![]()
بقلم/ حسان الناصر
مدخل :
نفتقد اليوم، وسط هذا الضجيج الذي اختلطت فيه الكتابة السياسية بالخصومات العاجلة، شيئاً من التقاليد الفكرية التي أرساها أحمد خير المحامي وجيل الحركة الوطنية السودانية؛ تلك التقاليد التي جعلت من الكتابة مسؤولية تجاه التاريخ، ومن النقد واجباً يتجاوز الأشخاص إلى مساءلة الأفكار والمؤسسات والخيارات التي تصنع مصائر الأمم.
في «كفاح جيل» أحمد خير كان مشغولاً بتفسير نشأة الحركة الوطنية، والكشف عن تناقضاتها، والنظر إلى السياسة باعتبارها عملاً تاريخياً يخضع للفحص والمراجعة.
قيمة ذلك التقليد كانت في إدراكه أن الاختلاف السياسي يجب أن يبتعد عن بالمجاملة، وأن احترام الكاتب لا يقتضي التسليم بحجته، والنص الجاد يستحق نقداً جاداً، مهما اختلفنا مع صاحبه.
من المؤسف أن تتراجع هذه الروح في زمان صار فيه نقد الأفكار يُستقبل أحياناً باعتباره عداءً شخصياً، وصارت الدعوة إلى تجاوز التاريخ شرطاً مزعوماً للإنصاف.
إننا أحوج ما نكون إلى استعادة ذلك الأدب السياسي الرفيع الذي يبعد الاختلاف عن كونه قطيعة مع العقل.
من هذا التقليد تحديداً تنطلق قراءة مقترح فارس النور، قراءة لا تصادر حقه في التعبير، ولا تمنحه حصانة من النقد، ولا تفصل ما يكتبه عن السياق السياسي الذي جاء منه؛ الوفاء الحقيقي لتقاليد الكتابة الوطنية يكون بإخضاع الأفكار لأشد الأسئلة صرامة، خصوصاً حين تتعلق بوحدة الدولة وسيادتها ومستقبل السودانيين.
أي سلام نريد ؟
ثمة فرق جوهري بين السلام الذي تستعيد به الدولة سلطانها، والتسوية التي تتنازل فيها الدولة عن شيء من سيادتها لكي يرضى عنها من حملوا السلاح في وجهها.
في تاريخ الأمم التي أنهكتها الحروب، كثيراً ما جاءت أخطر الهزائم السياسية مرتدية ثياب المصالحة، حين جرى تحويل الوقائع التي فرضتها القوة إلى حقوق مكتسبة، وتحويل الخروج على مؤسسات الدولة إلى استحقاق في إعادة تأسيسها.
الدولة تنتهك مشروعيتها من محاولة رضا المتحاربين عنها، ومؤسساتها إن أصبحت موضوعاً للمساومة في كل مرة حاولت قوة مسلحة أن تفرض نفسها على الجغرافيا والسكان فستنهار.
الدولة تعتبر هي الأطر التي تمنع المجتمع من أن تتحول موازين القوة العابرة فيه إلى دستور دائم، ويصبح السلاح طريقاً موازياً إلى السلطة، بغياب سلطة الدولة وصولجانها يضطر المواطنون، في كل مرة، إلى شراء السلام بالتنازل عن حقهم في دولة واحدة وقانون واحد وجيش واحد.
من هذا الموقع سأقدم قراءة لمقالة فارس النور «مقترح التسوية التاريخية الشاملة للسودان». الكاتب، الذي شغل سابقاً موقعاً استشارياً سياسياً إلى جانب قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، يقدم مشروعاً يبدو في لغته دعوة إلى إغلاق أبواب الحرب وفتح طريق المصالحة الوطنية، وتنطوي ترتيباته على سؤال بالغ الخطورة يتعلق بموقع الدولة نفسها داخل التسوية. إذ يتعامل المقترح مع الدعم السريع بوصفه شريكاً سياسياً يملك حقاً في التفاوض على بنية السلطة ومؤسسة الرئاسة والجيش المقبل.
تصبح الدولة، التي يفترض أن تكون مرجعية التسوية وغايتها، طرفاً في صفقة لإعادة توزيع السلطة بينها وبين القوة التي نازعتها احتكار السلاح والقرار.
المسألة هنا أبعد ما تكون خصومة مع فكرة السلام، ولا انحيازاً إلى استمرار الحرب بوصفها غاية قائمة بذاتها.
الدولة التي ندافع عن وجودها هي في جوهر الأمر، دفاع عن الحق العام في الأمن والاستقرار وعن وحدة المؤسسات التي لا يستطيع المجتمع العيش دونها. كل حرب ينبغي أن تكون لها نهاية سياسية وأمنية تضع حداً للعنف وتعيد المواطنين إلى بيوتهم وأعمالهم وحقوقهم.
