صفحة من نضال الراحل يوسف الشنبلي ضد نظام النميري

صفحة من نضال الراحل يوسف الشنبلي ضد نظام النميري

Loading

رحل أمس الأول يوسف محمد صالح الشنبلي، آخر جنود الحرس القديم في مهنة النكد، كما أطلق عليها الراحل المقيم رحمي محمد سليمان، وحسب كتابه “جنرال بلا نجوم”، فإن لقب الشنبلي أطلقه عليه وزير الخارجية في عصر عبود أحمد خير المحامي، الذي كان مسؤولًا عن الخط التحريري لصحيفة الثورة، لسان حال المجلس العسكري الحاكم، ويعد الشنبلي من الجيل الأول لكنه الأصغر سنًا للصحفيين الذين شاركوا في وضع حجر الأساس للصحافة الحديثة، وهي تنتقل من عصر الليونتايب إلى عصر الأوفست، وقد بدأ الراحل مسيرته وهو في سن الشباب مع أبو الصحف أحمد يوسف هاشم، حيث تدّرب على يديه ليخطو أولى خطواته في المهنة الصحفية.
وللجيل الحالي الذي تفتح في عصر الإنقاذ، فإن الشنبلي خاض وهو على رأس كتيبة من الصحفيين الديمقراطيين، وكنت من بينهم، نضالًا متواصلًا ضد نظام الرئيس الراحل جعفر النميري.
من جانبها لم تسكت سلطة مايو ممثلة في وزير إعلامها الدكتور إسماعيل حاج موسى، الذي كان يكن عداءً شديدًا للمعارضة الصحفية، وما اعتبرته إهانة لحقت بالنظام من جرّاء المذكرة الجريئة التي سلمت إلى رئيس الاتحاد الاشتراكي جعفر نميري بتاريخ 24 أغسطس 1980، فأصدر حاج موسى قرارًا بفصل كل من، يوسف الشنبلي، والراحلون محمود محمد مدني، وعاصم وديدي، ومحمد إبراهيم حتيكابي، وحيدر طه، وفاروق أحمد إبراهيم من وكالة السودان للأنباء تحت غطاء إحالتهم للتقاعد. كما تمّ فصل كل من، حمد إسماعيل العمرابي، نور الدين مدني، ومأمون محمد الحسن، ومحمد مصطفى محمد الحسن، وسعدية عبد الرحيم من صحيفة الصحافة، وفُصِلَ عمر عبد التام، نقيب الصحفيين، من منصبه كرئيس للقسم الرياضي بصحيفة الأيام.
أحدثت عملية التشريد الجماعية ردود فعل واسعة في الوسط الصحفي الداخلي والخارجي. مؤيدو النظام كانوا أسعد الناس بهذه الجريمة التي راح ضحيتها زملاؤهم دون أنْ يرف لهم جفن. وبدا واضحًا أنّ عملية الفصل الجماعي التي طالت القيادات الصحفية المعارضة هي تمهيد لخطوة أخرى لقطع دابر النقابة نفسها، وقد أبلغ الرئيس نميري أنّ هناك تنسيقًا بين نقابات الصحفيين وعمال السكة الحديد والمهندسين والمصارف، يقف وراءه الشيوعيون لتحقيق الإضراب السياسي، ورأت تقارير الأمن أنّ المظاهرات التي اندلعت في أنحاء المدن السودانية، بورتسودان، مدني، الأبيض، رفاعة، نيالا، والفاشر لم تكن احتجاجًا على الغلاء والمجاعات التي بدأت تنتشر في البلاد، وإنما هي “تدبير شيوعي” الهدف منه إسقاط النظام في محاولة لتكرار ثورة أكتوبر الشعبية عام 1964.
لم يعبأ مجلس النقابة الشرعي بقيادة الشنبلي بعملية التشريد التي كان من ضحاياها النقيب والأمين العام والقيادات الأخرى؛ وكان قد تبقى لعمر المجلس شهر واحد تعقبه انتخابات جديدة لمجلس جديد، فشحذ المؤيدون للنظام كل أسلحتهم لهزيمة العناصر المعارضة والذين طردوا من الخدمة وأصبحوا في الشارع. وجرت اتصالات سريعة تمّ بعضها في مكتب الوزير والبعض الآخر في مكاتب بالاتحاد الاشتراكي لوضع الخطط حتى لا يعود “الشيوعيون” إلى المجلس مرة أخرى، غير أنّ كل ما خطط له إسماعيل الحاج موسى انهار في لحظة، عندما جرت الانتخابات في 12 يناير 1981 بدار النقابة تحت إشراف القاضي عبد الحفيظ أبو زيد، وعضوية كل من نصر علي نصر مساعد المحافظ للعمل بمديرية الخرطوم، وبابكر عبد الفراج مسجّل النقابات، وقاسم حاج السيد من مكتب العمل بالخرطوم، وكانت النتيجة كصاعقة مفاجئة لهم.
