![]()
14 جمعية و264 عضوًا..
اذا تخبرنا سجلات الانتداب عن تمويل الفلاحين الفلسطينيين، وما الذي تغفله عن حياتهم وديونهم؟
في القرى الفلسطينية خلال ثلاثينيات القرن الماضي، أثقلت الديون الزراعية قدرة الفلاحين على تمويل مواسمهم والاستمرار في زراعة أراضيهم. وفي محاولة لمعالجة أزمة الائتمان، شجعت حكومة الانتداب البريطاني تأسيس جمعيات تعاونية للائتمان والادخار، تتيح للأعضاء الحصول على قروض عبر مؤسسات جماعية، بدل الاقتصار على مصادر التمويل التقليدية.
ويكشف تقرير حكومة الانتداب لعام 1933، المرفوع إلى عصبة الأمم عن خطوات عملية لتوسيع هذه التجربة في القرى العربية الفلسطينية. لكنه يطرح أيضًا أسئلة بشأن شروط الوصول إلى التمويل، والفئات المستفيدة منه، وحدود استقلال الجمعيات عن الإدارة التي تشرف عليها.
14 جمعية و264 عضوًا في عام واحد
بحسب التقرير، استعانت الحكومة بالخبير البريطاني سي. إف. ستريكلاند في مطلع 1933 لتقديم المشورة بشأن تأسيس جمعيات تعاونية عربية وتطوير الحركة التعاونية اليهودية القائمة. وكان قد درس الحركة التعاونية في فلسطين في زيارة سابقة عام 1931.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 1933، صدر قانون جديد للجمعيات التعاونية استند إلى حد كبير إلى توصياته. وكانت تشريعات خاصة قد صدرت قبل ذلك لتسهيل تسجيل جمعيات الائتمان والادخار العربية في القرى قبل بدء موسم البذار.
وشملت حملة التعريف بالتعاونيات 130 اجتماعًا في القرى والمراكز الحضرية. واقتصرت جولاتها الريفية على 74 قرية اختيرت بعناية، بحسب وصف التقرير، مع حضور ممثلين عن قرى مجاورة ومرافقة مسؤولي المناطق لمسجل التعاونيات في جولاته.
وأسفرت هذه الجهود، خلال فترة العمل المتاحة في 1933، عن تأسيس 14 جمعية للائتمان والادخار في ثلاث مناطق إدارية، بلغ عدد أعضائها عند البداية 264 شخصًا. واكتتب الأعضاء برأس مال قدره 1330 جنيهًا فلسطينيًا، دُفع منه 266 جنيهًا عند التأسيس.
وحصلت الجمعيات على قروض قصيرة الأجل من بنك “باركليز” بقيمة 3369 جنيهًا فلسطينيًا، بفائدة بلغت 7%. وكان هذا التمويل أكبر بكثير من رأس المال المدفوع، بما يوضح الدور الذي أداه الاقتراض المصرفي في توفير الأموال للجمعيات الناشئة.
من استفاد من القروض ومن بقي خارجها؟
لا يقدم القسم المخصص للتعاونيات في تقرير 1933 أسماء المقترضين أو توزيع القروض بينهم، ولا يفصل شروط العضوية بما يسمح بمعرفة فرص صغار الفلاحين والمستأجرين مقارنة بملاك الأراضي. ولذلك لا يمكن اعتبار تسجيل الجمعيات دليلًا كافيًا على وصول التمويل إلى أشد المزارعين حاجة.
ويشير التقرير إلى ترتيبات لاستخدام 20 ألف جنيه فلسطيني من أموال البنك الزراعي العثماني قيد التصفية، والمحفوظة على سبيل الوديعة، في تقديم سلف للجمعيات عبر مسجل التعاونيات. وحدد حدًا أدنى للفائدة يبلغ 5% سنويًا، على أن تعيد الجمعيات إقراض أعضائها.
واشترطت الإدارة ألا تقدم هذه السلف إلى جمعية يرى المسجل أنها تستطيع الحصول على تمويل من مصرف تجاري. وحددت مدة القرض بثلاث سنوات كحد أقصى، وقيمته بما لا يتجاوز عادة 500 جنيه فلسطيني. ويتعلق هذا السقف بالقرض المقدم إلى الجمعية، ولا يحدد التقرير هنا سقف قرض كل عضو أو الفائدة التي سيتحملها.
وربط التقرير استخدام الأموال بالغرض الأصلي للبنك الزراعي العثماني، وهو إقراض المزارعين مقابل رهن أو ضمان بضائع. لكن هذه الإشارة لا تكفي للجزم بأن كل قرض تمنحه الجمعيات لأعضائها كان مشروطًا برهن الأرض، أو لتحديد الفئات التي استُبعدت فعليًا من التمويل.
رقابة الانتداب وحدود العمل التعاوني
لم تقتصر العلاقة بين الإدارة والجمعيات على توفير التمويل. إذ يذكر التقرير أن مفتشًا عربيًا كان يحضر اجتماعاتها الأولى، ويشرف على منح القروض للأعضاء، ويوجه اللجان في طرق المحاسبة واستخدام السجلات والنماذج التي أعدها مسجل التعاونيات.
وبذلك ارتبط توفير الائتمان بإشراف إداري مباشر على أنشطة الجمعيات الناشئة. وقد جمع هذا الإشراف بين التدريب على إدارة الحسابات والرقابة على منح القروض، ما يجعل استقلال القرار المالي سؤالًا أساسيًا في قراءة التجربة، من دون أن يثبت وحده أن الأعضاء فقدوا كل قدرة على تحديد أولوياتهم.
وبحلول نهاية 1933، بلغ مجموع الجمعيات العربية المسجلة 26 جمعية، بينها الجمعيات القروية الأربع عشرة للائتمان والادخار. وفي عام 1937، وصل عدد الجمعيات العربية المسجلة إلى 127، مقابل 871 جمعية يهودية، وفق بيانات مسجل التعاونيات التي تعرضها دراسة فائق مرعي عن الحركة التعاونية الفلسطينية. وتشمل المقارنة جمعيات من أنواع مختلفة، وليست حصرًا للتعاونيات الزراعية أو جمعيات الائتمان.
وتوضح هذه الأعداد اتساع التسجيل والتفاوت الكبير في حجم الحركتين التعاونيتين، لكنها لا تكشف وحدها قيمة القروض التي وصلت إلى الفلاحين العرب أو مقدار ما خففته من مديونيتهم. فزيادة عدد الجمعيات لا تعني تلقائيًا تحسن شروط اقتراض أعضائها.
أما توزيع المخاطر، ومصير المتعثرين في السداد، وتجربة الفلاحين أنفسهم، فتحتاج إلى قراءة سجلات الجمعيات ومحاضر القروض ومراسلاتها، إلى جانب التقارير الحكومية. فالمصدر الإداري يشرح كيف نُظم الائتمان، لكنه لا يقدم وحده صورة مكتملة عن أثره في حياة المقترضين.
وتكشف التجربة، في حدود ما يتيحه تقرير 1933، عن فتح قناة جماعية لتمويل الزراعة، ظلت مرتبطة بالأموال المصرفية وبإشراف الانتداب. أما الحكم على قدرتها على حماية الفلاحين من الديون، فيتطلب ما يتجاوز أرقام التأسيس والتسجيل إلى معرفة ما جرى للقروض بعد وصولها إلى القرى.
