![]()
لم تعد تداعيات الحرب السودانية محصورة داخل حدود البلاد، فمع تصاعد الضربات والاتهامات المتبادلة مع تشاد وإثيوبيا، تتسع دائرة الخطر لتلامس أمن دول الجوار، وسط مخاوف متزايدة من انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر اتساعًا.
ومن الحدود التشادية إلى الجبهة الإثيوبية، تتوالى التطورات في ظل نفي رسمي واتهامات متبادلة بين الأطراف، فيما تثير الحوادث العابرة للحدود تساؤلات بشأن قدرة دول المنطقة على احتواء تداعيات الحرب.
فهل دخلت حرب السودان مرحلة جديدة تتجاوز الصراع الداخلي، أم أن ما يجري لا يزال امتدادًا لصراع إقليمي غير مباشر
توتر متصاعد على الحدود مع تشاد
وأفاد مصدر أمني في جمهورية تشاد بمقتل 12 شخصًا وإصابة 7 آخرين في قصف استهدف منطقة حدودية بين السودان وتشاد.
وأثارت الحادثة توترًا جديدًا بين البلدين، بعدما اتهمت نجامينا وواشنطن الجيش السوداني بتنفيذ ضربات داخل الأراضي التشادية، وهو ما رفضته الخرطوم، داعية إلى إجراء تحقيق مهني ومستقل في ملابسات الواقعة.
وتأتي هذه الحادثة بعد أسبوع واحد فقط من ضربات جوية استهدفت إقليم إنيدي الشرقي داخل الأراضي التشادية، دون أن تسفر عن سقوط ضحايا. وربطت نجامينا تلك الضربات كذلك بالحرب السودانية، إذ قالت هيئة الأركان التشادية إن طائرات ومسيرات تابعة للجيش السوداني أو حلفائه لاحقت قافلة داخل الأراضي التشادية واستهدفتها.
في المقابل، نفت وزارة الخارجية السودانية بشكل قاطع مسؤولية الجيش عن الهجوم، وطالبت بإجراء تحقيق مهني ومستقل، مؤكدة احترام الخرطوم الكامل لسيادة تشاد ووحدة أراضيها، وتمسكها بمبدأ حسن الجوار.
اتهامات متبادلة على الجبهة الإثيوبية
ولا يقتصر التوتر على الحدود الغربية للسودان، إذ تشهد الجبهة الشرقية بدورها تصعيدًا في الاتهامات بين الخرطوم وأديس أبابا.
واتهم الجيش السوداني إثيوبيا، في أكثر من مناسبة، بانطلاق هجمات بطائرات مسيرة من أراضيها، وقال إن لديه أدلة على ذلك، ملوحًا في الوقت نفسه بإمكانية التصعيد. كما استدعت وزارة الخارجية السودانية سفيرها لدى أديس أبابا في مايو/ أيار الماضي.
وفي المقابل، نفت إثيوبيا الاتهامات السودانية، ووصفتها بأنها لا أساس لها من الصحة، قبل أن توجه اتهامات مضادة إلى الجيش السوداني، متهمة إياه بدعم مسلحي إقليم تيغراي وتسهيل توغلهم عبر الحدود.
حرب السودان تتحول إلى أزمة تتجاوز الحدود
هذه التطورات ليست جديدة بالكامل، إذ ارتبطت الحرب السودانية، منذ اندلاعها في أبريل/ نيسان 2023، بتدفقات للسلاح والمقاتلين واللاجئين، إلى جانب طرق إمداد عبر الحدود مع عدد من دول الجوار.
لكن الجديد في المشهد هو أن الامتداد الإقليمي للصراع بات يحمل طابعًا أكثر خطورة. فلم تعد تداعيات الحرب مقتصرة على اللجوء والتهريب والدعم غير المباشر، بل أصبحت تشمل اتهامات باستخدام أراضي دول مجاورة لإطلاق مسيرات، إلى جانب وقوع ضربات داخل أراضي دول أخرى.
وتزداد حساسية الوضع بسبب الموقع الجغرافي للدول المتاخمة للسودان. فتشاد ترتبط بصورة مباشرة بأزمة دارفور وتستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين السودانيين، بينما تقع إثيوبيا على تماس مع النيل الأزرق وولاية القضارف.
حرب السودان تتجاوز الحدود.. قصف واتهامات متبادلة مع تشاد وإثيوبيا#الأخيرة@ahmedkhair pic.twitter.com/70OxykiE8D
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 28, 2026
كما تتقاطع التوترات الداخلية في إثيوبيا، ولا سيما في إقليمي تيغراي وأمهرة، جغرافيًا وأمنيًا مع الحدود السودانية.
