كسلا أمام اختبار السلام.. لجنة رتق النسيج الاجتماعي بين ضجيج الزيارات وغياب الأثر! تقرير: هادية صباح الخير

كسلا أمام اختبار السلام.. لجنة رتق النسيج الاجتماعي بين ضجيج الزيارات وغياب الأثر! تقرير: هادية صباح الخير

Loading

كسلا أمام اختبار السلام.. لجنة رتق النسيج الاجتماعي بين ضجيج الزيارات وغياب الأثر!
تقرير: هادية صباح الخير

كسلا ليست ولاية تحتاج إلى مزيد من الخطب عن التعايش السلمي بقدر ما تحتاج إلى من يعرف مفاتيح مجتمعها، ويدرك تعقيدات نسيجها الاجتماعي، ويملك القدرة على الوصول إلى جذور الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات. ففي هذه الولاية التي تشبه لوحة فسيفسائية تتداخل فيها الثقافات والموروثات والقبائل، لا يكفي أن تطرق أبواب القيادات التقليدية، ولا أن تعقد الاجتماعات وتلتقط الصور التذكارية، ثم تغادر تحت عنوان إنجاز مهمة رتق النسيج الاجتماعي.
إن زيارة اللجنة القومية المعنية بالتعايش السلمي ورتق النسيج الاجتماعي إلى ولاية كسلا وضعت الجميع أمام اختبار حقيقي، ليس فقط لقياس قدرتها على فهم تعقيدات المجتمع، وإنما أيضاً لقياس مدى جدية الدولة في معالجة واحدة من أكثر القضايا حساسية وأهمية. لكن، وبكل أسف، جاءت البداية دون مستوى التطلعات، وكشفت عن فجوة واضحة بين حجم القضية وما عكسته التغطية الإعلامية من مخرجات، إذ بدا المشهد وكأنه زيارة بروتوكولية قصيرة انتهت بخبر إعلامي مقتضب، لا يعكس حجم الجهد المطلوب ولا يجيب عن الأسئلة الجوهرية التي ينتظرها إنسان كسلا.
أربعة أيام.. هل تكفي لفهم مجتمع كسلا؟
السؤال الأول الذي يفرض نفسه: كيف يمكن للجنة أن تستوعب تعقيدات ولاية متعددة المكونات والثقافات والتقاطعات الاجتماعية خلال أربعة أيام فقط؟ وهل كانت الزيارة كافية للاستماع إلى القواعد الشعبية، والوقوف على التجارب السابقة، وتشخيص مواطن الخلل، ووضع خارطة طريق قابلة للتنفيذ؟
إن رتق النسيج الاجتماعي ليس مهمة إدارية تنتهي بانتهاء برنامج الزيارة، ولا ملفاً يمكن معالجته عبر لقاءات محدودة مع بعض القيادات. إنه عمل تراكمي يحتاج إلى وقت، واستماع عميق، ومشاركة حقيقية من أصحاب المصلحة، خاصة الشباب والمرأة والقيادات المجتمعية والمبادرات الثقافية والإعلامية.
والأهم من ذلك: هل كانت الشخصيات التي التقت بها اللجنة تمثل بالفعل كل أطياف مجتمع كسلا؟ أم أن دائرة التمثيل ظلت محصورة في الأطر التقليدية، بينما غابت أصوات وقطاعات تمتلك خبرة وتجربة ميدانية في صناعة التعايش؟
كسلا لا تبدأ من الصفر.. أين ذهبت التجارب السابقة؟
ما يثير الاستغراب أن كسلا ليست أرضاً خالية من تجارب السلام المجتمعي حتى تأتي لجنة جديدة لتبدأ من نقطة الصفر. فقد شهدت الولاية محاولات ومبادرات مهمة، لعب فيها جهاز الأمن والمخابرات أدواراً في احتواء التوترات وتعزيز الاستقرار، كما برزت مبادرة أشرف الكاردينال التي اعتمدت على الدبلوماسية الشعبية، واستطاعت أن تجمع أطرافاً ومكونات اجتماعية تحت مظلة واحدة، مستفيدة من الزخم المجتمعي والإمكانات المتاحة.
هذه التجارب، بصرف النظر عن تقييم نتائجها، تمثل رصيداً ينبغي دراسته والبناء عليه، لا تجاوزه وكأن شيئاً لم يكن.
