عندما تصبح الثقافة كروية… والترفيه تيك توكي… ومصدر الدخل لايكات

عندما تصبح الثقافة كروية… والترفيه تيك توكي… ومصدر الدخل لايكات

Loading

جلس الجد على كرسيه الخشبي العتيق، يطالع كتابًا اصفرّت صفحاته من كثرة ما لامستها الأيدي، بينما كان حفيده يجلس إلى جواره، يحمل هاتفًا صغيرًا لا يكاد يفارق كفه.
رفع الجد رأسه مبتسمًا، وقال:- أتدري يا بني كم استغرقت حتى حصلت على هذا الكتاب؟
أجاب الشاب دون أن يرفع عينيه عن الشاشة:- ثلاث ثوانٍ… أكتب اسمه في جوجل ويظهر!
ضحك الجد، وهز رأسه قائلًا:- بل ثلاث سنوات… كنت أبحث عنه بين المكتبات، وأراسِل دور النشر، وأنتظر المسافرين حتى يحملوه إليّ.
ابتسم الحفيد، ثم قال بثقة: “لكنني أستطيع مشاهدة ملخصه في دقيقة واحدة.”
أغلق الجد كتابه برفق، وتأمل حفيده طويلًا، ثم قال:- (يا بني… المشكلة لا تكمن في سرعة الوصول إلى المعرفة، بل في سرعة الهروب منها.)
ساد الصمت لحظات…
عاد الجد يفتح كتابه، بينما عاد الحفيد يقلب عشرات المقاطع القصيرة خلال أقل من دقيقة، وكلما انتهى مقطع ظهر آخر، ثم آخر، ثم آخر، حتى بدا كأن الزمن نفسه صار يلهث خلف إصبعه.
تلك الحكاية الصغيرة تختصر مشهدًا كبيرًا تعيشه أجيال هذا العصر.
عالم الأمس كان يقيس الثقافة بعدد الكتب التي قرأها الإنسان، وعدد العلماء الذين جالسهم، وعدد المدن التي ارتحل إليها طلبًا للعلم.
أما عالم اليوم، فقد أصبحت الثقافة عند كثيرين كروية الشكل، تتدحرج مع كل مقطع جديد، وتتغير مع كل موجة رائجة، وتنتقل من هاتف إلى آخر أسرع مما تنتقل الفكرة من عقل إلى عقل.
الكتاب الذي كان يحتاج أيامًا من التأمل، صار ينافسه مقطع لا يتجاوز ثلاثين ثانية.
والمقال الطويل أصبح خصمًا شرسًا أمام فيديو قصير تتراقص فيه الصور والمؤثرات والموسيقى.
وأصبح السؤال الشائع بين الشباب: (كم مشاهدة حقق؟) ولم يعد السؤال:- (ماذا أضاف؟)
ذلك التحول لم يكن مجرد تبدل في وسائل المعرفة، بل تبدل في طريقة التفكير نفسها.
العقول اعتادت القفز، ولم تعد تميل إلى التدرج.
والأعين أصبحت تبحث عن الحركة أكثر من المعنى.
والآذان صارت تنجذب إلى المؤثرات أكثر من الفكرة.
وأصبح الصبر سلعة نادرة.
جيل كامل يعيش وسط بحر هائل من المعلومات، لكنه كثيرًا ما يعاني عطشًا إلى المعرفة الحقيقية.
المفارقة العجيبة أن الهاتف الذي فتح أبواب العالم أمام الإنسان، أغلق عليه أبوابًا كثيرة داخل نفسه.
عدد الأصدقاء ازداد…
لكن عدد جلسات الحوار الحقيقي تقلص.
وسائل التواصل اتسعت…
لكن مساحة التواصل الإنساني ضاقت.
الرسائل كثرت…
والكلمات الصادقة أصبحت أقل.
أما الترفيه، فقد تحول إلى صناعة عملاقة، تعرف جيدًا كيف تخطف الانتباه، وكيف تجعل الإنسان يعود إليها مرة بعد أخرى.
كل إشعار جديد يحمل وعدًا بمتعة جديدة.
كل مقطع قصير يهمس للعقل:- (ابق قليلًا…) ثم تتحول الدقائق إلى ساعات، والساعات إلى أيام، دون أن يشعر صاحبها كيف انقضى العمر بين شاشة وشاشة.
أغرب ما صنعته المنصات الحديثة أنها أقنعت كثيرين بأن الشهرة أصبحت مهنة.
يكفي أن يضحك أمام الكاميرا…
أو يرقص…
أو يثير جدلًا…
أو يفتعل موقفًا غريبًا…
ثم تبدأ اللايكات بالتدفق.
وبدأت معها الأحلام أيضًا.
أحلام الثراء السريع.
وأحلام النجومية الخاطفة.
وأحلام الوصول دون تعب.
حتى صار بعض الصغار يحفظ أسماء المؤثرين أكثر مما يحفظ أسماء العلماء.
ويعرف مشاهير المنصات أكثر مما يعرف أعلام وطنه.
وأصبحت قيمة الإنسان عند البعض تقاس بعدد المتابعين، لا بعدد الأفكار التي يحملها.
وكأن زر الإعجاب تحول إلى عملة جديدة، لها سوقها، وتجارتها، وربما مكانتها الاجتماعية.
المشكلة لا تكمن في تيك توك، ولا في المنصات الرقمية، فكل وسيلة تحمل الخير والشر معًا،فالخلل يبدأ عندما يتحول الترفيه إلى أسلوب حياة، ويصبح الوقت كله مادة للاستهلاك، ويغدو العقل مجرد متلقٍ لا يملك فرصة للتأمل أو التساؤل.
التقنية نعمة عظيمة،والمنصات أدوات مدهشة، والعالم الرقمي فتح أبوابًا واسعة للعلم والعمل والإبداع.
لكن الأدوات الذكية لا تصنع إنسانًا ذكيًا تلقائيًا.
تمامًا كما أن امتلاك مكتبة ضخمة لا يجعل صاحبها عالمًا.
الثقافة لا تُقاس بسرعة الإنترنت.
ولا بعدد التطبيقات.
ولا بحجم الذاكرة الإلكترونية.
الثقافة موقف من الحياة.
وطريقة في التفكير.
وقدرة على التمييز بين الضجيج والصوت، وبين المعلومة والحكمة، وبين الشهرة والقيمة.
يبقى الرهان الحقيقي معلقًا على شباب اليوم.
ذلك الجيل يمتلك فرصًا لم تتح لأسلافه، ووسائل تعلم لم يحلم بها السابقون، وأدوات يستطيع بها أن يبني مستقبلًا باهرًا، أو يهدر عمره وهو يطارد مقطعًا بعد آخر.
الحياة لا تُختصر في شاشة.
النجاح لا يُقاس بعدد اللايكات.
والإنسان يظل أكبر من أن تختصره خوارزمية، أو تحكم قيمته منصة، أو تحدد مكانته موجة عابرة.
تبقى الكلمة العميقة أطول عمرًا من آلاف المقاطع.
ويبقى الكتاب الصادق أكثر وفاءً من ملايين المشاهدات، ويظل العقل الذي يعرف كيف يفكر أعظم ثروة يمكن أن يمتلكها الإنسان، مهما تبدلت الأزمنة، وتغيرت الشاشات، وتلونت الأزرار.
  [email protected]