![]()
منذ اندلاع الحرب على غزة عام 2023، تصدّرت أسماء أحياء ومناطق في القطاع عناوين الأخبار، وباتت تسمياتها تتردد وسط المأساة التي يشهدها الفلسطينيون.
من الرمال والشجاعية والزيتون وتل الهوى والنصر، إلى مخيم الشاطئ وحي تل السلطان، ارتبطت هذه الأماكن بمشاهد القصف والتهجير وفقدان المنازل.
غير أنّ الحي الأخير، تل السلطان، يرتبط بقصة تتجاوز حدوده الجغرافية وتتصل بـ”مخيم كندا”، إذ أُعيد فيه توطين عدد من العائلات التي عاشت في المخيم، وذلك بعد سنوات طويلة قضاها فلسطينيون في سيناء بعيدًا عن غزة.
لم يكن مخيم كندا داخل قطاع غزة؛ فقد أُقيم في سيناء على أرض مصرية كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي. هناك، سكنت عائلات فلسطينية هُجّرت من رفح بعد هدم منازلها، وبدأت رحلة أخرى من الانتظار والانفصال عن الأهل.
المفارقة أن حي تل السلطان، الذي استقبل عددًا من تلك العائلات، تعرّض بدوره لدمار واسع خلال الحرب على غزة. ووثّق تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية، نُشر في يوليو/ تموز 2025، تسوية كتل سكنية كاملة فيه بالأرض، مع بقاء عدد قليل من المباني. وبذلك، اجتمع في تاريخ الحي أثر التهجير القديم ودمار المنازل التي بُنيت بعد العودة.
كذلك، شهد الحي الاشتباك الذي استُشهد فيه رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” آنذاك، يحيى السنوار، في أكتوبر/ تشرين الأول 2024.
وأمام الوقائع الحالية وذكريات الماضي.. ماذا تقول الوثائق التاريخية عن مخيم كندا؟ كيف نشأ؟ وكيف ارتبط هذا المخيم بمنطقة تل السلطان في غزة؟
مخيم كندا.. أساس التسمية
جغرافيًا، أُقيم مخيم كندا في سيناء المصرية، إلى الجنوب الغربي من مدينة رفح الفلسطينية وعلى مقربة منها.
وللإشارة، فإن هناك رفح مصرية وأخرى فلسطينية، يفصل بينهما خط الحدود بين مصر وقطاع غزة. وعليه، فإن سكان مخيم كندا كانوا من رفح الفلسطينية، لا من سكان رفح المصرية.
قصة المخيم بدأت عام 1971، حين هدمت إسرائيل منازل في مخيمات رفح، ضمن إجراءات قالت إنها تهدف إلى شق طرق وتسهيل تحركات جيشها. في ذلك الحين، كانت إسرائيل تحتل قطاع غزة اعتبارًا من عام 1967، كما احتلت سيناء المصرية في الحرب نفسها.
ما حصل هو أنه جرى نقل بعض الفلسطينيين الذين تضررت منازلهم إلى موقع في سيناء كان يضم سابقًا معسكرًا للقوة الكندية المشاركة في قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة، التي أُنشئت عقب العدوان الثلاثي الذي شنته إسرائيل وفرنسا وبريطانيا على مصر عام 1956.
عام 1972، أقرت إسرائيل إقامة مشروع إسكان في الموقع المذكور عُرف باسم “مشروع كندا” أو “حي كندا” أو “مخيم كندا”، وذلك استنادًا إلى أن الوحدة الكندية كانت تشغل هذا المكان وتتمركز فيه.
عقدة المكان.. “مخيم كندا” يفصل عائلات عن بعضها
ترتبط العقدة الأساسية في القصة بمكان المخيم الذي ساهم في انفصال أفراد عائلات فلسطينية عن بعضهم البعض، بينما باتوا غير قادرين على الالتقاء..
فكيف حصل ذلك؟
عام 1982، وفي إطار تنفيذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقّعة عام 1979، انسحبت إسرائيل من معظم سيناء، وأُعيد العمل بالحدود بين مصر وقطاع غزة الذي بقي تحت الاحتلال الإسرائيلي. وهكذا، أصبح خط الحدود يفصل سكان مخيم كندا، الموجودين على الجانب المصري، عن أقاربهم وأماكن عملهم في رفح الفلسطينية.
