ شباط من العام نفسه، بعد نحو أسبوع من اندلاع الثورة الشعبية ضد الرئيس الراحل حسني مبارك. يومها، فوجئ المتظاهرون في ميدان التحرير بمؤيدين لمبارك يدخلون الميدان على ظهور الجمال والأحصنة، حاملين أسلحة بيضاء، في محاولة لتفريق المعتصمين وإرهابهم.
تصدى المتظاهرون للهجوم، ودخل الجانبان في مواجهات مفتوحة استمرت يومين، وأسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص وإصابة مئات آخرين.
ظل اسم نخنوخ حاضرًا في ذاكرة تلك المواجهات، بوصفه واحدًا من الأسماء التي ارتبطت، في الروايات السياسية والإعلامية، بعالم البلطجية الذي استُدعي لمواجهة المتظاهرين.
ورغم أن محكمة جنايات القاهرة برأت في أكتوبر/ تشرين الأول 2012 عددًا من كبار المسؤولين في نظام مبارك من تهمة قتل المتظاهرين في موقعة الجمل، بقيت الواقعة رمزًا لتحالف السياسة مع العنف غير الرسمي في مواجهة الشارع.
يذكر أن صفوت الشريف، أمين عام الحزب الوطني المنحل، وفتحي سرور، رئيس مجلس الشعب السابق، كانا من ضمن المتهمين في القضية، واتهمت النيابة العامة الشريف بالتواصل مع نواب وأعضاء في الحزب الوطني ومموليه، وتحريضهم على تفريق التظاهرات بالقوة والعنف.
الفتوة والبلطجي في روايات محفوظ
يرصد الروائي المصري نجيب محفوظ، الحائز جائزة نوبل في الآداب عام 1988، في عدد من رواياته ظاهرتي الفتوة والبلطجة في المجتمع المصري، ولا سيما في روايتيه “الحرافيش” عام 1977 و”أولاد حارتنا” عام 1959.
ورغم الأبعاد الفلسفية والرمزية التي حفلت بها الروايتان في مقاربة مفاهيم العدالة والحرية والقوة، فإنهما سبرتا الأغوار النفسية للفتوة خلال تحوّله إلى بلطجي غاشم.
في عالم محفوظ، لا يكون الفتوة شخصية واحدة ثابتة. أحيانًا يظهر بوصفه حامي الحارة ووجه العدالة الشعبية، وأحيانًا يتحول إلى أداة قهر تنقلب على الناس وتستبدل القانون بالعصا.
هنا تكمن أهمية نخنوخ كحكاية مصرية أوسع من شخصه. فهو ليس مجرد رجل أعمال مثير للجدل، ولا متهمًا جديدًا في قضية جنائية فحسب.
إنه صورة مكثفة لتحول القوة حين تفقد معناها الاجتماعي، وتصبح سلعة تُباع وتُشترى، وتُستخدم حين تحتاجها السلطة، ثم تُترك حين تنتهي صلاحيتها.
من أين جاءت كلمة “بلطجي”؟
وكان “البلطجية”، أو حاملو الفؤوس والسكاكين الضخمة، يُعرفون منذ القرن الخامس عشر في الدولة العثمانية بأنهم حرّاس في القصور، وهم جزء ممن يُسمّون “عبيد الباب”، أو “قاپى قولو” بالتركية، وهم إحدى الفرق الرئيسية في الجيش العثماني.
ولاحقًا، انحصر عملهم بتقديم العصائر والبخور للخطباء في مسجد السلطان أحمد في يوم المولد النبوي، وفي آخر الحقبة العثمانية أصبح اللقب يُطلق على الرجال الذين لا عمل لهم ويعيشون على حساب النساء.
وعُرف جنود البلطجية بخصلات شعرهم التي تتدلى على جانبي قلنسواتهم، وبملابسهم الزرقاء الداكنة ذات الياقات العالية، التي لا تمكّنهم من رؤية أي من جانبي محيطهم أثناء قيامهم بأعمالهم المختصة بالحريم.
عندما أسس محمد علي مدرسة لتخريج “البلطجية”
