![]()
تجلس الدول الكبرى والصغرى في الجمعية العامة للأمم المتحدة على قاعدة واحدة: لكل دولة صوت واحد، سواء كانت تضم أكثر من مليار نسمة أو لا يتجاوز عدد سكانها عشرات الآلاف.
لا تعني المساواة في التصويت أن جميع القرارات تمر بالطريقة نفسها. فبعضها يعتمد من دون تصويت، وبعضها يحتاج إلى أغلبية بسيطة، فيما تتطلب أغلبية الثلثين.
وهنا يظهر السؤال الذي يختصر كثيرًا من الالتباس: ثلثا ماذا تحديدًا؟ هل هما ثلثا الدول الأعضاء الـ193، أم ثلثا الحاضرين، أم ثلثا من أدلوا بأصواتهم فقط؟
من يكتب مشروع القرار؟
تبدأ العملية عادة بمشروع قرار تقدمه دولة واحدة أو مجموعة من الدول. وقد يأتي المشروع ضمن بند مدرج أصلًا على جدول أعمال الجمعية، أو يُطرح في سياق جلسة خاصة أو طارئة.
وقبل وصول النص إلى التصويت، تدور مفاوضات بين الوفود حول صياغته. وقد تتغير خلال هذه المرحلة فقرات كاملة، أو تُحذف عبارات، أو تضاف تعديلات، في محاولة لتوسيع دائرة المؤيدين أو الوصول إلى صيغة لا تعترض عليها أي دولة علنًا.
وتناقش مشروعات كثيرة أولًا داخل إحدى اللجان الرئيسية الست للجمعية العامة، بحسب موضوعها: نزع السلاح والأمن الدولي، والاقتصاد، والشؤون الاجتماعية والإنسانية، وإنهاء الاستعمار، والإدارة والميزانية، والشؤون القانونية.
تصوّت اللجنة على المشروع، ثم ترفعه في صورة توصية إلى الجلسة العامة، حيث تتخذ الدول القرار النهائي. أما بعض الملفات، فتُبحث مباشرة في الجلسة العامة من دون المرور بإحدى اللجان.
متى يُعتمد القرار من دون تصويت؟
لا تنتهي كل المشروعات بلوحة تعرض أعداد المؤيدين والمعارضين والممتنعين. فعدد كبير من قرارات الجمعية يعتمد بـ”توافق الآراء“، أي من دون إجراء تصويت رسمي.
ويحدث ذلك عندما لا تطلب أي دولة طرح النص للتصويت ولا تعلن اعتراضًا يمنع اعتماده.لكن التوافق لا يعني بالضرورة أن كل دولة تؤيد كل كلمة في القرار؛ إذ يمكن لدولة أن تسجل تحفظها أو تنأى بنفسها عن فقرة محددة، من دون أن تعرقل اعتماد النص كله.
أما إذا طلب وفد إجراء تصويت، فينتقل المشروع إلى واحد من ثلاثة خيارات: نعم، أو لا، أو امتناع.
ما الأغلبية البسيطة؟
تنص المادة 18 من ميثاق الأمم المتحدة على أن قرارات الجمعية العامة في المسائل العادية تُتخذ بأغلبية الأعضاء الحاضرين والمصوتين.
والمقصود بـ”المصوتين” هنا الدول التي تختار نعم أو لا. أما الدول الممتنعة، فلا تدخل في حساب الأغلبية المطلوبة.
إذا صوّتت 120 دولة مثلًا، بصرف النظر عن عدد الدول الحاضرة في القاعة، يحتاج القرار العادي إلى أكثر من نصف الأصوات الصحيحة كي يُعتمد؛ أي إلى 61 صوتًا مؤيدًا إذا توزعت الأصوات بين نعم ولا.
والصياغة الأبسط للأغلبية هنا هي: يجب أن يزيد عدد أصوات نعم على عدد أصوات لا.