وكان قطاع غزة تحت الإدارة المصرية قبل احتلاله عام 1967، من دون أن تضمه مصر إلى أراضيها. لذلك، لم تكن رفح الفلسطينية جزءًا من الأراضي المصرية ذات السيادة، على خلاف رفح المصرية.
وإثر الانسحاب، لم يتمكن سكان مخيم كندا من العودة فورًا إلى غزة. فقد بقيت عودتهم مرتبطة بترتيبات وموافقات إسرائيلية، بعدما كان التنقل بين المنطقتين ممكنًا خلال احتلال القطاع وسيناء معًا.
استمرت هذه المعاناة سنوات، وتفرقت عائلات على جانبي الحدود رغم قرب المسافة بينها. فمن كان يقيم في المخيم لم يعد يستطيع الدخول إلى غزة كما كان يفعل سابقًا.
ماذا تقول الوثائق عن مخيم كندا؟
تكشف وثيقة أممية صادرة عام 1983، أعدّتها اللجنة الخاصة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان لسكان الأراضي المحتلة، أن نحو 700 أسرة فلسطينية من قطاع غزة كانت تقيم في رفح الواقعة داخل الأراضي المصرية. وأفاد فلسطينيون قابلتهم اللجنة بأنهم حُرموا من العودة إلى منازلهم في القطاع.
وبحسب الوثيقة، كان نحو 5500 فلسطيني يقيمون في مخيم كندا، القريب جدًا من الحدود، لكنه يقع في سيناء، على الجانب المصري منها.
وتقول الوثيقة إن سكان المخيم كانوا من اللاجئين الفلسطينيين الذين غادروا منازلهم خلال نكبة عام 1948، حين هُجّر فلسطينيون من قراهم وبلداتهم مع قيام إسرائيل، وأقام هؤلاء لاحقًا في مخيمات للاجئين داخل قطاع غزة. لكن بعد حرب 1967، ومع هدم منازل في رفح لإقامة طرق عسكرية، غادرت مئات الأسر منازلها عام 1971، وكان من بينها من انتقل إلى الموقع الذي عُرف لاحقًا بمخيم كندا.
وتشير الوثيقة إلى أن بعض الأسر تلقت تعويضات عن المنازل التي دُمّرت أو أُزيلت، لكن كثيرين اعترضوا على قيمتها، معتبرين أنها لا تكفي للحصول على مساكن مماثلة لمنازلهم في غزة. كذلك، تحدثت الوثيقة عن حالات تهجير قسري، وعن أسر أقامت في خيم في العراء، فيما انتقل آخرون إلى الضفة الغربية أو إلى العريش في مصر.
وبحسب الوثيقة الأممية، كانت السلطات الإسرائيلية تعلم أن مشروع الإسكان يقع في الأراضي المصرية، لكنها لم تتخذ الإجراءات اللازمة لإعادة سكانه إلى رفح الفلسطينية عند الانسحاب. وشددت اللجنة على ضرورة إعادتهم إلى قطاع غزة.
مسار عودة استغرق سنوات
استغرق مسار عودة سكان مخيم كندا إلى غزة سنوات، وتداخلت فيه المفاوضات ومشكلة التمويل وإجراءات بناء المساكن الجديدة.
تقول وثيقة صادرة عن وكالة “الأونروا” عام 1986 إنه بعد مفاوضات مطوّلة بين حكومتي مصر وإسرائيل، جرى التوصل إلى ترتيبات لعودة اللاجئين تدريجيًا إلى قطاع غزة وإسكانهم في مشروع تل السلطان السكني قرب رفح.
كذلك، تلفت الوثيقة إلى أن الحكومة المصرية أعلنت استعدادها لتقديم مساعدات مالية للاجئين، فيما ستوفّر سلطات الاحتلال الإسرائيلي الأراضي والتسهيلات، غير أن إجمالي المساعدات لم يكن يبلغ المبلغ المقدّر اللازم لتمكين الأسرة اللاجئة من بناء منزل جديد ملائم.
