عزيزة المعراج تكتب -كلام ترابلة – نرمي الحب….ونرجى الرب

عزيزة المعراج تكتب -كلام ترابلة - نرمي الحب....ونرجى الرب

Loading

 

 

لطالما كان المزارع السوداني يقرأ كتاب الطبيعة المفتوح ببراعة لا تقل عن أدق مراكز الأرصاد الجوية؛ فمواسمنا الزراعية لم تكن يوماً مجرد أرقام وتنبؤات رقمية، بل هي نبض الأرض، وحركة الحشرات، وسلوك الطيور، وهدير الأنهار. واليوم، ونحن نعيش إرهاصات خريف هذا العام، يقف المشهد الزراعي بين قراءتين: قراءة واقعية ترصد تعثراً في البدايات، وقراءة تفاؤلية تستند إلى إرث “الميقات التقليدي” وتضع أملها في المحك الحقيقي للخريف؛ شهر أغسطس.

 

لقد حملت الأسابيع الماضية مؤشرات أثارت قلق المهتمين بالـشأن الزراعي؛ فقد فشلت عينة “العصا العطشانة” وتلتها “العصا الرويانة” في إحداث الأثر المطلوب، وما زال جحر التربة فاغراً فاهه بحثاً عن رطوبة تقفل الشق وتؤسس للسعة الحقلية المطلوبة التي يغوص معها الماء بعمق ذراع. ومن هنا تكتسب عينة “الضراع” (التي دخلت في السابع من يوليو) أهمية قصوى كاختبار حقيقي لقدرة التربة على التشبع.

هذا التأخر الهيدرولوجي انعكس سريعاً على التوازن البيئي في المنطقة؛ حيث لوحظ غياب الحشرات المصاحبة للبدايات القوية للخريف، مثل “أبو السمين”، “القبور”، و”أبو الدقيق”، مما جعل الطيور التي تقتات عليها تقف حيارى في قمم الأشجار. وتكاملت هذه اللوحة المقلقة مع تأخر نهر الدندر عن النزول في ميعاده المعتاد في أواخر يونيو، ليمر في الثامن من يوليو دون أن يكون هادراً أو مذبداً كعهده القديم.

 

تتطابق هذه المشاهدات المحلية جزئياً مع نشرة الإرصاد للتنبؤ بالمناخ الصادرة عن مركز “إيقاد” للقرن الأفريقي، والتي تشير إلى أن معدلات الأمطار لهذا العام ستكون أقل من المعدل العام (في حدود 350 إلى 400 ملم). هذه الحسابات تضعنا أمام فرضية “الخريف الأبرق” – ذلك الخريف المتذبذب الذي يسقي بلاداً ويجافي أخرى، ويتسم بأمطار “الضهري” العابرة التي لا تتجاوز ظل السحابة، مفتقداً للمطر “الليلي” العام أو مطر “الصحي” الذي يمتد حتى الظهيرة ليشمل ولايات شاسعة.

ومع ذلك، فإن هذا المعدل الرقمي (350 – 400 ملم) ليس نذير فشل مطلق؛ بل هو بيئة مثالية لمحصول مثل “السمسم” إذا ما انتظم الهطول على مدى 60 يوماً. أما بالنسبة لمحصول “الذرة”، فالأمر يتطلب إدارة ذكية وحذرة تعتمد على الأصناف الخفيفة وقصيرة الدورة مثل (أرفع قدمك، قشيش، كوركولو، والعكر المحلي)، بالإضافة لصنف “عجيب” بشرط التأسيس الباكر للأرض بمطرتين بمعدل 40 ملم لكل منهما.

 

رغم هذه المؤشرات الحذرة، فإن النظرة العلمية والخبرة الميدانية تفتحان باباً واسعاً للتفاؤل. فالشدة الاستثنائية للحرارة والكتمة التي شهدناها خلال عينة “العصا العطشانة” ليست دليلاً على الجفاف، بل هي علمياً “الطاقة الكامنة” والوقود الحراري الذي يساهم في زحزحة الفاصل المداري (ITCZ) شمالاً وجذب المنخفضات الجوية المشبعة بالرطوبة.

إن تأخر البدايات لا يعني بالضرورة فشل الموسم؛ فالمحك والفيصل الحقيقي في الميقات الزراعي السوداني هو شهر أغسطس (حيث عينات الكنار والنترة والطرف). والتاريخ الزراعي يحفظ سنوات عديدة بدأت بشح مقلق في يونيو ويوليو، حتى استبد اليأس بالنفوس، ثم انفتحت السماء في أغسطس بأمطار سارية متواصلة غسلت مخاوف المزارعين وعوضت كل ما فات.

 

تكتسب هذه القراءة أهمية مضاعفة في ولاية الجزيرة، حيث تلتقي التحديات المناخية بالظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. إن التربة الطينية الثقيلة الممتدة في الجزيرة تتميز بسعة حقلية ممتازة وقدرة عالية على الاحتفاظ بالرطوبة، مما يعني أنها جاهزة لامتصاص وتعويض أي تدفق قوي للأمطار في أغسطس.

لكن النجاح هنا لن يتوقف على المطر وحده، بل على قدرة المزارع على التكيف؛ ففي ظل صعوبة الحصول على المدخلات والتقانات الزراعية، يصبح من الضروري التوازن بين البشارة والحذر: عدم الاستعجال في رمي البذور قبل اطمئنان الأرض، والتركيز على الأصناف سريعة النضج.

ٱخر الكلام

 

إن خريف هذا العام يضعنا في اختبار حقيقي بين “مطرقة الحذر” و”سندان الأمل”. المؤشرات الأولية تدعو للتدبير والحيطة، لكن المؤشرات الحرارية وعمق التجربة الزراعية يؤكدان أن فرصة النجاح ما زالت قائمة وبقوة في مقبل الأيام. يبقى المزارع السوداني، وعينه على السماء، يجسد الحكمة الخالدة: “نرمي الحب ونرجي الرب”، متضرعين إلى الله أن ينزل الغيث مدراراً، وأن يجعل في هذا الموسم فرجاً للبلاد والعباد، لتتحقق البشارات بالإنتاج والخير الوفير.