![]()
حين بارح قطار الصعيد محطة الجيزة التاسعة مساء لوحت للأسرة مودعا ثم تعارفت وزميلي في مقصورة النوم المهندس هاتف الأمين من الفاو .. القضارف بعادة السودانيين سريعا ثم جرى الحديث عن فضل النميري في تأسيس مشروع الفاو الزراعي السكني العملاق الرابط ولايتي الجزيرة والقضارف.
بانتشار ضياء الصباح تتابعت البلدات والقرى ذات الأبنية الطوابقية ادخارا للأرض وتقريبا للخدمات والمآذن المشرئبة والنخلات ملساء العود، نادرات الفروع والحقول السندسية، التي قال عنها شاعرنا الرائع جيلي عبد الرحمن وهو على قطار أسوان طفلا رفقة أمه متجها للقاهرة:
فأين نهاية هذي الزروع؟
عجبت! عجيب أيجري الشجر؟
بوصولنا أسوان حاضرة النوبة بعد 13 ساعة سفر ودعت زميل الرحلة هاتف وهو على عجل للحاق بعمله بالخرطوم وبقيت يوما وبعض يوم مع أسرة أخي د. خيري ومسامرات صاحبي ابني محمد خيري الذي يتهيأ للتمدرس.
كانت أسوان تسبح في تباريح ذروة ليالي المولد اللذاذ بالحيل حينما عانقني مودعا الحبيبان .. ابن أخي زاهر الهادي وخاله قذافي شريف.
قبيل انتصاف الليل بقليل عبر بنا بص شركة بلاجا جسر السد العالي إلى الضفة الغربية فيما تنعكس الأنوار على سطح البحيرة الهائلة، الهادئة.
كانت لافتات الطريق تشير للمسافة إلى أرقين ولا أدري سبب اتخاذ أرقين أساسا وهي قرية سودانية كاملة الدسم!
وصلنا الرابعة صباحا توشكي حيث دارت معركة النجومي الشهيرة فاجتزنا صف شاحنات طويل في انتظار تعبئة الديزل لمحطة النفط المختصة بالبصات، التي تزود فيها بصنا بالوقود سريعا.
باشرنا طي 50 كيلومترا فوصلنا أبوسمبل مع أذان الصبح وكافتيريا المشروبات فطلبت معي للسائق مشروبا، الذي أجلس خلفه مباشرة وهو يشعل سيجارة إثر سيجارة فيما تغرقه سحابة دخان دوما فنصحته بهدوء واحترام شاكرا خدمته، محذرا إياه من سرطان الرئة الشرس فتقبل النصح مقدرا.
اصطفت في العبارة الكبيرة 3 بصات، التي نقلتنا شرقا وراجع خلالها شرطي المعابر جوازاتنا وقبله شرطي الحدود في الطريق( غير المكتملة إجراءاته يلتحق بأفواج العودة الطوعية) فسرنا زهاء نصف ساعة، حيث ميناء قسطل المصري البري الحدودي.
بعد بصين جاء دور دخولنا حوش الإجراءات المصرية .. عمال ينزلون بضائع قليلة، وعلل السبب بمنع مصر خروج المواد الغذائية عدا العسل والمكرونة وهذا شأنهم وحقهم .. خيرا فعلوا فأراضينا الشاسعة ومواردنا المائية الهائلة من النيل وفروعه وأضعافها من المياه الجوفية والأمطار كفيلة بجعلنا مصدرين ولا نحتاج لدرهم غذاء من أي دولة في الدنيا.
بعدها أنزلت الحقائب، وبينما أسحب شنطتي الاثنتين ذواتا العجلات بيسر عرض علي عاملان تولي الأمر ب 35 ألف جنيه مصري فقلت: بل 20 ألفا معتقدا صعوبة المشوار فوافقا فذهبا بهما أمتارا ورفعاهما على سير الماسح الضوئي فاستوفيا المبلغ مني ولكن بمجرد تسلم الحقيبتين على الجانب الآخر اختفيا كفص ملح ذاب فاستدركت ما جرى من ” استحمار ” فليحترس الآخرون فما أيسر إعادتهما للبص.
أسرعت أنجز متطلبات الجوازات حيث يحتجز كثيرون بأسباب وهنات شتى أعلاها أسرة بطفلين، الصغير غير مضمن مع أي من الوالدين في الجوازين، لأنه ولد بالإسكندرية وله شهادة ميلاد موثقة فتأخر فسحهم ساعات، ولأن والدته من عبري ( آل صابونة) وهم معارفي تابعت المسلسل حتى النهاية ال “سعيدة”!
في القطاع السوداني حيث استقرت نفوسنا جمعت جوازاتنا، التي أعادوها بعد نصف ساعة مكتملة مسوغات دخولنا وأسرعت للبص أتسلم شنطتي والثالثة على كتفي ومررت بها على التفتيش الجمركي ولما كان البص يتأخر انتظارا لكل ركابه دلفت إلى أول سيارة متجهة للمدينة والمشوار نحو 40 دقيقة، التي بلغناها الثانية ظهرا ونزلت في فندق رادو وادي حلفا النظيف، الذي يديره شاب مهذب من جزيرة ناب جنوبي المحس، ويضم نزلاء عرسان أيضا ما يضفي على المكان سحرا وألقا.
فور ترتيب الأمر ذهبت أنشط شريحة جوالي في مكتب سوداني لوصل الأعزاء في الداخل والخارج.
التاسعة صباحا اليوم التالي انطلقت حافلة من قلب وادي حلفا يقودها الشاب عمار من سبو باقتدار.
اجتزنا البوابة الجنوبية مدخلها عند الكيلو 890 من الخرطوم، ثم لافتات القرى البعيدة من الطريق الدولي بدءا بجمي، مرورا بمك الناصر حيث ترحمت على روح المبدع محمود أحمد خيري، حتى سوق عكاشة التعديني وجبل ميمي الشاهق في فركة وهو يحمل اسم محمد بشارة حاكم دنقلا حقبة المهدية لتزويده الجيش المرابط في فركة بالجنود، الذين حصدهم السلاح الناري فور اصطفافهم عند صلاة الصبح.
في عبري أخت دلقو تناولنا الفطور حيث رأيت العملة السودانية أول مرة في رحلتي التي سادها بنكك، حيث ترحمت على صديقي المميز مكي .. وزاحمتني ذكريات لقاءات الشأن العام وحواراتنا في فعاليات عبري المتعددة.
نمر على صاي الخليل من على البعد، عبود حسين لالا، صواردة وردي، وإراو عباس عثمان وهكذا في كل قرية في ديارنا النوبية اسم عبقري لامع في الآداب والفنون.
في واوة بوابة المحس الشمالية ألمح محولات كهرباء المنطقة، وفي مساحات مشروع تقر العملاق بسعدنفنتي وجدت الأعشاب والنباتات الغازية كالعشر والشجيرات الشوكية تسودها كما في دلقو، التي ألفت نظر مزارعينا دوما بضرورة تنظيف الطفيليات قبل نشرها البذور التي تعيق الموسم التالي، أين مسؤولو الزراعة، بل أين فعالياتنا الشبابية؟
يسرانا سوق 25 دلقو، الذي نكرر ونلح على نقله بعيدا عنا ونحن في سعدنكورتى الأكثر قربا، والأعلى ضررا.
بعد دقائق تنزل أمتعتي وأودع زملاء رحلتي.
عند دخولي البيت يلمحني المنصرفون من صلاة الجمعة قبل الماضية فكان اللقاء وكان البهاء فيما صدحت زغرودة رقراقة من الداخل.
ما أحب بلدنا
وما أحن ناسنا!