قضية ضحايا التعدين: لا تُعالج الدماء بالدم.. مسؤولية القصف مشتركة ومسار الغضب ليس الحل

قضية ضحايا التعدين: لا تُعالج الدماء بالدم.. مسؤولية القصف مشتركة ومسار الغضب ليس الحل

Loading

كتب – حسان الناصر

توجد أشياء بديهية، وأعتقد أن نقاشها أمر مؤسف أو غريب، ولا يمكن التعاطي معه أو الجدال حوله. أياً كان موقع قصف المعدنين السودانيين أو الجهة التي قصفت، فإن دماء الناس التي أُهدرت مسؤولية الجهة التي قصفت، ومسؤولية الحكومة السودانية في مستوياتها السيادية وفي مستوياتها التنفيذية.

 

مصر حليف استراتيجي للسودان ودولة مهمة وامتداد لنا، وهذا لا يمنعنا أن نقول بكامل الحق والغضب إن ما حدث في شمال الوادي مرفوض، ويتحمل حرس الحدود المصري مسؤولية ما حدث لهذه الدماء التي سالت وهم عُزّل وليسوا معتدين. وتتحمل الحكومة السودانية من أعلى مستوياتها السيادية إلى التنفيذية – سواء وزارة المعادن أو الشركة السودانية للموارد المعدنية أو حكومة البحر الأحمر أو قيادة المنطقة الشرقية – المسؤولية كاملة عن أرواح الضحايا.

أياً كان موقع القصف أو منطق وقوعه، فلا يمكن ضرب أشخاص عُزّل، دعك من أنه لا يمكن ضرب قطيع ماشية لو توغل في القاهرة بهذه الطريقة، في ظل توفر سبل المعالجة وإمكانية التوصل إلى حلول واضحة.

 

نقطة سطر جديد!

هناك فرق بين المطالبة واتخاذ مسار قانوني وحقوقي واضح تجاه الضحايا، وبين الخطابات غير المسؤولة التي يمكن أن تولّد حوادث تضع أبرياء في مواجهة مصير (غير حميد) في محاولة طفولية لإشباع نزوات لا ترد حقاً ولا تدفع باطلاً.

شاهدت فيديو لبعض المقاتلين من قبل القوات المشتركة يقومون بإطلاق تصريحات رعناء ويحملون أسلحة، ولا أريد زيادة توصيف المشهد. لكن هذه المشاهد وهذه الخطابات مرفوضة رفضاً كاملاً، ونحن لسنا في غابة ولا يمكن أن نتحول إلى غابة حتى وإن قصّرت الدولة تجاه مواطنيها. وأقولها بكل وضوح، إذكاء الخطابات في الميديا بهذه الطريقة ورفع سقف الابتزاز العاطفي لن يحقق للضحايا شيئاً، وسيقع مزيد من الضحايا سواء في ذات المنطقة أو بسبب هذه الطريقة في الوصول إلى الحق والحل.

إن الذين ماتوا ضحايا، والدولة ومؤسساتها مقصّرة في حقهم، لكن هذا التقصير وهذه الجريمة لن تكون عذراً أو ثغرة لأي محاولة إثارة فوضى أو محاولة انفلات العقد. وعلى الذين يقومون بالمطالبة بطريقة (حرق العشب والغابة) أن يتوقفوا وأن يتحملوا المسؤولية قليلاً.

 

المطالبة بحقوق هؤلاء الشباب المغدور بهم يجب أن تكون عبر مسار حقوقي كامل يحاول على الأقل أن يغلق باب نزيف الدم، وأن يشعر الناس بمسؤولية قولهم. ويكفي حجم الابتزازات الرعناء هذه.

 

مصر جارة للسودان، والسودان يتأثر بمصر ومصر تتأثر بالسودان، فلن يرحل السودانيون عن جنوب الوادي ولن يرحل المصريون عن شماله، حالهم حال جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا وغيرها من دول جوار السودان. ومصالح أمن مصر من مصالح أمن السودان، وأي انهيار في البلدين يتأثر به الثاني، وتلك حقيقة الجغرافيا.

 

ما هكذا تُورد الإبل!

يخيل لي أنه توجد مشكلة في وعي العديد من السودانيين بحجم القضايا، مشكلة في المنطق والتعاطي مع الوقائع، بدل أن نوقف هذه الكارثة قبل أن يروح على إثرها ضحايا أبرياء من مصر أو السودان. نستعرض المواقف كـ(ملايات عيد) أو (مفارش صفرة)، وهذا لعمري قمة البؤس والسوء الذي يمكن أن يصل إليه الناس. يجب ألا نتسامح مع هذه الاعتداءات أو نحاول أن نجعل موقف المؤسسات الرسمية ينسينا أن الخطأ لا يمكن أن يُعالج بخطأ.

هؤلاء المواطنون لا ذنب لهم، كما أن الشباب لا ذنب لهم. وإن كان بيان مجلس السيادة السوداني كارثياً، فبيان الجيش المصري كارثي أيضاً. يجب ألا نجعل الدماء مهراً وعرضاً لتجريم أحد.

