في الصميم

في الصميم

Loading

 

في الصميم

  بقلم أ/  مختار مأمون

القرارات الاقتصادية وحدها لا تكفي.. والرهان على الزراعة لإنقاذ السودان

إن القرارات التي اتخذها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، هي من صميم اختصاصاته كرئيس، وقد جاءت حاملةً دلالات واضحة تؤكد اهتمام البرهان وإحساسه بما يعانيه المواطن من شظف العيش وضيق ذات اليد في مواجهة غلاء الأسعار والارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية والمواد البترولية، التي تُعد في الأصل أحد الأسباب المباشرة لارتفاع الأسعار، بسبب زيادة تكلفة نقل البضائع، يُضاف إليها جشع التجار وضعف الرقابة الإدارية على الأسواق.

إن قرارات السيد الرئيس الخاصة بالإعفاء الجمركي عن بعض السلع وفك حظر استيراد بعضها جاءت في الصميم، ووضعت النقاط على الحروف. وهذه القرارات الصائبة يجب أن تجد طريقها إلى التنفيذ عبر الجهاز التنفيذي، في قمة الهرم الإداري والتنفيذي للدولة، ممثلاً في مجلس الوزراء وولاة الولايات والمحليات والوحدات الإدارية، دون الاكتفاء بنشرها في وسائل الإعلام.

ومن الضروري أن تضطلع كل الجهات بمسؤولياتها كاملة، حيث حدد القانون المسؤوليات والصلاحيات والجزاءات والعقوبات، بما يضمن تحفيز من يؤدي واجبه على الوجه الأكمل، ومحاسبة المقصر الذي يتقاعس عن أداء واجباته.

إن السودان بلد مفتوح، وله حدود ممتدة مع عدة دول، من بينها بعض دول الجوار الأفريقي التي، بكل أسف، وفرت الدعم بمختلف أشكاله لقوات الدعم السريع، التي فعلت بالشعب السوداني الأفاعيل. ولكننا نقول لهذه الدول إن الحرب، إن شاء الله، تقترب من نهاياتها، وإن النصر حليف الشعب السوداني الصامد الصابر، الذي ذاق مرارات الحرب، ولكن لم تلن له قناة، وقد علّم شعوب العالم كيف يكون الصمود والدفاع عن حمى الوطن.

إن القوات المسلحة والقوات المقاتلة معها بذلت المهج والأرواح في سبيل الوطن وحماية أراضيه وصون أعراضه من الانتهاك، وقد لاحت بوادر النصر في الأفق، وسوف ترتفع أقواس النصر في كل شبر من أرض الوطن العزيز، لينصرف الشعب بعد ذلك إلى تعمير ما دمرته الحرب.

إن القرارات الاقتصادية التي اتخذها رئيس مجلس السيادة تقع مسؤولية تنفيذها على الجهاز التنفيذي بالولايات والمحليات والوحدات الإدارية، كما تقع على عاتق المواطنين مسؤولية الإسهام في إحكام الرقابة على الأسواق، وتفعيل قوانين الصادر والوارد والاحتكار والتخزين، ومحاربة ضعاف النفوس والمضاربين والمتاجرين بقوت المواطنين، والتضييق على المهربين الذين لا همّ لهم سوى الربح، ولم يراعوا في الوطن والمواطن إلًّا ولا ذمة.

واهمٌ من ظن أن غلاء المعيشة سوف يحرك الشارع ضد الدولة، فإنهم يراهنون على حصان خاسر، فالشعب السوداني مدرك تمام الإدراك للظروف المحيطة بالوطن.

إن الحرب هي الجهاد الأصغر، ومحاربة النفس الشحيحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، هي الجهاد الأكبر، وإن النفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي.

إن السودان خاض حروبًا كثيرة خرج منها منتصرًا، والشعب حليفه النصر في هذه الحرب، التي لم تكن وليدة يوم 15 أبريل 2023، وإنما خُطِّط لها من قبل، ومن قِبل الدوائر الاستعمارية والصهيونية العالمية التي تسعى إلى رسم خريطة جديدة للمنطقة لإقامة ما يُعرف بدولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

إن الأطماع في السودان ترجع إلى موقعه الجغرافي في قلب القارة الأفريقية البكر، وما يتمتع به من ثروات في باطن الأرض وظاهرها. وقد وجدت هذه الدوائر ضالتها في دويلة الشر وبعض أبناء الوطن الضالين والمضللين، الذين يطمعون في العودة إلى حكم السودان، في وقت لفظهم فيه الشعب السوداني، ولم يعد لهم موضع قدم في هذه الأرض الطيبة، بعد أن وقعوا فريسة في أحضان أعداء الوطن.