فما الذي ستقدمه اللجنة الحالية بصورة مختلفة؟ وما الآليات التي تمتلكها؟ وهل جاءت برؤية جديدة تتجاوز أساليب الاجتماعات التقليدية إلى مشروع حقيقي للسلام المجتمعي؟ أم أننا أمام حلقة جديدة من سلسلة المبادرات التي تكثر فيها العناوين وتقل فيها النتائج؟
الغياب الذي يثير الأسئلة.. أين قطاع التوجيه والثقافة؟
لعل واحدة من أبرز الملاحظات التي تستحق التوقف عندها هي غياب اللقاء مع قطاع التوجيه والثقافة، وهو قطاع لا يمكن التعامل معه باعتباره جهة هامشية في ملف التعايش السلمي، بل يمثل إحدى أهم البوابات التي يمكن من خلالها الوصول إلى وجدان المجتمع.
ومن خلال ما كشفته الأستاذة أميرة حسين عبر منصة «مسار ميديا»، تتضح أهمية التجربة التي قادها القطاع خلال الفترات السابقة، عبر توظيف الموروثات الشعبية والفنون والدراما والأنشطة الثقافية في ترسيخ ثقافة قبول الآخر وتعزيز التعايش السلمي.
لقد كانت هناك ورش نوعية تناولت قضايا التعايش السلمي ورتق النسيج الاجتماعي، وقبول الآخر، ودحض الشائعات، ومناهضة خطاب الكراهية، إلى جانب دور الفنون والموروث الشعبي في دعم السلام المجتمعي باعتباره ركيزة أساسية لبناء سودان آمن ومستقر.
ولم تتوقف التجربة عند حدود التنظير، بل انتقلت إلى الميدان من خلال مهرجانات ثقافية ومبادرات مجتمعية، من بينها مهرجان السلان، الذي أتاح مساحة للتلاقي بين المكونات المختلفة، وخاطب الإنسان بلغة الثقافة والفن، وهي لغة كثيراً ما تنجح في إذابة الحواجز التي تعجز عنها المنابر السياسية والخطابات الرسمية.
ثلاثة أيام من السلام.. تجربة تستحق أن تُقرأ لا أن تُنسى
ومن أبرز المحطات التي تستحق الاستدعاء الاحتفال باليوم العالمي للسلام، عبر مهرجان امتد لثلاثة أيام، لم يكن مجرد احتفال عابر، وإنما مساحة حقيقية لتجسيد التنوع والتلاقي المجتمعي.
تخلل المهرجان معارض تراثية جامعة لمختلف المكونات، وليالٍ ثقافية، وحوارات مجتمعية، وبرامج للأطفال حملت رسومات عن الوطن والسلام، إلى جانب الأغنيات الوطنية والعروض الدرامية التي دعت إلى قبول الآخر وحب الوطن والتعايش السلمي.
هنا تحديداً تكمن قيمة التجربة؛ فقد تحولت شعارات السلام إلى أنشطة ملموسة، ووجدت المكونات المختلفة مساحة للتعبير عن ثقافاتها وتراثها، بينما شارك الأطفال في رسم صورة الوطن الذي يريدونه بعيداً عن الكراهية والانقسام.
فإذا كانت هذه التجارب قد وُجدت بالفعل داخل مؤسسات الولاية، فلماذا لم تكن ضمن أولويات اللجنة؟ ولماذا لم تجلس مع أصحابها لتستمع إلى ما تحقق، وما واجهته من تحديات، وما يمكن تطويره وتوسيعه؟
إن تغييب قطاع التوجيه والثقافة، وعدم الاستفادة من خبرات قياداته، وعلى رأسهم الأستاذة أميرة حسين، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى إحاطة اللجنة بالجهود التي بُذلت داخل الولاية، ومدى استعدادها للبناء على التجارب المحلية بدلاً من إعادة إنتاج البرامج من جديد.
الإعلام ليس هامشاً في معركة السلام