إلا أن تنفيذ العودة بقي بطيئًا. وتورد مجلة “المجدل”، في عددها الصادر في سبتمبر/ أيلول 2003، تفاصيل خطة اتفقت عليها مصر وإسرائيل عام 1989، نصّت على أن تدفع مصر لكل أسرة 8 آلاف دولار تعويضًا عن منزلها في مخيم كندا.
وعلى الأثر، عاد فورًا نحو 20 أسرة إلى غزة، وحصلت كل منها على مبلغ 8 آلاف دولار، لكن من دون الحصول على قطع أراضٍ. وحينها، اكتشف اللاجئون أن هذا المبلغ لم يكن كافيًا لبناء أكثر من غرفة أو غرفتين.
غير أنّ آلية العودة تغيّرت لاحقًا، إذ تم البدء بتخصيص قطع أراضٍ لعائلات من مخيم كندا في مشروع تل السلطان، بما يتيح لها بناء منازل قبل انتقال بقية أفرادها إلى غزة.
وفي هذا السياق، يوثّق تقرير أممي صادر في 11 سبتمبر 1990 تخصيص 32 قطعة أرض لعائلات اختيرت من مخيم كندا للاستقرار في مشروع تل السلطان، وعبور 32 رب أسرة إلى القطاع للإشراف على البناء. كما عادت 31 أسرة أخرى، تضم 151 شخصًا، وسكنت في منازل أقارب لها.
وفي عام 1991، جرى رفع مبلغ التعويض إلى 12 ألف دولار، فيما بدأت إسرائيل بتوفير قطع أراضٍ مجهّزة بالخدمات في منطقة تل السلطان في رفح، بقطاع غزة.
إلى ذلك، كانت مجموعة من 20 أسرة قد تقدّمت باستئناف أمام المحكمة الإسرائيلية العليا، التي قضت بوجوب توفير الأراضي. وبحلول خريف عام 1992، عادت 105 أسر أخرى إلى غزة، حاصلة على الأرض وعلى مبلغ 12 ألف دولار.
ومع استمرار العودة، برزت مشكلة التمويل. وبحسب “المجدل”، قالت مصر إنها لم تعد قادرة على مواصلة تمويل العملية، وطلبت من “الأونروا” المساعدة في تأمين مليون دولار على مدى أربع سنوات. لكن الوكالة كانت تعاني أصلًا نقصًا في تمويل ميزانيتها، فيما بقي آلاف اللاجئين ينتظرون الانتقال إلى غزة.
وفي كلمة ألقاها بجامعة هارفارد عام 1995، قال مارك بيرون، مساعد نائب وزير الخارجية والتجارة الدولية الكندية لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط آنذاك، إن عملية العودة استؤنفت بدعم مالي كندي بعدما تعطلت بسبب نقص التمويل.
وأوضح أن أول مجموعة من أرباب 70 أسرة بدأت العبور إلى غزة في يوليو 1994 لبناء منازل في تل السلطان.
ومع مرور السنوات، استمرت العودة التدريجية للاجئين من مخيم كندا إلى قطاع غزة. وتقول وثيقة لـ”الأونروا” إنه في عام 1997، صُرفت مبالغ تعويضية لـ40 أسرة لتمكينها من بناء منازل في مشروع تل السلطان الإسكاني قرب رفح.
وبحسب الوثيقة، كان 28 رب أسرة من هذه العائلات الأربعين قد دخلوا غزة حتى 30 يونيو/ حزيران 1997، وكان مقررًا أن يلحق بهم الأرباب الاثنا عشر المتبقون. وبعد إنجاز المنازل، كان يُفترض السماح للعائلات الأربعين، التي تضم نحو 200 شخص، بالدخول إلى القطاع.
وفي غضون ذلك، ظل نحو 2800 لاجئ فلسطيني آخر من قطاع غزة في مخيم كندا، بينما واصلت “الأونروا” تقديم الخدمات لهم مع استمرار وجودهم هناك.
واستمرت العودة تدريجيًا حتى أفادت “الأونروا” باكتمال العملية في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2000. وقد شملت 491 أسرة تضم 4388 لاجئًا.