 

على الحكومتين السودانية والمصرية تدارك الموقف بشكل سريع يسمح بأن تهدأ الأطراف وتدارك حقوق الضحايا بشكل عاجل وإيجاد مخرج. ونرجو من الإخوة عقلاء الوسط السوداني التعامل بمسؤولية مع هذه الأحداث. كما أن على المؤسسات السودانية تقع مسؤولية كبيرة، ويجب أن تتحرك تجاه هذه الحادثة وتتدخل بشكل فعال بدلاً من هذه البيانات التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

وعلى الناس التعامل بمسؤولية تجاه هذه الحادثة، على أمل ألا يقع من السودان أو مصر ضحايا لا ذنب لهم في أحداث كان يمكن نزع فتيلها.

 

حتى لا نكرر ما حدث!

الوضع الانتقالي المختل يجب أن ينتهي، فلا وجود لمؤسسات انتقالية تشريعية يمكنها أن تحاسب أو تسأل أو تستفسر. هذه الواقعة قائمة المسؤولين فيها طويلة جداً: بداية بمجلس السيادة، ومن ثم مجلس الوزراء والجهات المعنية بملف التعدين، ومن ثم الشرطة والأمن والمنطقة العسكرية الشرقية، وبعدها الجهات الولائية، انتهاءً بمحلية حلايب.

فلا يمكن أن يتحدث السيد رئيس مجلس السيادة قبل أربعة أشهر أمام جمع من الناس على بعد كيلومترات من مكان الواقعة السابقة والحالية وهو يستخدم عبارات (الناس ما تمشي تعدي الحدود… وما تعمل مشاكل)، لو كانوا صغاراً في رياض الأطفال لكان المسؤول عنهم سيتخذ خطوات عملية.

 

الحل يمكن على مستويين. الأول: معالجة الملف بشكل مباشر مع الجهات المصرية ووضع حلول عملية بدلاً من الانتهاكات المستمرة تجاه الواقع في تلك المنطقة، بدلاً من استخدام أدوات عنف لن تحل سوى أنها ستعقد الموقف. وهذا بطبيعة الجغرافيا والوجود، والسودانيون وغيرهم لن يتوقفوا عن البحث عن الذهب، لذلك الحل يكمن في التوصل إلى تفاهم مضبوط يحفظ للجميع حقوقهم. وفي هذا الملف يأتي التحقيق في هذه الوقائع الأولى والثانية وحادثة 2024 وضمان تعويضات تصل إلى أسر الضحايا.

على المستوى الداخلي، هذه الحادثة كاشفة للعديد من الملفات التي يجب أن يتخذ الناس حولها مواقف جذرية، وهذا ينقلنا إلى المستوى الثاني: إنهاء هذا الوضع الانتقالي المختل بحيث تكون هناك جهات تشريعية نافذة تحفظ للناس حقوقهم بعيداً عن هذه الهرجلة الانتقالية التي لا يريد أحد أن يتحمل فيها مسؤولية المواطن والدولة.

 

بخصوص شبكة أطباء السودان، فإن البعض لم يفهم الحجة الأساسية وهي أن طبيعة المعلومات التي ذكرتها هذه الجهة عن الأرقام الواردة في بيانها معلومات مضللة. فلا يمكن لجهة مسؤوليتها متابعة وتوثيق ضحايا العنف أن تستخدم رقماً بناءً على حديث مصدر دون العودة إلى الفيديوهات التي خرجت من الواقعة، وأن استخدام عذر أنه بيان في ظل غياب المعلومات كمن يستخدم صور ذكاء اصطناعي لتوضيح ما يحدث؛ لا فرق بينهما.

إن أبسط المسؤوليات هي أن تستخدم الجهة معلومات حقيقية تجاه الضحايا الذين سقطوا، فلا يمكن أن تقول بأنه سقط عشرات الضحايا وتأتي في البيان وتقول سقط (13)، والرقم قابل للزيادة بكل تأكيد، فلو راجعت صورة دفن القتلى لكنت ستعد أكثر من 65 جثة على الأقل.

 

الأمر الأهم أنه لا يوجد تعارض بين مطالبة الدولة وبين مطالبة الجهات المدنية والإعلامية بتحري الدقة وضبط المعلومات؛ هذا مستوى وذاك مستوى ويمكنهما السير معاً، بل وهذا يجعلنا نحفظ حقوق الضحايا بعيداً عن التضليل.

 

ليس هناك خصومات أو محاولة تشفٍّ في هذه المأساة، ما نحاول الوصول له هو إرساء قواعد بعيداً عن المزايدات التي تُميع القضايا وتجعل من الحق والحقوق آخر سلم الاهتمام. فنحن لا نمتلك إلا هذه الأسطر وهذا الصوت، عسى ولعل يكون لنا حجة أمام الله وأمام أنفسنا.