كان يعرف أن المعركة خاسرة.. لماذا خرج يوسف العظمة إلى ميسلون؟

كان يعرف أن المعركة خاسرة.. لماذا خرج يوسف العظمة إلى ميسلون؟

Loading

لم يترك يوسف العظمة وثيقة يقول فيها صراحة إنه خرج إلى معركة يعرف أنها خاسرة، كما أن كثيرًا من العبارات المنسوبة إليه عن رفض دخول الفرنسيين دمشق من دون مقاومة انتشرت بصيغ مختلفة، ولا يمكن التعامل معها جميعًا بوصفها اقتباسات موثّقة. لكن الوقائع التي سبقت معركة ميسلون لا تترك مجالًا كبيرًا للاعتقاد بأن وزير الحربية السوري كان ينتظر نصرًا عسكريًا تقليديًا.

فقد كان العظمة ضابطًا محترفًا خدم في الجيش العثماني، ثم تولى بناء جيش المملكة العربية السورية الناشئة، وكان يعرف حجم القوة التي استطاع جمعها، وما خسرته بعد صدور أوامر بحل الجيش، كما كان يدرك قدرات القوات الفرنسية المتقدمة نحو دمشق.

ومع ذلك، غادر العاصمة مساء 23 يوليو/ تموز 1920، واتخذ موقعه في ممر ميسلون على الطريق القادم من بيروت. وفي صباح اليوم التالي خاض بقوة غير متكافئة معركة قصيرة ضد جيش فرنسي مدعوم بالمدفعية والدبابات والطائرات، قبل أن يُقتل في الميدان وتنهار خطوط الدفاع السورية.

فلماذا اختار العظمة القتال عندما كانت فرص الانتصار ضئيلة؟ وهل كان يقاتل فعلًا لمنع الفرنسيين من دخول دمشق، أم من أجل الطريقة التي سيدخلون بها إليها؟

مملكة سبقت الاعتراف بها

بدأت الأزمة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وانسحاب الجيش العثماني من بلاد الشام. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 1918، تشكلت في دمشق إدارة عربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، راهنت على أن يقود دعم العرب للحلفاء إلى الاعتراف باستقلالهم.

لكن هذا الرهان اصطدم بالتفاهمات البريطانية الفرنسية التي قسمت مناطق النفوذ في المشرق، بينما أصبحت حكومة فيصل محاصرة بين مطالب الحركة الوطنية بالاستقلال وإصرار فرنسا على فرض سيطرتها على سوريا ولبنان، وهو ما تتناوله دراسات يوجين روغان وفيليب خوري حول نشأة الدولة السورية الحديثة.

وفي 8 مارس/ آذار 1920، أعلن المؤتمر السوري العام استقلال سوريا وتنصيب فيصل ملكًا عليها، لتولد المملكة العربية السورية من دون اعتراف من القوى المنتصرة في الحرب. وبعد أقل من شهرين، قرر مؤتمر سان ريمو منح فرنسا حق الانتداب على سوريا ولبنان، على أن تُصاغ شروط الانتداب لاحقًا وتُعرض على مجلس عصبة الأمم لإقرارها.

ويظهر نص قرار سان ريمو أن القوى المنتصرة اعتبرت سوريا دولة مستقلة استقلالًا مؤقتًا وفق المادة 22 من عهد عصبة الأمم، لكنها أخضعتها لإدارة دولة منتدبة إلى أن تصبح “قادرة على الوقوف وحدها”، قبل أن يقر مجلس العصبة لاحقًا مشروع صك الانتداب الذي منح فرنسا سلطات واسعة في إدارة البلاد.

في تلك المرحلة، أصبح يوسف العظمة وزيرًا للحربية ورئيسًا لأركان الجيش، وحاول جمع ما خلفه العثمانيون من أسلحة وتنظيم الوحدات العسكرية واستدعاء الضباط السابقين، في وقت كانت الدولة تعاني نقصًا في المال والسلاح والاعتراف الدولي.

ولم يكن الجيش الذي بناه قادرًا على خوض حرب طويلة ضد فرنسا، بل كان جيش دولة وُلدت قبل أن تملك حدودًا مستقرة أو موارد كافية أو حلفاء مستعدين للدفاع عنها، وهي الظروف التي يفصلها فيليب خوري في دراسته عن بدايات الانتداب الفرنسي.

إنذار يطلب تفكيك الدولة

بلغت الأزمة ذروتها في يوليو 1920، عندما وجّه المفوض السامي الفرنسي هنري غورو إنذارًا إلى حكومة الملك فيصل يطالبها بالاعتراف بالانتداب الفرنسي، والسماح باستخدام العملة التي يدعمها الفرنسيون، وتسليم السيطرة على أجزاء من شبكة السكك الحديدية، وإلغاء التجنيد، وتقليص الجيش وتسريح وحداته.