مرة أخرى فاز الَّذين طردتهم السلطة من وظائفهم الصحفية وسقطت كل لائحة المؤيدين؛ فاز بكل مقاعد المجلس، عمر عبد التام، ويوسف الشنبلي، والطيب إبراهيم عيسى، والفاتح المرضي، وسعدية عبد الرحيم، وفاروق أحمد إبراهيم، وحيدر طه، وهاشم يسين، ومحمود محمد مدني، ومأمون محمد الحسن، وهارون عبد الرحيم، ومحمد إبراهيم حتيكابي، ونور الدين مدني، وأحمد إسماعيل العمرابي.
شارك في التصويت 133 عضوًا من أصل 194 يحق لهم التصويت، ولكن قبل أنْ يفرح الفائزون بفوزهم كان هناك ما يُدبَّر في الخفاء. خرج المهزومون من دار النقابة وتوجهوا إلى مكتب وزير الإعلام ليبلغوه بالهزيمة، وعلى الفور انتشر الخبر بعد أنْ أذيع في الإذاعة والتليفزيون، غير أنّه لم تمضِ سوى ثمانية وأربعين ساعة حتى أصدر الرئيس نميري قرارًا بحل نقابة الصحفيين كان نصه كالآتي:
“رئيس الاتحاد الاشتراكي السوداني، بعد الاطلاع على المادة 30 من النظام الأساسي للاتحاد الاشتراكي السوداني، قرّرتُ:-
أولًا:- حل نقابة الصحفيين ومجلسها الحالي.
ثانيًا:- تكوين لجنة من السادة:
د./ عون الشريف قاسم عضو المكتب السياسي رئيسًا.
السيد الفاتح التجاني – عضوًا ومقررًا.
السيد فضل الله محمد – عضوًا ومقررًا.
السيد حسن ساتي – عضوًا.
السيد حسن أحمد التوم – عضوًا.
تختص اللجنة المكوَّنة بموجب البند الثاني من هذا القرار بإعادة النظر في قانون نقابة الصحفيين لعام 1977 بما يضمن التزام النقابة بأغراضها المحدّدة وفق مبادئ وأهداف ثورة مايو وتنظيمها السياسي الاتحاد الاشتراكي السوداني، ترفع اللجنة توصياتها لرئيس الاتحاد الاشتراكي”.
كان نميري يخشى إنْ ترك هذه النقابة بلا عقاب أنْ تحذو حذوها بقية النقابات الأخرى، الأمر الَّذي قد يتحول إلى كابوس نقابي يضيف رصيدًا عمليًا للمعارضة الشعبية الواسعة التي بدأت تصطف ضده. لم يكن أمام الرئيس المرعوب من شيء يفعله سوى وأد هذه البذرة في مهدها، فالنميري في أيامه الأخيرة صار مثل ثور إسباني هائج ينطح كل من يقف في طريقه، وكان أكثر ما يضايقه الَّذين يتحدونه وهو الَّذي يملك السلطان والهيمنة على كل شيء.
النقابة المحلولة من جانبها وعلى رأسها الراحل يوسف الشنبلي لم تقف مكتوفة الأيدي بعد حلِّها، فردّت في بيان وزعته على وكالات الأنباء العربية والعالمية جاء فيه (إنّ قرار رئيس الاتحاد الاشتراكي بحلِّ النقابة لا يستند على أساس قانوني، ويُعدُّ انتهاكًا غريبًا لقوانين ونظم وضعها هو نفسه لتنظيم مهنة الصحافة كما يقول، فالخطوة واضح من ظروفها هي رد فعل منفعل على سقوط كل عناصر النظام في الانتخابات، فقد حصل حسن ساتي الَّذي عينه نميري عضوًا بلْجنة التسيير على ثلاثة عشر صوتًا من مجموع مائة وواحد وثلاثين عضوًا صوتوا في الانتخابات. ومن الناحية الدستورية، ومن داخل أنظمة النميري التشريعية لا يحق له حل النقابة التي أجاز قانونها “مجلس الشعب القومي” البرلمان عام 1977، غير أنّ ما هو كائن وما يجب أنْ يكون تلك مسألة لا تجد مكانًا في ذهن الدكتاتور، فقد سبق له أنْ حلّ نقابات عمال السكة الحديد، والمحاسبين، والمهندسين، كان واضحًا أنّ نميري ينتقم من الَّذين كتبوا المذكرة ضد نظامه، فالمذكرة التي أرسلت إليه بتاريخ 24 أغسطس 1980 تهاجم سياساته وتحمّله المسؤولية عن تدهور الأوضاع في السودان، وإدانة اتفاقية كامب ديفيد- التي وقّعها السادات – كلها كانت سببًا في
مرة أخرى فاز الَّذين طردتهم السلطة من وظائفهم الصحفية وسقطت كل لائحة المؤيدين؛ فاز بكل مقاعد المجلس، عمر عبد التام، ويوسف الشنبلي، والطيب إبراهيم عيسى، والفاتح المرضي، وسعدية عبد الرحيم، وفاروق أحمد إبراهيم، وحيدر طه، وهاشم يسين، ومحمود محمد مدني، ومأمون محمد الحسن، وهارون عبد الرحيم، ومحمد إبراهيم حتيكابي، ونور الدين مدني، وأحمد إسماعيل العمرابي.
