كيف نجا مدير مجموعة أصيل القابضة من قبضة الجنجويد ليكسب رهان الصناعة؟

كيف نجا مدير مجموعة أصيل القابضة من قبضة الجنجويد ليكسب رهان الصناعة؟

Loading

كيف نجا مدير مجموعة أصيل القابضة من قبضة الجنجويد ليكسب رهان الصناعة؟

عزمي عبد الرازق

هذه أول زيارة إلى مدينة شندي منذ اندلاع الحرب، وفي الخاطر نغمة “يلا شندي نزور الحبايب”، وجدتها صامدة صمود سيوف دار جعل، المدينة بدأت تنهض قليلاً في معمارها، وربما تغيرت ملامحها بعض الشيء، ثمة نصب تذكاري تحت التشييد لشهداء معركة الكرامة، وقد تزامنت الجولة مع زيارة قام بها وزير الثروة الحيوانية والسمكية البروفيسور أحمد التجاني المنصوري إلى مجموعة أصيل القابضة، إحدى أبرز التجارب الصناعية التي نهضت من قلب الأزمة.

أكثر ما كان لافتاً، بالنسبة لي، هو الحضور الشبابي الكثيف، من المدير العام المهندس محمد عثمان، إلى أصغر عامل في مصنع الصابون، فما أجمل أن ينهض الوطن بسواعد شبابه.

المهندس محمد عثمان حكى تفاصيل مدهشة عن تجربة العودة أثناء الحرب، وتحدي الظروف الأمنية والاقتصادية القاسية. كان الرجل في قبضة مليشيا الدعم السريع في أم درمان مع بداية الهجوم الغادر، قرروا التخلص منه، لكنه نجا بأعجوبة، تسلل خلسة إلى شندي هو ورفيقه دون غيار ملابس، وبسيارة قديمة، ليصنعا مع البقية هذا الصرح والاسم التجاري العملاق. تسلّح الرجل بالعزيمة والإرادة الوطنية، ورغم كل ما أنجزه، فهو لا يحب الأضواء ولا الثرثرة، ويفضل العمل في صمت. ويكفي أن هذه المجموعة فتحت آلاف البيوت في ظل العوز والضيق والحصار والغلاء، ثم بالأمل، والعمل تغيرت الصورة.

عربة واحدة وغيار واحد

يروي محمد عثمان بداية الحكاية بلا تجميل: “جيت بعربية وغيار واحد، من الخرطوم”. بدأنا بمصنع “فريش”، في وقت لم يكن فيه لا تسويق ولا كهرباء، ووصلنا في النهاية إلى 22 خط إنتاج. توسعنا لاحقاً بمصنع بلاستيك، ثم مصنع “أكونيل”، واستمرت العجلة تدور رغم أننا كنا نعمل في خلاء تسكنه الثعالب والثعابين.

كان ذلك في شهر أغسطس 2023، وكله برأس مال محلي خالص. توالت المصانع: البسكويت، ثم اللبن والرز والعدس، وكل هذا تحقق خلال عام 2024. أما الدواجن فبدأت بحظيرتين، ثم خمس، ثم تسع، في ظروف معقدة للغاية.

أعلنت المجموعة عن وحدة تجفيف، في وقت تفتقر فيه أغلب المجازر لهذه التقنية، ثم انطلق أيضاً مشروع الكرتون، بعد أن احترق مصنعهم في أم درمان أيام الحرب بخسارة تقدر بـ35 تريليون جنيه، لكنهم اشتروا خطاً جديداً، وقد رأينا الفتيات يعملن بكد، لأجل لقمة العيش، ولأجل أطفال المدارس، ولم أكن أتخيل أن هذا المكان الصغير يصنع جميع الأوراق، حتى رأيت الماكينات تدور.

الأمن الغذائي والمسؤولية الاجتماعية

في أيام الحصار والمسيّرات الصعبة، زرعوا القمح وحققوا إنتاجية استمرت لعامين على مساحة نحو ألف فدان، غطوا بها حاجة الولايات من القمح في وقت تعطلت فيه معظم المشروعات الزراعية، كما قدموا إسناداً للقوافل والنازحين في إطار المسؤولية المجتمعية، ووصل عطاؤهم إلى المدارس أيضاً.. هذا إنجاز أربع سنوات هنا وفي شندي، توّج برعاية مباراة الهلال والمريخ بعد عودة الحياة إلى الخرطوم.

عمالة بلا حساب للخسارة

يقول مدير الموارد البشرية إنهم استوعبوا كل العمالة التي جاءتهم أثناء الحرب دون حساب للخسارة. بدأوا بعربة واحدة عام 2023 بعد رصاصة دقلو، وفقدوا 55 عربة من نوع “دفار” نُهبت بالكامل، ومعظم الاسطول والمنتجات الجاهزة، لكنهم اليوم يملكون 12 شاحنة “زد إس” و22 شاحنة “أكتروس”، وهو ما ينسبه إلى دعوات الناس وتوفيق رب العالمين.

“ما عاوزين ربح.. عاوزين نحافظ على تحدي صنع في السودان” هذه العبارة التي قالها مدير الموارد البشرية بالمجموعة تلخص فلسفة العمل بأكملها، مؤكداً على أن الربح ليس هو الهدف الأول، ثمة حلم منشود هو أن تصمد علامة “صنع في السودان” تنهض من جديد. اليوم يبلغ عدد العاملين بالمجموعة 2800 عامل، منهم 400 موظف في ولاية نهر النيل، إلى جانب 17 مصنعاً في بحري، و11 مصنعاً في نهر النيل.

من عربة واحدة وغيار وحيد، إلى 11 مصنعاً وآلاف الوظائف، تختصر تجربة مجموعة أصيل في شندي حكاية وطن يرفض الاستسلام، ويعيد بناء نفسه بسواعد شبابه، حجراً حجراً، ومصنعاً مصنعاً، حاملاً شعاراً واحداً، صنع في السودان، أو نحن هنا.