وحذرت جهات دولية وإقليمية، بينها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، من انتقال تداعيات النزاع السوداني إلى خارج الحدود، وسط دعوات إلى احترام سيادة الدول وضبط النفس وتعزيز التعاون الحدودي، بما يمنع تحول التوترات الحالية إلى تصعيد إقليمي.
وبناء على ذلك، لا يمكن وصف ما يحدث حتى الآن بأنه حرب إقليمية مكتملة، لكنه يمثل إحدى أخطر مراحل تدويل الأزمة السودانية. فاستمرار القتال داخل السودان يفرض ضغوطًا متزايدة على حدود تشاد وإثيوبيا، ويجعل أي حادث عابر للحدود قابلًا للتحول إلى أزمة بين دول.
وفي ظل هذا المشهد، لم يعد احتواء الحرب السودانية قضية داخلية تخص الخرطوم وحدها، بل أصبح ضرورة إقليمية لحماية استقرار دول الجوار ومنع اتساع دائرة الصراع.
“التركيز على المسار الدبلوماسي”
وفي معرض تقييمه للبيانات الرسمية السودانية، أوضح عثمان الميرغني، رئيس تحرير صحيفة التيار، أن لغة البيان اتسمت بالهدوء والسعي إلى التهدئة، مع التركيز على المسار الدبلوماسي لتفادي أي تصعيد محتمل مع الجانب التشادي، وامتصاص الشكاوى بطريقة حكيمة بعيدًا عن الخطاب الذي قد يزيد التوتر بين البلدين.
وأشار في حديث للتلفزيون العربي من أم درمان، إلى أن الرواية التشادية حول الحادثة ما زالت غامضة، خصوصًا في ما يتعلق بالجهة التي استخدمت الطائرات المسيّرة لاختراق الحدود، لافتًا إلى أن قوات الدعم السريع هي المسيطرة على المنطقة منذ أبريل 2023، بينما انسحب الجيش منها، ما يجعلها الطرف الأكثر حضورًا هناك.
الخرطوم تختار التهدئة مع تشاد.. وغموض يحيط بهوية منفذي القصف#الأخيرة@ahmedkhair@OsmanMirghani pic.twitter.com/sVYpS6JZFB
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 28, 2026
وأضاف أن التساؤلات تظل قائمة بشأن ما إذا كان الجيش السوداني بالفعل قد استهدف مواقع داخل العمق التشادي، كما ورد في البيان التشادي، متسائلًا عن كيفية دخول قوات معادية إلى داخل الأراضي التشادية، ومن أين جاءت، وكيف تمكنت من الوصول إلى هذا العمق رغم أنها قوات أجنبية يُفترض أن قدراتها محدودة.
وختم بالقول إن طريقة تصعيد الأزمة توحي وكأن الحرب في السودان بدأت للتو، بينما هي في الأصل حرب ممتدة تجاوزت الحدود منذ وقت طويل، وليست حدثًا جديدًا أو مفاجئًا.
“التمدد الإقليمي موجود منذ بداية الحرب”
من جهته، أوضح رمضان قرني، خبير الشؤون الإفريقية، أن الحديث عن تدويل الحرب في السودان يبدو مبالغًا فيه أو استباقًا للواقع، مشددًا على ضرورة التمييز بين محورين أساسيين: التمدد الإقليمي للصراع، والتدويل الدولي له.
وأشار إلى أن التمدد الإقليمي كان حاضرًا منذ اللحظة الأولى، وهو ما أكدته قمة دول جوار السودان في يوليو/ تموز 2023، حينما أشارت إلى أن الصراع بات يمسّ نحو ثماني دول على الأقل.
وأضاف أن بعض التقديرات، مثل ما ذكره المستشار الأميركي مسعد بولس، تحدثت عن تورط ما يقارب اثني عشر دولة بدرجات متفاوتة، سواء عبر الدعم العسكري أو السياسي أو اللوجستي، أو حتى عبر مشاركة مرتزقة.
هل الحديث عن تدويل الحرب السودانية سابق لأوانه؟#الأخيرة pic.twitter.com/CZFXkxaVNF
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 28, 2026
وأكد قرني أن الصراع الممتد منذ قرابة أربع سنوات خلّف تكاليف سياسية وأمنية وعسكرية باهظة، ما يعكس حجم التمدد الإقليمي الواضح.
لكنه شدّد على أن الحديث عن تدويل الصراع ودخول أطراف جديدة فيه يظل سابقًا لأوانه، رغم بعض التطورات العسكرية على الحدود مع تشاد أو في ولاية النيل الأزرق مع إثيوبيا، معتبرًا أن هذه الأحداث تبقى متبادلة وظرفية أكثر من كونها مؤشرات على تدويل شامل.
