قراءة في تقرير “واشنطن بوست”.. تقنيات الفبركة الاستخباراتية وحرب المستندات الرقمية

قراءة في تقرير “واشنطن بوست”.. تقنيات الفبركة الاستخباراتية وحرب المستندات الرقمية

Loading

قراءة في تقرير “واشنطن بوست“.. تقنيات الفبركة الاستخباراتية وحرب المستندات الرقمية

الشاذلي المادح

​تُدار حروب الجيل الحديث في “فضاء المعلومات” و”حرب المستندات” بالتوازي مع المعارك الميدانية حيث أصبحت التسريبات الإعلامية والتقارير الاستقصائية (مثل التقارير الصحفية الأخيرة التي تتهم القوات المسلحة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية) إحدى أبرز أدوات الضغط السياسي والتعبئة الدولية.

بالنظر إلى التطور التقني الهائل وخلفيات التاريخ السياسي المليء بالشواهد فإن إمكانية تركيب ملف معلوماتي متكامل (وثائق وتسجيلات صوتية ومقاطع فيديو وبيانات هاتفية) تُعد أمراً ممكناً تقنياً واستخباراتياً بدرجة عالية لا سيما بالنسبة للدول الكبرى التي تمتلك أجهزة متقدمة مصحوبة بمصالح جيو- سياسية في المنطقة.

فيما يلي تفكيك علمي وتقني لكيفية بناء هذه الملفات والمعطيات المعقدة مع استعراض مسار الفبركة الميدانية الواقعية.

​أولاً: الشواهد الميدانية وسوابق الفبركة (واقعة جبل مرة 2016م):

خلافاً للادعاءات والافتراءات الإعلامية المتكررة أو التقرير الاستقصائي لصحيفة واشنطن بوست (سبتمبر 2026م) الذي يعتمد على أدلة مسربة منسوبة لضباط ومواقع عسكرية دون قياس كيميائي ميداني يبرز ملف عام 2016م كشاهد حي وموثق على الآلية العملية المستخدمة لفبركة اتهامات الأسلحة الكيميائية في السودان:

التخطيط والتسلل الميداني: شُكّلت شبكة تنسيق ميدانية ضمت صحفياً بريطانياً متسللاً عبر الحدود التشادية (فيل كوكس) بالتنسيق مع أكاديمي سوداني رفيع بناءً على تقرير لمنظمة العفو الدولية زعم تنفيذ 30 هجوماً كيميائياً في جبل مرة بدارفور دون إجراء أي فحص مخبري أو أخذ عينات من الميدان.

الضبط والتحريات: عقب إلقاء القبض على الصحفي المتسلل كشفت التحقيقات والتسجيلات عن إدارة الأكاديمي لعملية طلاء أجساد أشخاص بصبغات ومواد حارقة لإحداث آثار تشبه حروق الغازات السامة وتصويرهم لتزويد القنوات والمنظمات الغربية بمشاهد مفبركة.

المسار القضائي والسياسي: وجهت النيابة اتهامات تصل عقوبتها للإعدام (التجسس وفبركة تقارير أسلحة دمار شامل) قبل أن يُغلق الملف سياسياً عبر عفو رئاسي وتسليم الصحفي لسفارة بلاده وإطلاق سراح الأكاديمي دون صدور حكم قضائي نهائي.

ثانياً: التقنيات الاستخباراتية في هندسة وتزييف عناصر التحقيق:

تستند وكالات الاستخبارات التقنية الكبرى (مثل NSA الأمريكية وGCHQ البريطانية) والأجهزة الميدانية (CIA وMI6) إلى قدرات متقدمة لبناء ملفات معقدة متكاملة العناصر:

​1. بناء وتوظيف الشخصيات (Character Building):

استغلال المصادر المفتوحة (OSINT): جمع المتاح علناً عن الضباط (أسمائهم، رتبهم، صورهم، الأماكن التي عملوا بها مثل قاعدة مروي أو الشركات العسكرية) عبر الذكاء الاصطناعي الذي يصطاد كشوفات الترقيات والإحالات التي نتسابق في نشرها ببراءة الأطفال.

رسم الشبكات الاجتماعية: رسم شجرة العلاقات والنبرة الإدارية بين الرتب العسكرية لتصنيع حوارات مطابقة لـ”اللسانيات الجنائية” والواقع المحلي.

​2. التزييف الصوتي والصوري المتقدم (Deepfakes & Voice Cloning):

استنساخ الصوت: إعادة تخليق بصمة صوت القادة والضباط بنسبة تطابق عالية تصل إلى 98% باستخدام خوارزميات توليدية مغلقة تعيد محاكاة النبرة واللكنة والانفعالات بناءً على تسجيلات علنية سابقة.

​الفيديوهات المركبة: دمج مقاطع تفجيرات تقليدية مع مؤثرات بصرية وتعديلات ألوان للغازات أو استخدام الممثلين والطلاءات الجسدية كما ثبت في واقعة 2016م.

​3. اصطناع “الأثر الرقمي” (Digital Footprint & Metadata):

​تلفيق المراسلات وسجلات الهواتف: إنشاء سجلات هاتفية (Call Detail Records) وتعديل البيانات الوصفية (Metadata) لتحديد مواقع جغرافية وزمنية وهمية.

​الوثائق والمستندات الرسمية: توليد نصوص عسكرية متطابقة مع الخطاب الإداري للجيش باستخدام نماذج الأوراق والأختام الرسمية.

ثالثاً: القدرات المتقدمة للذكاء الاصطناعي والاختراق المركب

النماذج المغلقة (Non-public AI Systems): تمتلك أجهزة الاستخبارات بيئات ذكاء اصطناعي تتجاوز الأدوات المتاحة للجمهور مخصصة لعمليات الخداع النفسي والإعلامي (Information Operations & PsyOps).

عمليات الاختراق المركّبة: دمج معلومات حقيقية (كأسماء الضباط ومواقعهم) مع معلومات مُفبركة (مثل طبيعة المواد أو الأوامر) لتقديم ملف يبدو كاملاً وموثوقاً.

رابعاً: المعيار بين الترويج الإعلامي والحسم القانوني:

تتكرر هذه الأساليب الاستخباراتية بالاستناد إلى سوابق تاريخية أثبتت زيف التقارير الاستخباراتية مثل تدمير مصنع الشفاء بالخرطوم عام 1998م وادعاءات أسلحة الدمار الشامل في العراق عام 2003م.

الأدلة الاستخباراتية والصحفية: تُستخدم لتشكيل الرأي العام وتوفير مبررات سياسية لإصدار العقوبات أو الضغط الدبلوماسي لكنها تظل قابلة للتشكيك والنقد التقني.

الحقيقة العلمية والحسم القانوني: المعيار الوحيد المستقل عن التزييف الرقمي أو الفبركة الميدانية هو “التحقق الميداني المباشر” من قِبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) عبر أخذ عينات تربة ومواد ناتجة عن التحلل الكيميائي (Precursors & Degradation Products) وتحليلها في شبكة مختبرات دولية محايدة ذات معايير صارمة.

الخلاصة

تستطيع الدول المتقدمة استخباراتياً وتكنولوجياً إنتاج ملف متكامل يبدو مقنعاً للوهلة الأولى. ولهذا السبب تحديداً يُفرق القانون الدولي والمنظمات المختصة دائماً بين “المعلومات والتقارير الاستخباراتية/ الصحفية” التي تُستخدم كأداة ضغط سياسي وبين “الدلائل المادية الكيميائية” المأخوذة ميدانياً والتي تعد الوثيقة الوحيدة القادرة على الفصل القاطع في مثل هذه الاتهامات.