وكان لكندا دور في تيسير عودة اللاجئين وتمويلها. وتوضح مناقشات مجلس العموم الكندي في أبريل/ نيسان 2002 أن مشروع لمّ الشمل تطلّب تنسيقًا بين مصر وإسرائيل و”الأونروا” والسلطة الفلسطينية، وحشد دعم مالي من الكويت.
ويؤكد تقرير “الأونروا” أن مساهمتَي الحكومة الكندية والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية كانتا أساسيتين لإنجاز جانب لمّ شمل الأسر في المشروع.
من العودة إلى تل السلطان.. إلى النزوح مجددًا
كان تل السلطان أحد أكثر أحياء مدينة رفح حيوية. ووفق تحقيق “بي بي سي”، ضمّت شوارعه المكتظة مستشفى الولادة التخصصي الوحيد في رفح، إلى جانب مركز لرعاية الأطفال الأيتام والمتروكين.
وبعد سنوات قليلة على اكتمال عودة سكان مخيم كندا، توغّلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في الحي عام 2004. وبحسب تقرير “هيومن رايتس ووتش”، دُمّرت عشرة منازل وتضرر 156 منزلًا آخر، ما أثّر على 1826 شخصًا.
حينها، قتل الاحتلال الإسرائيلي 15 مدنيًا فلسطينيًا في الحي، بينهم 3 أطفال دون سن الثامنة عشرة، وهم أسماء وأحمد المغير، وكان عمرهما 14 و10 أعوام، بالإضافة إلى صابر أبو ليبة، الذي كان يبلغ من العمر 13 عامًا.
ومع الحرب التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر 2023، واجه سكان تل السلطان التهجير والنزوح مجددًا. وفي 26 مايو/ أيار 2024، استهدفت غارات إسرائيلية منطقة تؤوي نازحين في خيامهم، في مجزرة أسفرت عن استشهاد 45 شخصًا وإصابة 249 آخرين، بحسب حصيلة وزارة الصحة التي نقلها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
ووقعت المجزرة بعد يومين من أمر محكمة العدل الدولية بشأن رفح، الذي طالب إسرائيل بوقف هجومها العسكري وأي عمل آخر في المحافظة يمكن أن يفرض على الفلسطينيين في غزة ظروفًا معيشية قد تؤدي إلى تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا.
ليتنا نعود إلى مخيم كندا
كان منزل ياسر أبو شاويش في مخيم كندا يبعد نحو عشرين مترًا عن الحدود. مسافة قصيرة فصلته عن غزة، لكن عبورها والعودة للإقامة فيها احتاجا إلى سنوات من الانتظار، ثم أشهر من التنقل لبناء منزل جديد في تل السلطان. واليوم، بعدما اضطر إلى ترك ذلك المنزل أيضًا، يستعيد المخيم الذي عرف فيه صعوبات اللجوء بشيء من الحنين:
“العذاب الذي عشناه خلال الحرب جعلنا نفتقد لأيام مخيم كندا”.
في حديث خاص إلى موقع “التلفزيون العربي”، يعود أبو شاويش، المعروف بـ”أبو خليل“، والبالغ 52 عامًا، إلى بداية رحلة عائلته مع التهجير. فأجداده غادروا برقة الفلسطينية خلال نكبة عام 1948 واستقروا في رفح، قبل أن تنتقل العائلة إلى مخيم كندا في سيناء في أوائل السبعينيات، مع عائلات من مخيمَي الشابورة ويبنا. ويتذكر ما قيل للسكان آنذاك: “إن الهدف من إخراجهم من المخيمين إلى كندا هو أن هناك خطة للتوسع وتخفيف الاكتظاظ”.
استقرت العائلات في المخيم، ثم تغيّرت حياتها مع إعادة العمل بالحدود في أوائل الثمانينيات. أصبح مخيم كندا على الجانب المصري، وانفصل سكانه عن رفح الفلسطينية، فيما تأخرت ترتيبات إعادتهم إلى غزة. وبحسب أبو شاويش، امتد انتظار عائلته حتى عام 1990، حين بدأت تشهد خطوات العودة الفعلية.
