عباس والبرهان خارج اجتماعات الأمم المتحدة.. ما وراء قرارات واشنطن؟

عباس والبرهان خارج اجتماعات الأمم المتحدة.. ما وراء قرارات واشنطن؟

Loading

في وقت تستضيف فيه نيويورك اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، برزت قرارات أميركية بشأن مشاركة مسؤولين عرب في أعمال المنظمة الدولية، بعدما رفضت واشنطن منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة للعام الثاني على التوالي، كما حجبت تأشيرة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان.

وفي حالة عباس، قالت واشنطن إن موقفها يرتبط بما تعتبره إخفاقًا من جانب مسؤولين فلسطينيين في الوفاء بالتزامات مرتبطة بالسعي إلى السلام، إضافة إلى اعتراضها على ما تصفه بمحاولات تدويل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال المؤسسات والمحاكم الدولية. وفي المقابل، سمحت الجمعية العامة لعباس بالمشاركة عبر تسجيل مصور، كما حدث في العام السابق.

أما في حالة البرهان، فأفادت مصادر سودانية ومصادر أخرى بأن قرار واشنطن بشأن التأشيرة يرتبط بموقف الخرطوم من مقترح أميركي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا. وأشارت رويترز إلى أن الأمم المتحدة أثارت المسألة مع السلطات الأميركية، بينما عبّر الأمين العام أنطونيو غوتيريش عن قلقه بشأن عدم صدور التأشيرة.

بين اتفاقية المقر والحسابات الأميركية

وفي هذا السياق، أوضح جوي هود، المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي، أن واشنطن أرست منذ البداية قواعد اتفاق مقر الأمم المتحدة، والتي تنص على السماح لقادة جميع دول العالم بتمثيل أنفسهم في المنظمة، مع قيود طفيفة للغاية.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من نيويورك، أضاف هود، أن الإدارة الأميركية تعتبر أن السلطة الفلسطينية لا تمثل دولة ذات سيادة معترف بها من قبل الولايات المتحدة، ولا تملك سلطة كاملة على أراضيها.

ولفت إلى أن هذا الموقف يستند إلى مجموعة من الأسباب التي تطرحها واشنطن، لكنها لا تتوافق مع اتفاق مقر الأمم المتحدة، باستثناء الحجة المتعلقة بعدم اعتراف الولايات المتحدة ودول أخرى بالسلطة الفلسطينية كدولة ذات سيادة لها أراضٍ محددة.

وأشار هود إلى أن أولويات ترمب في الشرق الأوسط لا تختلف كثيرًا عن أولويات معظم دول المنطقة، فهو يسعى إلى تحقيق الاستقرار والأمن، ويرغب في رؤية نمو اقتصادي مستدام.

هل تتناقض مبررات واشنطن مع ممارساتها السابقة؟

من جهته، قال معن البياري، رئيس تحرير صحيفة “العربي الجديد”، إن حديث جوي هود بدا متناقضًا إلى حد ما، فمحمود عباس سبق أن شارك في دورات سابقة للأمم المتحدة، والتقى الرئيس ترمب أكثر من مرة بصفته رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير، والاعتبارات نفسها كانت قائمة آنذاك.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من استديوهات لوسيل، أشار البياري إلى أن الولايات المتحدة استجابت لمطلب إسرائيلي بمنع عباس من المشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، معتبرًا أن الحجج التي قدمتها الخارجية الأميركية غير مقنعة، إذ لو أخذنا بها لكان الأولى منع نتنياهو الذي لم يلتزم بخطة وضعها ترمب نفسه.

وأضاف أن هذا المنع يمثل خرقًا واضحًا لاتفاقية مقر الأمم المتحدة التي تلزم المنظمة بتسهيل وصول جميع ممثلي الدول لإلقاء كلماتهم والمشاركة في أعمالها.

