عملية الفكر السياسي بين سليمان وملكة سبأ ( نموذجان سياسان فى قصة واحدة) كابتن محمد حسن الطاهر يكتب. 

عملية الفكر السياسي بين سليمان وملكة سبأ ( نموذجان سياسان فى قصة واحدة)  كابتن محمد حسن الطاهر يكتب. 

Loading

عملية الفكر السياسي بين سليمان وملكة سبأ ( نموذجان سياسان فى قصة واحدة)

كابتن محمد حسن الطاهر يكتب.

 

 

 

لا يبدأ الفكر السياسي من القصر، بل يبدأ من سؤال الوجود اى من العدم الى الدولة لذا جاءت اول اية فى سورة الانسان حيث قال تعالى:

 

*﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان:1]*

هذه هي نقطة الصفر في كل فلسفة سياسية:

فالإنسان لم يكن شيئا، ثم صار شيئا، ثم صار مطالبا بأن يفكر.

والفكر في أصله لغةً:

– إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى المجهول.

– وهو ليس معلومة، بل عملية.

 

والعملية هذه تتأرجح بين قطبين:

*1. التفكير المثالي:*

– يبدأ من كيف يجب أن يكون العالم.

– يضع المدينة الفاضلة ثم يحاكم الواقع بها.

*2. التفكير الواقعي:*

– يبدأ من كيف هو العالم

– يدرس موازين القوى والموارد ثم يبني الممكن.

 

كل سياسة عظيمة هي زواج بينهما (political spectrum) :

– المثالية بلا واقعية وهم،

– والواقعية بلا مثالية انحطاط.

 

وهنا ندخل إلى الطيف السياسي الذى يجب أن تعرفه بانه ليس يمين ويسار فقط،

بل هو طيف بين قطبين وجوديين من جهة،

– حكم الفرد المطلق الذي يرى أنه يملك الحقيقة المثالية.

– حكم الجماعة المطلق الذي يغرق في واقع المصالح.

حتى توجد المعادلة التى تحكم الفكر السياسي على متواصل الوجود والوعى الذى يمثله نموذج سليمان وبلقيس حيث نرى الطيف كله يتحرك على متواصل المتغيرات التابعة والمستقلة فى حركة تبادلية بين الصيرورة والسيرورة ..

 

أولا: الوجود والوعي :

القرآن يضع معادلة الوجود الإنساني في سورتين قال تعالى :

– ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:67]

 

– ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:2]*

 

الإنسان خُلق من عدم، من نطفة مختلطة ضعيفة، لكنه زُوّد بأداتين خطيرتين السمع والبصر :

– اي القدرة على التلقي والتحليل.

ومن هنا يمكن أن نفهم المعادلة الاولى أدناه :

 

الموجود =

اللا موجود % (الإنسان * الواقع)

أي أن وجود الدولة أو القرار السياسي لا يأتي من فراغ بل هو باقي قسمة بين :

– ما هو غير موجود بعد (الفكرة، الحلم، المشروع)

– ما يفعله الإنسان في واقعه.

 

فالدولة هي

– تحويل اللا موجود إلى موجود بقدر ضرب الإنسان في الواقع ….

 

سليمان كان يملك اللا موجود:

– ملك لا ينبغي لأحد

– منطق الطير،

– تسخير الريح.

لكنه لم يبق في السماء، بل ضرب ذلك في الواقع:

– بنى المحاريب،

– نظم الجيش،

– أرسل الرسائل.

ومن هنا ياتى الوعى كعملية استباقية تخترق حجب الواقع المازوم لرؤية تنبثق من بين الغيوم تعرف الانسان بانه إدراك من خلال المعادلة الثانية أدناه

الإدراك = اللاوعي % (الوعي * الواقع)

فالإنسان ليس لحما ودما فقط بل هو إدراك.

وهذا الإدراك نفسه هو حاصل قسمة

– اللاوعي (الغرائز، الخوف، الطمع، الأساطير)

– على (الوعي * الواقع).

 

فإذا كان

– الوعي ضعيفا

– أو الواقع مزيفا،

طغى اللاوعي.

 

وهذا ما كان يحدث في نموذج سبأ: قوم يعبدون الشمس، لاوعي جمعي يسيطر هنا مما تطلب الأمر وجود النموذج المقابل لاحداث التوازن المفقود (نموذجان سياسيان في قصة واحدة)

 

القرآن يعرض لنا في سورة النمل مناظرة سياسية كاملة يتمثل فى نموذج بلقيس:

– عقلية الشورى –

– سياسة الواقع*

 

> ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾

 

هذه ملكة في نظام ملكي مطلق، لكنها تؤسس لمبدأ الشورى.

لم تقل “أنا قررت” بل قالت “أفتوني”.

 

وحين جاءها كتاب سليمان

– لم تأخذها عقلية الأخلاق العاطفية (الكرامة، الحرب لأجل الحرب)،

– بل أخذتها *عقلية الإنصاف* قالت:

– ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾

 

قراءة واقعية جدا لميزان القوى. عرفت أنها أمام قوة لا تقاوم، فاختارت *عقلية الحل* لا *عقلية العدل المجرد*.

العدل المجرد كان يقول:

– قاتلي دفاعا عن السيادة.

عقلية الحل قالت:

– ابعثي بهدية

– واختبري نواياه،

– واحقني دماء قومك.

 

هذا هو أقصى اليمين الواقعي في الطيف السياسي: براغماتية تحافظ على الدولة.

 

فى المقابل جاء نموذج سليمان بشرعية سماوية

– عقلية المبدأ

– سياسة المثال

 

سليمان على النقيض لم يكن ملكا عاديا بل هو نبي يملك شرعية سماوية.

ردّه على الهدية هو قمة التفكير المثالي:

 

> ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم﴾

 

هو لا يفاوض على المبدأ. فالتوحيد ليس سلعة في سوق السياسة. هنا تظهر

– *عقلية الأخلاق*

– و *عقلية العدل*.

العدل عنده ليس تسوية، بل وضع الشيء في موضعه الصحيح: أن لا يُعبد إلا الله.

 

لكنه في نفس الوقت لم يكن مثاليا حالما. كان واقعيا في أدواته:

– استخدم الاستخبارات (الهدهد)

– والحرب النفسية (﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ﴾)

– والقوة الناعمة (الصرح الممرد من قوارير).

 

الخلاصة: التقاء الطيفين فى الفكر السياسي الراشد بين سليمان وبلقيس انتهى إلى نقطة التقاء في الوسط الراشد من الـ Political Spectrum :

 

سليمان تنازل من علياء المثالية ليبني حلاً واقعيا:

– لم يدمر سبأ، بل استوعبها.

وبلقيس صعدت من واقعيتها البراغماتية إلى مثالية التوحيد:

– ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

 

*عقلية الإنصاف*

– تقول: افهمي خصمك.

*وعقلية الأخلاق*

تقول: لا تبيعي مبدأك.

*عقلية العدل* تقول: ضعي الحق في نصابه.

*وعقلية الحل* تقول: اجعلي الحق قابلا للعيش.

 

ولهذا كانت النتيجة ليست احتلالا، بل تحولا حضاريا. لم يأت سليمان ليأخذ عرشها، بل ليغير وعيها. والسياسة في أرقى صورها ليست صراعا على الموجود، بل تحويل للا موجود إلى موجود يليق بإنسان سميع بصير خُلق ليُبتلى فيختار.

The post عملية الفكر السياسي بين سليمان وملكة سبأ ( نموذجان سياسان فى قصة واحدة) كابتن محمد حسن الطاهر يكتب.  first appeared on مسار ميديا.