شارك في التصويت 133 عضوًا من أصل 194 يحق لهم التصويت، ولكن قبل أنْ يفرح الفائزون بفوزهم كان هناك ما يُدبَّر في الخفاء. خرج المهزومون من دار النقابة وتوجهوا إلى مكتب وزير الإعلام ليبلغوه بالهزيمة، وعلى الفور انتشر الخبر بعد أنْ أذيع في الإذاعة والتليفزيون، غير أنّه لم تمضِ سوى ثمانية وأربعين ساعة حتى أصدر الرئيس نميري قرارًا بحل نقابة الصحفيين كان نصه كالآتي:
“رئيس الاتحاد الاشتراكي السوداني، بعد الاطلاع على المادة 30 من النظام الأساسي للاتحاد الاشتراكي السوداني، قرّرتُ:-
أولًا:- حل نقابة الصحفيين ومجلسها الحالي.
ثانيًا:- تكوين لجنة من السادة:
د./ عون الشريف قاسم عضو المكتب السياسي رئيسًا.
السيد الفاتح التجاني – عضوًا ومقررًا.
السيد فضل الله محمد – عضوًا ومقررًا.
السيد حسن ساتي – عضوًا.
السيد حسن أحمد التوم – عضوًا.
تختص اللجنة المكوَّنة بموجب البند الثاني من هذا القرار بإعادة النظر في قانون نقابة الصحفيين لعام 1977 بما يضمن التزام النقابة بأغراضها المحدّدة وفق مبادئ وأهداف “ثورة مايو” وتنظيمها السياسي الاتحاد الاشتراكي السوداني، ترفع اللجنة توصياتها لرئيس الاتحاد الاشتراكي”.
كان نميري يخشى إنْ ترك هذه النقابة بلا عقاب أنْ تحذو حذوها بقية النقابات الأخرى، الأمر الَّذي قد يتحول إلى كابوس نقابي يضيف رصيدًا عمليًا للمعارضة الشعبية الواسعة التي بدأت تصطف ضده. لم يكن أمام الرئيس المرعوب من شيء يفعله سوى وأد هذه البذرة في مهدها، فالنميري في أيامه الأخيرة صار مثل ثور إسباني هائج ينطح كل من يقف في طريقه، وكان أكثر ما يضايقه الَّذين يتحدونه وهو الَّذي يملك السلطان والهيمنة على كل شيء.
النقابة المحلولة من جانبها لم تقف مكتوفة الأيدي بعد حلِّها، فردّت في بيان وزعته على وكالات الأنباء العربية والعالمية جاء فيه (إنّ قرار رئيس الاتحاد الاشتراكي بحلِّ النقابة لا يستند على أساس قانوني، ويُعدُّ انتهاكًا غريبًا لقوانين ونظم وضعها هو نفسه لتنظيم مهنة الصحافة كما يقول، فالخطوة واضح من ظروفها هي رد فعل منفعل على سقوط كل عناصر النظام في الانتخابات، فقد حصل حسن ساتي الَّذي عينه نميري عضوًا بلْجنة التسيير على ثلاثة عشر صوتًا من مجموع مائة وواحد وثلاثين عضوًا صوتوا في الانتخابات. ومن الناحية الدستورية، ومن داخل أنظمة النميري التشريعية لا يحق له حل النقابة التي أجاز قانونها “مجلس الشعب القومي” البرلمان عام 1977، غير أنّ ما هو كائن وما يجب أنْ يكون تلك مسألة لا تجد مكانًا في ذهن الدكتاتور، فقد سبق له أنْ حلّ نقابات عمال السكة الحديد، والمحاسبين، والمهندسين، كان واضحًا أنّ نميري ينتقم من الَّذين كتبوا المذكرة ضد نظامه فالمذكرة التي أرسلت إليه بتاريخ 24 أغسطس 1980 تهاجم سياساته وتحمّله المسؤولية عن تدهور الأوضاع في السودان، وإدانة اتفاقية كامب ديفيد- التي وقّعها السادات – كلها كانت سببًا في أنْ يقدِم على مثل تلك الخطوة.
من كتابي الصحافة السودانية والأنظمة الشمولية