لم تكن سنوات الانتظار سهلة. يستذكر أبو شاويش الإحصاءات الدورية التي كانت تجريها السلطات المصرية للسكان، وتجديد وثائق الإقامة كل ستة أشهر، وقلة فرص العمل والاعتماد على المساعدات. حتى التعاملات اليومية تغيّرت بعد فصل رفح، إذ انتقل السكان من استخدام الشيكل الإسرائيلي إلى الجنيه المصري. ويقول: “الحياة لم تكن سهلة، خصوصًا من الناحية الاقتصادية والمعيشية”.
وفي المخيم تلقّى تعليمه بمدرسة واحدة كانت تستقبل الطلاب على ثلاث فترات يومية، تمتد من السادسة والنصف صباحًا حتى التاسعة مساءً. كان نحو خمسين طالبًا يجلسون في الصف الواحد، لكن أبا شاويش يستعيد تلك التجربة بما أتاحته لأبنائها أيضًا: “رغم ذلك شهدت هذه المدرسة تخريج طلاب أصبحوا لاحقًا مهندسين وأطباء”.
عام 1990، أبلغ مختار المخيم، أبو حكمت عيسى، مجموعة من نحو 35 أسرة باختيارها للعودة، وطلب منها التوجه لمعاينة الأراضي المخصصة لها في غزة. غير أن الحصول على الأرض لم يكن كافيًا؛ فالمبلغ الأول الذي خُصّص لبناء منزل، وقدره ثمانية آلاف دولار، لم يغطِّ الكلفة، وحتى بعد رفعه إلى اثني عشر ألفًا بقي غير كافٍ، وفق رواية أبو شاويش.
بدأت بعد ذلك مرحلة البناء. وعلى مدى نحو ثلاثة أشهر، كان أبو شاويش يتنقل من رفح المصرية إلى غزة عبر بوابة صلاح الدين، ويمضي معظم الأسبوع في تجهيز المنزل قبل الرجوع إلى المخيم. ويقول: “كنا ندخل يوم الأحد ونعود يوم الخميس، فيما نمضي تلك الأيام في بناء منازلنا”.
وحين حان موعد الانتقال النهائي، سلّمت العائلات منازلها في مخيم كندا إلى الجانب المصري، وحملت ما استطاعت من ممتلكاتها. ويتذكر أبو شاويش نقل الأثاث عبر معبر العوجا، حيث كانت سيارة مصرية توصله إلى نقطة العبور، ثم يُنقل إلى سيارة أخرى لاستكمال الطريق إلى غزة، وسط إجراءات مشددة.
تواصلت العودة على دفعات، تضم كل منها نحو 35 عائلة، بحسب ما يتذكره. ومن بين أوائل العائدين، يذكر عائلات أبو ياسر أبو الشاويش، وأبو أيمن النملة، وأبو رأفت الغنام. أما الأراضي التي بُنيت عليها منازلهم، فقد عُرفت لاحقًا باسم “حي كندا”، ضمن نطاق تل السلطان.
بعد تلك الرحلة الطويلة، أعادت الحرب أبو شاويش إلى النزوح. ترك منزله في تل السلطان، ويقيم اليوم في مخيمات المنطقة الوسطى بالنصيرات.
يقول: “لقد خرجنا من منازلنا ولم يبقَ لنا شيء“، مستعيدًا الخوف والجوع ولحظات الخروج تحت القصف: “كنا نودّع عائلاتنا لأننا كنا نتوقع عدم اللقاء مجددًا“.
وحين يقارن ما عرفه في مخيم كندا بما مرّ به خلال الحرب، يتوقف عند تعليم أبنائه وحياتهم المعلّقة. المدرسة المكتظة التي تعلّم فيها أتاحت له ولأقرانه مواصلة الدراسة، أما أبناؤه فقد تعطّل تعليمهم.
ويختصر ما آلت إليه حال عائلته بقوله:
منذ ثلاث سنوات تقريبًا، لم نعد نعرف إن كنا نعيش حياة طبيعية أم ننتظر الموت”.
منزل تركه في سيناء، وآخر بناه في تل السلطان، ونزوح جديد إلى المنطقة الوسطى.