متى تُطلب أغلبية الثلثين؟
يخصص الميثاق أغلبية الثلثين لما يسميه “المسائل المهمة”. وتشمل هذه الفئة:
- التوصيات المتعلقة بصون السلم والأمن الدوليين.
-
انتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن.
-
انتخاب أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي وبعض عضويات مجلس الوصاية.
-
قبول دولة جديدة في الأمم المتحدة.
-
تعليق حقوق دولة عضو أو فصلها.
-
المسائل المتعلقة بعمل نظام الوصاية.
-
المسائل المتعلقة بميزانية الأمم المتحدة.
ويمكن للجمعية العامة أن تقرر، بالأغلبية البسيطة، إضافة فئات أخرى إلى المسائل التي تتطلب الثلثين. لكن أغلبية الثلثين لا تعني ثلثي أعضاء الأمم المتحدة جميعًا. إنها ثلثا الدول الحاضرة والمصوتة؛ أي التي اختارت نعم أو لا فقط.
لا تدخل أصوات الدول الممتنعة في حساب الأغلبية البسيطة أو أغلبية الثلثين – الأمم المتحدة
كيف تعمل الحسبة عمليًا؟
لنفترض أن 150 دولة حضرت الجلسة، لكن 30 منها امتنعت عن التصويت.
في هذه الحالة لا تُحسب الأغلبية على أساس 150 دولة، بل على أساس 120 دولة فقط، لأنها مجموع أصوات نعم ولا.
يحتاج القرار عندئذ إلى 80 صوتًا مؤيدًا كي يحصل على أغلبية الثلثين.
ولهذا قد يُعتمد قرار مهم بأقل من 129 صوتًا، وهو الرقم الذي يمثل ثلثي أعضاء الأمم المتحدة الـ193. فعدد الأصوات المطلوب يتغير تبعًا لعدد الدول التي تصوّت فعلًا بنعم أو لا.
وبطريقة أخرى، تتحقق أغلبية الثلثين عندما يكون عدد أصوات نعم مساويًا لضعفي أصوات لا على الأقل. فإذا صوّتت 80 دولة بنعم و40 بلا، يمر القرار تمامًا عند عتبة الثلثين.
هل يوجد في الجمعية العامة حق نقض؟
لا تملك أي دولة حق النقض داخل الجمعية العامة. ويختلف ذلك عن مجلس الأمن، حيث تستطيع أي دولة من الدول الخمس دائمة العضوية إسقاط مشروع قرار موضوعي بالتصويت ضده.
وفي الجمعية، يساوي صوت الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا صوت أي دولة أخرى. تستطيع القوى الكبرى ممارسة الضغط السياسي أو بناء التحالفات، لكنها لا تستطيع بمفردها إبطال قرار يحظى بالأغلبية المطلوبة.
وقد يكون التصويت علنيًا ومسجلًا، فتظهر كيفية تصويت كل دولة، أو يجري بالمناداة على الأسماء. وتُستخدم الاقتراعات السرية عادة في انتخابات بعض المناصب والهيئات.
هل تصبح القرارات ملزمة بعد اعتمادها؟
اعتماد القرار لا يمنحه تلقائيًا قوة قانونية مماثلة لقرار صادر عن مجلس الأمن بموجب صلاحياته الملزمة. فمعظم قرارات الجمعية العامة ذات طبيعة توصوية، تعبّر عن موقف الدول الأعضاء أو تضع مبادئ ومعايير للعمل الدولي.
لكن بعض قراراتها يرتب آثارًا مباشرة داخل منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما تلك المتعلقة بالميزانية والانتخابات وإدارة أجهزة المنظمة.
وتستمد قرارات أخرى ثقلها من حجم التأييد الذي تحظى به. فقرار تؤيده أغلبية واسعة لا يتحول بذلك وحده إلى قانون ملزم للدول، لكنه قد يكشف درجة العزلة السياسية، أو يعزز تفسيرًا لمبادئ الميثاق، أو يسهم مع مرور الوقت في تشكيل قاعدة أو ممارسة دولية.