ومن أوجه القصور التي لا ينبغي تجاوزها التعامل مع الإعلام وكأنه مجرد وسيلة لتوثيق الزيارة ونشر أخبار الاجتماعات. فالإعلام شريك أصيل في صناعة السلام، وصانع للوعي، وخط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات وخطاب الكراهية.
كان من المفترض أن تبدأ اللجنة بالاستماع إلى المؤسسات الصحفية والإعلامية، والوقوف على طبيعة الخطاب السائد، والتحديات التي تواجه الصحفيين، ووضع آلية واضحة لتوحيد الرسائل الإيجابية وتعزيز خطاب المسؤولية الوطنية.
فالصحفيون ليسوا مجرد ناقلين لما يدور في قاعات الاجتماعات، بل هم جزء من المجتمع، ومن واجب أي مشروع جاد للسلام أن يستوعب دورهم ويمنحهم مساحة المشاركة والتأثير.
ولا يمكن أن نتحدث عن رتق النسيج الاجتماعي بينما نغفل الأدوات التي تنقل رسالته إلى الناس، وتراقب تنفيذها، وتكشف مواطن الخلل فيها.
المطلوب الآن.. الانتقال من الزيارة إلى المشروع
إن نجاح اللجنة لا يُقاس بعدد الاجتماعات التي عقدتها، ولا بعدد القيادات التي التقتها، ولا بالأخبار التي نُشرت عن تحركاتها، وإنما بما ستتركه من أثر حقيقي في حياة الناس.
ولذلك فإن تصحيح المسار يتطلب خطوات عملية، في مقدمتها:
تمديد العمل الميداني، وعدم اختزال ملف السلام المجتمعي في زيارات قصيرة.
إجراء حوار مجتمعي واسع يشمل القيادات الأهلية والشباب والمرأة والمثقفين والفنانين والمؤسسات الإعلامية وممثلي القواعد الشعبية.
إشراك قطاع التوجيه والثقافة والاستفادة من تجاربه السابقة في توظيف الفنون والموروث الشعبي والدراما.
توثيق المبادرات والتجارب الناجحة، والبناء عليها بدلاً من البدء المتكرر من نقطة الصفر.
وضع برنامج عملي لمناهضة خطاب الكراهية ودحض الشائعات، بمشاركة الإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية والمجتمعية.
إنشاء آلية متابعة وتقييم تضمن استمرار المبادرات وتحويل التوصيات إلى برامج قابلة للقياس والتنفيذ.
بدون تردد.. كسلا لا تحتاج إلى لجنة تزورها، بل إلى مشروع يفهمها!
إن السلام المجتمعي ليس صورة جماعية تُلتقط في ختام الزيارة، ولا بياناً صحفياً يُضاف إلى أرشيف الأخبار، بل مسؤولية تاريخية تتطلب إرادة حقيقية، وعقلاً مفتوحاً، وإيماناً بأن التنوع مصدر قوة لا مدخل للصراع.
وليس من الإنصاف أن نتجاهل تجارب صنعت مساحات للتلاقي، أو أن نغيب قطاعات امتلكت أدوات التأثير في وجدان المجتمع، ثم نتحدث عن مشروع جديد لرتق النسيج الاجتماعي.
إننا لا ننتقد من أجل الانتقاص من جهود اللجنة، ولا نغلق الباب أمام أي مبادرة تستهدف استقرار كسلا، وإنما نطرح أسئلة واجبة من موقع المسؤولية المهنية والوطنية.
السؤال الذي نضعه أمام اللجنة والجهات المعنية: هل جاءت اللجنة لتستمع إلى كسلا وتتعلم من تجاربها وتبني عليها، أم جاءت لتقول لكسلا ما تعرفه مسبقاً ثم تغادر؟
فكسلا أكبر من زيارة عابرة، وأعمق من خبر صحفي، والسلام فيها لن تصنعه البروتوكولات، وإنما تصنعه المشاركة والعدالة الاجتماعية والاعتراف بالآخر والعمل المستمر.
هادية صباح الخير تكتب.. بدون تردد

The post كسلا أمام اختبار السلام.. لجنة رتق النسيج الاجتماعي بين ضجيج الزيارات وغياب الأثر! تقرير: هادية صباح الخير first appeared on مسار ميديا.