وأوضح أن واشنطن دأبت على مثل هذه الممارسات في سياساتها، وضرب مثالًا بما حدث في كأس العالم حين امتنعت عن منح تأشيرات لبعض الحكام واللاعبين.

وبشأن الأساس الذي تستند إليه الولايات المتحدة في قراراتها، قال إن الخارجية الأميركية بررت ذلك بعدم التزام السلطة بالاتفاقيات وإجراءات السلام، واصفًا هذا الخطاب بأنه بائس.

هل تتحول التأشيرة إلى ورقة تفاوض؟

من جهته، قال عبد الرحمن العتيبي، الدبلوماسي الكويتي السابق، إن القضية تتجاوز مسألة منع رئيس أو السماح لآخر، فالقانون واضح منذ اتفاقية المقر عام 1947، إذ لا يجوز للدولة المستضيفة أن تضع عراقيل أمام مشاركة رؤساء الدول في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من الكويت، أوضح أن الإدارة الأميركية، وبالأخص إدارة ترمب، تتعامل مع العلاقات الدولية وفق حسابات المصالح وأوراق التفاوض من منظورها الخاص.

وأضاف أن الأمم المتحدة، التي قامت على أنقاض عصبة الأمم، بُنيت على ميثاق أساسي هدفه تحقيق السلم والأمن الدوليين ووضع حد للحروب والنزاعات. وتابع: إذا كان الرئيس محمود عباس يُمنع من حضور اجتماعات الجمعية العامة، فكيف يمكن للأمم المتحدة أن تحقق رسالتها في حفظ السلم والأمن الدوليين؟

وأشار إلى وجود تناقض صارخ في السماح لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، رغم ارتكابه جرائم واستمرار الاستيطان، بينما يُمنع رئيس دولة تعترف بها أكثر من 150 دولة حول العالم.

وأكد أن هذا التناقض يطرح تساؤلات جدية حول جدية الإدارة الأميركية في الدفع نحو حل الدولتين وتقريب وجهات النظر وتحقيق الاستقرار في المنطقة، إذ لا يمكن أن تدّعي السعي للسلام بينما تمنح الشرعية لمن يمارس القتل والاستيطان وتمنع في المقابل رئيس دولة معترف بها دوليًا من المشاركة.

التأشيرة أداة لانتزاع التنازلات

بدوره، قال معاوية التوم، نائب المندوب السوداني لدى الأمم المتحدة، إن قضية التأشيرات باتت مرتبطة بشكل مباشر بعمل الجمعية العامة، حيث أصبحت تُستخدم بطريقة غير موضوعية لا تستند إلى ميثاق الأمم المتحدة أو اتفاقية دولة المقر، بل تحولت إلى أداة لانتزاع تنازلات سياسية من الدول الأعضاء.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من نيويورك، أوضح أن المادة 105 من ميثاق الأمم المتحدة تكفل للدول الأعضاء كامل الامتيازات والحصانات التي تتيح لها المشاركة الفاعلة والطبيعية في أعمال المنظمة. لكنه أشار إلى أن ما جرى لرئيس مجلس السيادة السوداني يعكس مقاربة غريبة، إذ تحولت امتيازات الدولة المضيفة إلى ورقة تفاوضية تحدد من يخاطب الجمعية العامة.

وأضاف أن الدولة المضيفة باتت تصادر ما تبقى للأمم المتحدة من أدوات وإجراءات، فهي تحدد أسماء المشاركين وكلماتهم وتوقيت مداخلاتهم، بينما تصبح التأشيرة هي العائق الذي يمنعهم من أداء مهمتهم. وأكد أن الأمم المتحدة لا تملك سوى التعبير عن الأسف والانزعاج إزاء هذه الإشكالات.

وختم بالقول إننا أمام مقاربة تصادر الحقوق الدولية لصالح اعتبارات ثنائية تفرضها الدولة المضيفة، وهو ما يثير إشكالية جدية تتعلق بحدود صلاحياتها وفق الميثاق الدولي.