![]()
عزيزة المعراج تكتب – كلام ترابلة:
يبدأ الترابلة يومهم مع أذان الفجر الأول. يسكبون عرقهم على الطين شهوراً طويلة، يرقبون الشتول وهي تنمو كالأطفال، يصارعون تقلبات الطقس، وآفات الزرع، وتكاليف المدخلات التي تثقل الكاهل. ولكن حين يأتي حصاد الفرح، يقف المزارع عند بوابة السوق ليتعلم درساً قاسياً: أن أشقاء العرق ليسوا دائماً هم أصحاب الثمرة!
وهذه ليست مأساة ” التربالي” في حواشاته الممتدة على أرض الجزيرة وحدها، بل هي ذات المأساة العميقة و الهيكلية التي تخنق رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة في أزقتنا ومدننا. يكدح الصانع والمُنتج، يبدع ويكابد، ثم يترجل عند خط النهاية ليلتهم “غول الوسطاء السماسرة ” هامش الربح الأكبر، ويدفع بالمشروعات الناشئة والجهود الفردية إلى هاوية الإفلاس المبكر والتعثر والديون .
تتجلى الأزمة في أبهى صورها عند غياب المرجعية الاقتصادية المنظمة؛ فلماذا يظل سعر المحصول أو المنتج الخضري ألعوبة في يد القلة؟ إن غياب “بورصة المنتجات الزراعية” ذات الشفافية العالية المعلنة، يجعل تحديد الأسعار يخضع لمزاجية الشراء ولحظات الضغط المالي التي يمر بها المزارع عقب الحصاد. يدخل المزارع أو المنتج الصغير إلى السوق أعمى لا يري شواهد السوق ، لا يعلم من حجم المعروض شيئاً، ولا يستند إلى مؤشر سعر يضمن له حداً أدنى من العائد الكفيل بتغطية تكلفة الإنتاج المتصاعدة والتي تقصمظهر المزارع .
انكشاف الظهر.. وتعثر التعاونيات
ان الجمعيات التعاونية الزراعية يمكن تشكل حائط الصد الأول والتكتل التفاوضي الذي يحمي المزارع الفرد من الاستغلال. غير أن تعثر الحركة التعاونية الزراعية وتراجع دورها الوظيفي لأسباب تاريخية و إدارية وهيكلية متعددة، ترك المزارع أعزلاً في مواجهة شبكات متماسكة من الوسطاء والسماسرة يملكون السيولة ووسائل النقل وسلاسل التبريد والتخزين. أصبحت المعركة بين منتج فرد معزول ومحاصر بالديون، وبين سوق شرس لا يرحم يتحكم فيه وسطاء متشاكسون لكنهم متفقين في سلب المزارع عرقه وجهده .
إن ما يحدث اليوم في سلاسل القيمة والتسويق هو معادلة مقلوبة بكل المقاييس الاقتصادية ، فالمنتج (المزارع/رائد الاعمال): يتحمل 100% من مخاطر الإنتاج والطقس والتمويل، ليخرج بأقل هامش ربح أو بمديونية تلاحقه وتنغص عيشه ، اما المستهلك. فهو يشتري السلعة بأسعار تكوين جنبيه وضلوعه و لا تعكس إطلاقاً السعر الذي خرجت به من المزرعة أو المشغل ، اما السيد الوسيط او السمسار فهو تحرك في المساحة الآمنة دون مخاطرة إنتاجية، ويستحوذ على القيمة المضافة كاملة ودون عرق ولا جهد !
إن حماية المزارع الصغير ورواد الأعمال ليست مجرد قضية تعاطف إنساني، بل هي قضية أمن غذائي واستقرار اقتصادي. إذا استمر هذا النزيف، فسوف يزهد المزارع في أرضه، وسيغلق رائد الأعمال أبواب مشروعه كما هو الحال الان ، لنستيقظ جميعاً يوما ما وقريبا جدا على أسواق خاوية إلا من الوسطاء الذين لن يجدوا حينها ما يتداولونه او يسمسرون عليه !
لقد حان الوقت للتحرك الجاد نحو تأسيس بورصة إقليمية للمنتجات الزراعية تضمن الشفافية والعدالة في السعر ، و إعادة إحياء وتطوير الجمعيات التعاونية الإنتاجية برؤية حديثة تمنح المزارعين قوة تفاوضية وجماعية ، و توفير بنية تحتية لوجستية في اسواق مركزية (مخازن، سلاسل تبريد، وسائل نقل) ترفع عن كاهل المزارع اضطرار البيع السريع بأبخس الأثمان.
آخر الكلام
سيظل عرق الترابلة رمزاً للكرامة والأمل يا حكومة الامل !!! ولكن الأمل يحتاج إلى عدالة تحميه من غول الأسواق.