ولم تكن تلك مطالب أمنية مؤقتة، بل إجراءات كانت تعني عمليًا تجريد المملكة العربية السورية من أهم أدوات السيادة والدفاع، وهو ما يتوافق مع قراءة فيليب خوري لطبيعة الأزمة بين حكومة فيصل والسلطات الفرنسية.

رفض يوسف العظمة قبول الإنذار، بينما رأى فيصل ومعظم أعضاء حكومته أن المواجهة العسكرية ستقود إلى سقوط دمشق من دون تغيير النتيجة. وتحت ضغط المهلة الفرنسية، وافقت الحكومة على الشروط، باستثناء العظمة، وبدأت إصدار أوامر بحل وحدات الجيش وسحب القوات المنتشرة بين البقاع ودمشق.

وتشير التقارير المعاصرة إلى أن مجلس الحرب في دمشق انقسم بين خيار المقاومة وخيار القبول لتجنب اجتياح العاصمة. لكن قبول الإنذار لم يوقف التقدم الفرنسي.

فقد وصلت رسالة موافقة فيصل متأخرة، بينما واصل غورو تنفيذ خطته العسكرية، مستندًا إلى التفويض الذي منحته القوى المنتصرة لفرنسا في سوريا.

ومع استمرار الزحف، اتضح أن حل الجيش لم يؤد إلى تسوية تحفظ المملكة، بل أصبحت الشروط الفرنسية تتوسع مع اقتراب القوات من دمشق.

حاول فيصل كسب الوقت، فأوفد وزير المعارف ساطع الحصري للتفاوض مع غورو، لكن المفاوضات لم توقف التحرك العسكري. وعندما تبين أن القوات الفرنسية ستواصل تقدمها، حصل يوسف العظمة على الإذن بتعبئة ما تبقى من الجنود والمتطوعين، وخرج إلى ميسلون.

قوة جُمعت بعد صدور قرار بحلها

لم يقد العظمة في معركة ميسلون الجيش الذي عمل على بنائه خلال الأشهر السابقة، بل قوة أُعيد جمعها على عجل بعد صدور أوامر بتسريح الوحدات النظامية.

وتختلف المصادر في تقدير عدد المقاتلين، إلا أنها تتفق على أن القوة السورية كانت تضم جنودًا نظاميين سابقين ومتطوعين ومدنيين، مع تفاوت كبير في التدريب والتسليح، في حين كانت عملية إعادة التنظيم قد توقفت عمليًا بعد قرار حل الجيش.

في المقابل، تقدمت قوة فرنسية نظامية بقيادة الجنرال ماريانو غوابيه، ضمن جيش المشرق الخاضع لقيادة غورو، وضمت وحدات مشاة ومدفعية وفرسانًا، إضافة إلى الدبابات والطائرات.

ولم يكن التفوق الفرنسي عدديًا فقط، بل شمل أيضًا التنظيم والاتصالات والإمداد والخبرة القتالية، وهي العوامل التي جعلت ميزان القوى يميل بوضوح إلى الجانب الفرنسي.

اختار العظمة ميسلون لأنها تمثل ممرًا طبيعيًا على الطريق المؤدي إلى دمشق، وكان الموقع يسمح نظريًا بإبطاء تقدم القوات الفرنسية داخل مساحة ضيقة، لكنه لم يكن قادرًا على إلغاء الفارق الكبير في القوة بين الطرفين.

ولم يكن أمام وزير الحربية وقت لإعداد معركة دفاعية متكاملة. ففي غضون أيام انتقل من محاولة منع حلّ الجيش إلى إعادة جمع بقاياه، ثم إلى مواجهة جيش بدأ تقدمه بالفعل نحو العاصمة.

لماذا خرج إذًا؟

إذا كانت المعطيات العسكرية تشير إلى أن فرص إيقاف الجيش الفرنسي كانت محدودة للغاية، فلماذا قرر يوسف العظمة خوض المعركة؟

لا يكفي تفسير قراره بالرغبة في الاستشهاد أو البحث عن بطولة شخصية، كما لا يبدو مقنعًا افتراض أنه أخطأ في تقدير موازين القوى، فهو كان أكثر المسؤولين معرفة بحالة الجيش السوري وإمكاناته. ويمكن فهم خروجه من خلال ثلاثة دوافع متداخلة.

كان الدافع الأول مرتبطًا بموقعه العسكري.

فقد تولى وزارة الحربية ورئاسة الأركان، وكان المسؤول الأول عن الدفاع عن الدولة. وبعدما تبيّن أن قبول إنذار غورو لم يوقف تقدم القوات الفرنسية، أصبح بقاؤه في دمشق بينما يقترب جيش أجنبي من العاصمة تخليًا عن المهمة التي تحمل مسؤوليتها.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أنه كان أبرز المعارضين داخل الحكومة لقبول الإنذار، وألحّ على الملك فيصل للسماح له بمواجهة القوات الفرنسية.

أما الدافع الثاني فارتبط بطبيعة الاحتلال نفسه.