إن على الدولة اتخاذ السياسات الاقتصادية التي تمكّن البلاد من استغلال مقوماتها الاقتصادية، وفي مقدمتها الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والصمغ العربي، إلى جانب الصناعات التحويلية، بدلًا من تصدير المواد الخام. كما ينبغي فتح أبواب الاستثمار بشروط وإجراءات ميسرة للمستثمرين من الداخل والخارج، وتشجيع رأس المال الوطني على الدخول في مجال الاستثمار دون احتكار، وتفعيل قانون الشركات حتى لا تقتصر أنشطتها على مجرد امتلاك الأعمال دون الإسهام الفعلي في الإنتاج والتنمية.

ومن الضروري بمكان أن يكون للدولة مخزون استراتيجي من الحبوب، تحسبًا لـ«سنين يوسف»، مع إغلاق المنافذ والطرق أمام المتاجرين والمحتكرين لقوت الشعب.

إن السودان بلد زراعي في المقام الأول، وعلى الدولة أن تعمل على توفير كل مقومات الزراعة في ظل التطور التكنولوجي والعلمي في هذا المجال، ولتكن البداية بزراعة محصول القمح في هذا الموسم.

إن السودان، إذا ما استغل الإمكانات المتوفرة من أراضٍ خصبة ومياه، يمكنه أن يزرع طوال العام. ولا بد من الاستفادة من تعلية خزان الروصيرص، بإقامة ترعتي كنانة والرهد، لزراعة الأراضي الشاسعة والخصبة على ضفتي النيل الأزرق شرقًا وغربًا، تحقيقًا لحلم الراحل المقيم الشريف حسين الهندي، الذي كان من أعظم وزراء المالية في العالم في ذلك الوقت.

وقد قال الشريف حسين الهندي في خطاب السودان خلال حفل افتتاح خزان الروصيرص: «سيظل خزان الروصيرص مجرد حائط لتخزين المياه ما لم تقم ترعتا كنانة والرهد».

إنها رؤية صائبة تنظر إلى المستقبل البعيد، ونأمل أن تسعى الدولة جاهدة لتحقيق هذا الحلم من أجل إسعاد أهل السودان، لا سيما بعد أن تمت تعلية خزان الروصيرص.

كما أصبح من أوجب واجبات الدولة، بعد قيام سد النهضة، أن تعمل على استثمار كل متر مكعب من المياه والاستفادة منه في مجال الزراعة، دون إهدار للمياه، كما هو مشاهد في مشروع الجزيرة، الذي من الضروري العمل على إصلاحه؛ إذ إنه مؤهل لإقالة عثرات السودان، وسد النقص في الغذاء، وتوفير العملات الصعبة، كما كان في عهد ازدهاره، حين كان الجنيه السوداني يساوي أكثر من ثلاثة دولارات. وكم يساوي الدولار اليوم؟

إن السودان غني بإمكاناته ورجاله المخلصين، وقواته المسلحة والقوات المقاتلة معها، والقوات النظامية الأخرى بمختلف فصائلها، جديرون بالدفاع عنه. وسوف ينهض السودان من كبوته التي سعى إلى إيقاعه فيها أعداؤه في الخارج وبعض أبنائه من الداخل.

وسوف يشهد المستقبل القريب خروج المارد من قمقمه، ليصبح رقمًا صعبًا في المنظومة العالمية، ويؤدي دوره الطليعي في المنظمات العالمية والإقليمية كما كان من قبل، وسوف يستعيد مكانته بوصفه سلة غذاء العالم.


ملاحظة تحريرية: جرى تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وضبط علامات الترقيم، وتحسين بعض التراكيب اللغوية مع الحفاظ على مضمون المقال وأسلوب الكاتب. لم أتحقق من صحة الوقائع والآراء السياسية والاقتصادية الواردة فيه.