![]()
1
أوقعتني مقالاتي الأخيرة عن حيطة الزبالة، أو تلك الحكومة التي يترأسها كامل، في ورطة لا علاقة لها بالقانون؛ فلم أتلقَّ بلاغًا بعد من مكتب رئيس الوزراء، بل هي ورطة من نوع آخر… إذ سألني ابني أيمن: ما هي حيطة الزبالة؟ ولماذا أشبّه الحكومة بها؟ يا لورطتنا مع هذا الجيل!
ثم تدفقت أسئلة أخرى… حين اتصل بي صديقي خالد ود الريس مستنكرًا: «أنت حِلّتكم كلها ما حيطان زبالة؟ ما لها حيطان الزبالة؟».
الحقيقة أنني شعرت ببعض الخجل، وخاصة بعد أن لامني الأستاذ عطاف محمد مختار، رئيس تحرير «السوداني»، لأنني أسأتُ إلى سمعة حيطة الزبالة التي يُصنع منها مأوى يفيض بالدفء والأمان، ويقف شامخًا يمنح الظل والسكينة لجماهير القرى والأرياف. فسألني: أكانت الحيطة التي أنتقدها الآن تفعل أو تقدّم أيًّا من تلك الخدمات العظيمة؟ بالطبع لا؛ فقد صدق.
أما الغضبة الكبرى، فلقد جاءتني من صديقي أبوجيبين، إذ يقول: «أنا شخصيًا لو خيّروني بين عطور باريس وريحة زبالة الملازمين، ساختار روائح الملازمين». سأنشر إفادته الظريفة في الصفحة الأخيرة!!
2
«حيطة الزبالة» ليست مجرد جدار من طين، بل هي حكاية سودانية أصيلة غزلتها الأيدي السمراء من خيرات الأرض والبيئة المحلية. تتكوّن هذه الخلطة السحرية، التي تناقلت الأجيال سرّها، من عناصر طبيعية بسيطة تتكامل فيما بينها بحكمة فطرية:
الطين الأساسي: هو المادة الجوهرية والقلب النابض للجدار؛ يتخيّره البنّاء بعناية ليكون متماسكًا وقليل الحصى، ليشكّل المادة الرابطة التي تجمع المكوّنات.
القش أو التبن: يُقطّع إلى أطوال مناسبة، ويُنسج في أحشاء الطين ليعمل كشبكة ألياف متينة تقوّي الخلطة وتمنع تشقّقها حين يجفّ عليها حرّ الشمس.
روث البهائم (لا سيما الأبقار): سرّ التماسك والصلابة التقليدي؛ يُخلط بالمواد ليزيد من مرونة العجينة، ويمنحها خصائص تماسكية تجعل الجدار مقاومًا لعوامل الطبيعة.
الماء: شريان الحياة الذي يبعث الروح في المكوّنات الجافة، ليمتزج بالطين ويصل إلى القوام المطلوب للبناء.
3
أما عن طريقة التحضير التقليدية، فهي طقس مجتمعي بديع ينضح بالتعاون؛ يبدأ بتنقية الطين وتفتيته، ثم إغراقه بالماء ليتشرّب وينقع لساعات أو ليوم كامل حتى يلين. عقب ذلك، تُضاف ألياف القش وروث البهائم تدريجيًا، وتبدأ مرحلة الخلط والدعك بالأقدام والأيدي، حتى تتوزع المكوّنات بالتساوي وتتخمّر الخلطة لتصل إلى التماسك المثالي. وأخيرًا، تُشكّل الخلطة وتُرصّ طبقة فوق طبقة بيد البنّاء الحاذق، لتُترك تجفّ تدريجيًا تحت عين الشمس، مخلفّةً جدارًا باردًا في هجير الصيف ودافئًا في زمهرير الشتاء.
كان البنّاؤون المهرة في ذلك الزمان يستمتعون بالعمل إبان بناء الحيطان والغرف، وكان نفير أبناء الحِلّة الذين يتدفقون لمساعدة البنّائين يضفي لحظات بناء بديعة، كأنهم يبنون ناطحات سحاب. وثلاثة من الأدوات أتذكر أنهم كانوا يستخدمونها هي: المسطرينة، والكوريق، والطورية.
4
ولعلّ أكثر ما أعادني إلى حيطة الزبالة، وأشعرني بشيء من الذنب تجاهها، تلك الأبيات الشعرية التي تختزن وجع البيوت الطينية وحنين أهلها. في ديوان صديقي الشاعر هاشم صديق، رحمة الله عليه، «جواب مسجّل للبلد»، يقول:
«بيتنا طين واقع مشرّم
ولمّا حال الطين يحنّن
نشقى شان يلقى الزبالة».
ثم قادتني تلك الدروب إلى حميد، في أزقّة بيوت الطين البسيطة. يقول حميد:
«أنا ماشي راجع للبلد
تفتح لي أدق أو ما أدق
من غير تقول الزول منو
ولا حتى الداعي خير، لا مالك، الجابك شنو
لي بيوت بجيلهن في أي يوم إن جيتا
ليل أو جيت دغش، طوالي أدفر الباب وأخش».
انظر إلى هذه الحميمية السودانية الجميلة، حين كانت بيوت الطين مفتوحة للأهل والأصدقاء؛ يدخلها الزائر من غير تكلّف، ولا يحتاج إلى تعريف نفسه أو تبرير مجيئه.
