![]()
رحم الله الأستاذ الدكتور عز الدين عمر موسى رحمةً واسعة، فقد فقد السودان والعالم العربي والإسلامي قامةً علميةً وفكريةً نادرة، جمعت بين عمق الباحث، ورحابة المثقف، وحكمة الأستاذ، وتواضع الإنسان.
وُلد الراحل في جزيرة توتي بالخرطوم عام 1936، وانطلقت رحلته العلمية مبكرًا نحو آفاق واسعة حين ابتُعث إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث نهل من كبار أعلام الفكر والأدب والتاريخ في العالم العربي، وتكوّنت شخصيته العلمية وسط نخبة من المفكرين الذين تركوا بصماتهم على الثقافة العربية المعاصرة. هناك تشكّلت رؤيته المنهجية الصارمة، واتسعت مداركه الفكرية، ليصبح لاحقًا أحد أبرز المؤرخين العرب المتخصصين في التاريخ الإسلامي والإفريقي.
امتد عطاؤه الأكاديمي بين السودان ونيجيريا والمملكة العربية السعودية، فدرّس في جامعة أحمدو بلو وتدرّج فيها حتى نال درجة الأستاذية، ثم انتقل إلى جامعة الملك سعود، حيث أسهم في إعداد أجيال من الباحثين وطلاب الدراسات العليا، قبل أن يتولى عمادة كلية الدراسات الاستراتيجية في جامعة الأمير نايف للعلوم الأمنية. وكان من أوائل الأكاديميين الذين ربطوا بين الدراسات التاريخية والرؤية الاستراتيجية، فسبق كثيرًا من أبناء جيله إلى استشراف أهمية الدراسات الاستراتيجية والأمنية في فهم التحولات السياسية والاجتماعية المعاصرة.
ولم يكن حضوره العلمي محصورًا في قاعات الجامعات والمؤتمرات، بل كان سفيرًا حقيقيًا لبلده أينما حلّ. فقد مثّل السودان خير تمثيل في المحافل العلمية والفكرية في لبنان ونيجيريا والسعودية والمغرب والأردن وغيرها، وشارك في لجان ومؤسسات علمية عربية مرموقة، منها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومنتدى الفكر العربي، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية، كما كان عضوًا في لجان التحكيم والاختيار بـ جائزة الملك فيصل العالمية لعدة دورات.
ترك الراحل إرثًا علميًا ثريًا من المؤلفات والتحقيقات التي أصبحت مراجع أساسية للباحثين، ولا سيما دراساته الرائدة في تاريخ المغرب الإسلامي وغرب إفريقيا والتاريخ الاقتصادي عند المسلمين. وقد تُوّج هذا الجهد العلمي بحصوله على جائزة الملك فيصل العالمية، كما نال وسام السودان الذهبي للعلوم والآداب، تقديرًا لعطائه العلمي المتميز.
رحم الله البروفيسور عزالدين عمر موسى، الذي لم يكتفِ بما حققه من إنجازات علمية وفكرية، بل جعل من قيمة جائزة الملك فيصل التي نالها نواةً لتأسيس مركز العز بن عبدالسلام، ليغدو منارةً ثقافيةً وفكريةً أسهمت في إثراء الحوار والمعرفة. ورغم ما لحق بالمركز من دمار على أيدي العابثين خلال الحرب اللعينة، ظل وفيًّا لرسالته، فواصل أداء دوره عبر الندوات الافتراضية وإصدار دوريته الإلكترونية، مستندًا إلى جهود نخبة مؤمنة بأهمية المركز ورسالة الثقافة في مواجهة الخراب. وأخص بالذكر الصديقين صلاح الحويج وحسين الضرير، اللذين حملا هذه الرسالة بإخلاص، وأتقدم إليهما، وإلى جميع عارفي فضل البروفيسور ومحبيه، بخالص العزاء، سائلًا الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يلهمهم الصبر والسلوان.
إنَّ الذين عرفوا الراحل المقيم عن قرب يدركون أن قيمته لم تكن في علمه الغزير وحده، بل في حضوره الإنساني والثقافي الآسر. ففي المنتديات والصالونات الفكرية والثقافية بمدينة الرياض، كانت الأنظار تتجه إليه كلما همّ بالكلام. كان صاحب رأي مستقل، يقدّم قراءات مختلفة ومفاجئة أحيانًا، ويطرح أفكاره بجرأة العالم الواثق من علمه، دون أن يفقد احترامه للرأي الآخر أو تواضعه الجم.
وعلى الرغم من مكانته الأكاديمية الرفيعة، ظل قريبًا من الناس، حاضرًا في الشأن الاجتماعي والثقافي والرياضي. أحب الرياضة وعشق الهلال وريال مدريد، واحتضن الرابطة الرياضية للسودانيين بالخارج، ورعى أنشطة جمعية الصحفيين السودانيين، وظل متابعًا لأحوال السودانيين في المهجر، يسأل عن أنشطتهم وأخبارهم حتى وهو بعيد في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن أجمل ما يختزن الذاكرة عنه ذلك الوفاء الإنساني العميق الذي كان يسكن قلبه. فقد بكى وهو يشجع المهندس عبدالمنعم عمر على مواصلة قيادة الرابطة، عندما اتصلت عليه من بيت المهندس، رحمهما الله رحمة واسعة، ثم واصل البكاء وهو يستعيد بدموعه ذكريات الراحلين والأصدقاء، وعلى رأسهم صديقه الريس عبدالمنعم عبدالعال، رحمه الله، وكان حريصًا على المشاركة في تكريم أخي علي خليل رئيس فريق بشائر الشمال، ويسأل بإلحاح عن موعد التكريم. كان إنسانًا وفيًا، لا تنقطع صلته بالناس مهما باعدت بينه وبينهم المسافات.
لقد اختلف معه كثيرون في بعض الآراء والاجتهادات الفكرية، لكنهم أجمعوا على احترامه ومحبته. فقد كان نموذجًا للعالم الذي يجمع بين قوة الحجة وسعة الصدر، وبين الثبات على المبدأ والاحترام العميق للآخرين. وكانت هذه الخصال تزيد من محبة الناس له كلما اقتربوا منه. وشخصيًّا اختلفت معه، لكن كانت مساحة الحب والاحترام بيننا كانت تزداد في كل مرة، وكنت أسعد بمكالمته، مع حزني على بعده عنا وافتقاده من يحبونه في الرياض، وتوتي، وألمه الشديد لما آل إليه حال الوطن.
يرحل الأستاذ الدكتور عز الدين عمر موسى بعد أن أدى رسالته العلمية والفكرية على أكمل وجه، تاركًا وراءه تلاميذ ومؤلفات ومواقف وإنجازات ستظل شاهدة على مسيرة استثنائية امتدت لعقود. ولن توفيه الكلمات حقه، لكنه سيبقى في الذاكرة نبراسًا للعلم، وقدوةً للأجيال في طلب المعرفة، ونموذجًا للمثقف الذي حمل وطنه في قلبه ومثّله خير تمثيل في المحافل العربية والعالمية.
رحم الله أبا أيمن رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأمته وتلاميذه خير الجزاء.
صورة تذكارية مع أعضاء من جمعية الصحفيين ورابطة الصالحية