فقد استندت فرنسا إلى قرارات مؤتمر سان ريمو لتبرير فرض الانتداب، ثم طالبت المملكة بحل جيشها والاعتراف بالأمر الواقع. وكان العظمة يدرك أن غياب أي مقاومة قد يسمح بتقديم دخول الفرنسيين دمشق بوصفه تنفيذًا متفقًا عليه للانتداب، لا احتلالًا فُرض بالقوة.

وتذهب دراسات فيليب خوري إلى أن الصراع لم يكن عسكريًا فحسب، بل دار أيضًا حول شرعية الدولة السورية الناشئة وحدود سيادتها.

أما الدافع الثالث فكان الحفاظ على المعنى السياسي لإعلان الاستقلال.

فالمملكة لم تكن تملك القدرة على الصمود طويلًا، لكن المقاومة كانت تعني أنها لم تتخلَّ طوعًا عن سيادتها. وكان بإمكان فرنسا أن تهزم الجيش السوري، لكنها لن تستطيع الادعاء بأنها تسلمت السلطة من دون قتال.

ولا يعني ذلك أن ميسلون كانت منذ بدايتها مجرد معركة رمزية. فقد بقي احتمال إبطاء التقدم الفرنسي وإيقاع خسائر به قائمًا، لكن اختلال موازين القوى يجعل من الصعب الاعتقاد بأن العظمة توقع وقف الغزو نهائيًا.

لم يعد السؤال بالنسبة ليوسف العظمة: هل سيدخل الفرنسيون دمشق؟ بل كيف سيدخلونها؛ أيدخلونها بوصفهم قوة احتلال فرضت سيطرتها بالسلاح، أم سلطة تسلمت الحكم من دون مقاومة؟

معركة انتهت خلال ساعات

بدأ الهجوم الفرنسي فجر 24 يوليو 1920 بعد تمهيد مدفعي، وتقدمت القوات الفرنسية المدعومة بالدبابات والطائرات لاختراق مواقع المدافعين في ممر ميسلون. وسرعان ما ظهر الفارق الكبير في التنظيم والتسليح بين الجيشين، فانهارت خطوط الدفاع السورية خلال ساعات.

بقي يوسف العظمة قرب موقع القيادة حتى قُتل أثناء المعركة. وتختلف الروايات في تفاصيل مقتله، إلا أنها تتفق على أنه رفض الانسحاب وظل في موقعه حتى اللحظة الأخيرة، لتُحسم المعركة سريعًا وتنسحب القوات السورية نحو دمشق.

وفي 25 يوليو دخلت القوات الفرنسية دمشق، وانتهت المملكة العربية السورية بعد أقل من خمسة أشهر على إعلانها، لتبدأ مرحلة الانتداب الفرنسي التي استمرت حتى الاستقلال.

هزيمة عسكرية غيّرت رواية السقوط

لم توقف ميسلون الاحتلال الفرنسي، ولم تؤخر تقدمه إلا وقتًا محدودًا. وبالمعيار العسكري كانت هزيمة واضحة لقوة جُمعت على عجل في مواجهة جيش يفوقها تنظيمًا وتسليحًا.

لكن المعركة غيّرت الرواية السياسية لسقوط دمشق. فلم تدخلها القوات الفرنسية بعد تسوية سلمية، بل بعد مواجهة عسكرية دفعت فيها المملكة الناشئة ثمن الدفاع عن وجودها.

ولهذا تحول يوسف العظمة إلى أحد أبرز رموز الحركة الوطنية السورية. فقد قاد القوة بنفسه حتى مقتله، وأصبحت ميسلون في الذاكرة السورية والعربية رمزًا لمقاومة الاحتلال، حتى عندما تكون موازين القوى محسومة سلفًا. ويرى عدد من المؤرخين أن أهمية المعركة لا تكمن في نتيجتها العسكرية، بقدر ما تكمن في أثرها السياسي والرمزي في تاريخ الدولة السورية الحديثة.

مع ذلك، لا تحجب بطولة العظمة المسؤولية السياسية عما سبق المعركة. فقد أمضت المملكة أشهرها الأخيرة بين خيار المقاومة والرهان على التسوية، ثم وافقت على حل جيشها قبل أن تتأكد من توقف التقدم الفرنسي. وعندما اتضح أن الإنذار لم يكن نهاية الأزمة، لم يبق أمامها سوى الدفاع بما تبقى من قوة سبق أن أُمرت بتفكيكها.

خرج يوسف العظمة إلى ميسلون لأنه أدرك أن إنقاذ المملكة عسكريًا أصبح شبه مستحيل، لكنه رفض أن تدخل القوات الفرنسية دمشق من دون مقاومة.


لم يغيّر الرجل مسار الجيش الفرنسي، لكنه غيّر الرواية التي دخل بها؛ فلم يكن دخولًا إلى عاصمة سلّمت نفسها، بل إلى دولة حاولت الدفاع عن استقلالها حتى اللحظة الأخيرة.