ثم يأتي العتاب الرقيق من الدوش، الذي يشبه عتاب العاشق لمحبوبته:
«ويا حيطة الزبالة إنتِ
تعايني لي شنو؟
لي ضِلّك استخدم».
كانت أجمل جلساتي تلك التي أستمع فيها إلى الشعر في ظلال حيطة جالوص بيت هاشم صديق في بانت. كان، في ظلّها، ينتج كثيرًا من الخيالات المبدعة. كان بيت هاشم يفتح على سوق بانت مباشرة، وهو سوق ضاجّ بالحياة؛ ذلك البيت الذي ظلّ مستعصمًا به، ولم يخرج منه إلا بعد أن عاث الجنجويد فيه فسادًا في كل ناحية، فخرج أخيرًا محمولًا على كارو.
رحمة الله عليه؛ كان يحلم بأن يُدفن في مقابر البكري مع صلاح أحمد إبراهيم، والطيب صالح، وعلي المك… يا ويلي، يا ويلي! ولكنه دُفن في ذات العاصمة التي يبعث لنا منها حكّامها الموت على أيدي الجنجويد!!… دعك من ذلك، وخليك في الحيطة.
يا لروعة حيطة الزبالة تلك! كانت تستقبل نظرات العابرين ولا تردّها، وتمنح ظلّها لمن يحتاج إليه، دون أن تسأل عن اسمه أو مقامه أو انتمائه السياسي! وكم من عابر استراح في ظلّها، وكم من طفل تشعّلَق في جدارها، وكم من حكاية وُلدت عند أقدامها، ثم حملتها الرياح إلى ذاكرة القرية.
لم تكن حيطة الزبالة عيبًا في عمران الريف السوداني، بل كانت جزءًا من حكايته، ومن بساطته التي لم تكن فقرًا في الروح، ومن حكمة أهله الذين عرفوا كيف يصنعون من المتاح مأوى، ومن الطين جدارًا، ومن التعاون بناءً يشترك فيه الجميع.
سيد كامل يعرف حيطان الزبالة جيدًا؛ فلقد عاش صباه الباكر في حي العرب، وطن الفن الأمدرماني. كان طفلًا مهذبًا، لا يلعب الدافوري، ولا يخوض مع الخائضين في مجالس الفن، وهو سليل أُسرٍ محترمة وعريقة بأمدرمان لها في خدمة الشعب عِرق… (ما عدا فاروق فريد… هههههههه). معذور الراجل… أنا وعمّي على الباز الغريب.
5
أما حكومتنا، فهنا موضع المفارقة التي أوقعتني في هذه الورطة. لم أقصد أن أظلم حيطة الزبالة، ولا أن أنتقص من تاريخها أو من الوظائف النبيلة التي أدّتها في حياة الناس؛ إنما أردت أن أستعير هشاشتها (حيطة الزبالة المائلة) للدلالة على حالٍ لا يستقيم، وواقعٍ لا يبعث على الاطمئنان.
ومن خصائصها أنها إذا مالت، كان خيرًا لها أن تُهدم؛ ولا ينفع معها، يا سيادة الرئيس البرهان، الحفر أو الإصلاح بالإبرة، بل تُهدم مباشرة. ويمكنك أن تسأل صديقك الطيب الفكي، فهو خبير في هذا النوع من البناء.
على أية حال، أعترف أنني، في غمرة السجال السياسي، نسيت أن لحيطة الزبالة فضائل لا تتوافر بالضرورة في كل حكومة؛ فهي، على الأقل، تعرف حدودها، وتؤدي وظيفة مفهومة، ولا تعد الناس بما لا تستطيع أن تمنحهم إياه.
وهكذا وجدتني في مواجهة ابني أيمن، وصديقي خالد ود الريس، وعتاب الأستاذ عطاف، رئيس تحرير «السوداني»، مدافعًا عن حيطة كنت قد استدعيتها إلى المقال شاهدًا ضد الحكومة، فإذا بها تتحول إلى خصم يطالبني بردّ الاعتبار!
ولذلك، أعتذر إلى حيطة الزبالة، ولا أعتذر عن نقد الحكومة. فالحيطة أدّت ما عليها بما تيسّر لها من طين وقش وروث بهائم وسواعد رجال، أما الحكومة فلديها من المؤسسات والموارد والسلطات ما يجعل المقارنة نفسها ظلمًا للحيطة.
وإذا كان لا بد من تشبيه، فالأولى أن نسأل: أيّهما أولى بالنقد: جدار بسيط لم يدّعِ يومًا أنه ناطحة سحاب، أم حكومة يُنتظر منها أن تبني وطنًا، بينما لا يزال الناس يبحثون عن جدار يستظلّون به، وكهرباء يضيئون بها عتمة الليالي، وماء يشربونه؟
6
يا أيمن، ويا خالد ود الريس، ويا أستاذ عطاف، ويا أبا جيبين، وكل الذين احتجّوا، لقد تعلّمت من هذه الورطة درسًا مهمًّا: ليس كل ما يصلح صورةً في مقال سياسي يصلح أن يكون حكمًا على ذاكرة الناس وموروثهم.
فحيطة الزبالة بريئة من الحكومة، والحكومة مسؤولة عن نفسها. وبين الطين الذي جمع أهل القرية على البناء، والحكومات التي تخوض في طين عجزها…