الطريق إلى تلك النهاية ستصبح مغلقة إن كانت على أي أساس! التفاوض لإنهاء القتال ليس برسم او محاولة للإعتراف بتكافؤ الشرعية بين القوات المسلحة، باعتبارها المؤسسة العسكرية للدولة، وبين تشكيل مسلح خاض حرباً ضدها.
كما أن ضمان سلامة الأفراد وحقوقهم القانونية هل يقتضي منح التنظيم العسكري الذي انتموا إليه نصيباً مضموناً من السلطة؟ الخلط بين الأمرين هو المدخل الذي تتسرب منه أخطر تنازلات الدولة، حين يجري تقديمها للرأي العام باعتبارها ثمناً ضرورياً للسلام.
ما هو التنازل الذي يردوه النور؟
ما يجعل مقترح فارس النور جديراً بالنقد! أنه يعلن قبوله المبدئي بإنهاء هذا الوضع “تمرد الدعم السريع”، ثم يجعل التخلي عنه «تنازلاً تاريخياً» يستحق مقابلاً سياسياً ودستورياً.
تقع المفارقة التي تكشف بنية المشروع حيث يصبح ما يفترض أن يكون شرطاً لاستعادة الدولة لوحدتها امتيازاً تفاوضياً في يد القوة المسلحة، وتتحول العودة إلى مبدأ الجيش الواحد إلى منحة يقدمها التنظيم للدولة مقابل الاعتراف به شريكاً في حكمها.
كأن السيادة حق موزع بين أصحاب البنادق، وكأن احتكار الدولة للقوة المنظمة نتيجة محتملة لاتفاق تتبادل فيه الأطراف الضمانات والحصص.
الانحياز إلى الدولة في هذه اللحظة أبعد ما يكون تقديس لأشخاص أو إعفاء المؤسسات من الإصلاح والمساءلة، فهو الدفاع عن مبدأ يتجاوز الحكومات والقيادات جميعاً مفاده أن تكون السلطة العامة أوسع من التنظيمات التي تتنافس عليها، وأن يبقى الجيش مؤسسة وطنية واحدة خاضعة للقانون، وأن تُحسم الحقوق السياسية بالمواطنة والدستور، بعيدا عما تملكه الجماعات من السلاح والقدرة على تعطيل الحياة.
إصلاح القوات المسلحة وإبعادها عن المنافسة الحزبية، وإخضاع مؤسسات الدولة للمساءلة، ومعالجة مظالم الأقاليم، وتحقيق العدالة للضحايا، كلها استحقاقات وهي شروط لاستعادة قوتها ومشروعيتها. و أي محاولة لرمسنة الحل ستكون عبارة عن إعادة بناء السلطة على أساس ضمان حصص للقوى المسلحة، وهي مخاطرة بإعادة إنتاج الازدواج الذي دفع السودان ثمنه حرباً وخراباً.
السؤال الذي تثيره «التسوية التاريخية» هو أي سلام يستحق أن يُبنى عليه مستقبل البلاد، سلام تعود فيه القوة المسلحة إلى سلطة الدولة، وتُصان فيه حقوق المواطنين وتُحاسب فيه الجرائم وفق القانون، أم تسوية يُعاد فيها تعريف الدولة لتتسع للامتيازات السياسية التي تطالب بها القوى المسلحة مقابل تخليها التدريجي عن استقلالها؟ وبين هذين الطريقين يقع الفارق بين إنهاء الحرب وإنهاء أسبابها، وبين إعادة تأسيس الدولة وإعادة اقتسامها.
السودان، بعد كل ما تكبده، يحتاج إلى مصالحة تحفظ المجتمع من استمرار الاقتتال، وهي تسوية تعيد الاستقرار وتفتح أبواب السياسة أمام الجميع وفق قواعد القانون. بجانب ذلك يجب ألا تتحول الدولة نفسها إلى غنيمة تفاوضية، ويصبح الاعتراف بالقوة المسلحة شرطاً لعودتها إلى النظام العام.
من حق السودانيين أن يطلبوا السلام، ومن حقهم كذلك أن يرفضوا دفع ثمنه من سيادة دولتهم ووحدة جيشهم وحقهم في العدالة. على هذا الأساس تحديداً ينبغي تفكيك مقترح فارس النور، انطلاقاً من طبيعة السلطة التي يقترح إنشاءها، والضمانات التي يمنحها، والالتزامات التي يؤجلها، والموقع الذي يريد أن يحتفظ به الدعم السريع داخل الدولة السودانية المقبلة.
ما التسوية إذن؟
في مقال «مقترح التسوية التاريخية الشاملة للسودان»، يبدأ النور من إعادة صياغة السؤال السياسي الذي ينبغي، بحسب تصوره، أن يحكم التفكير في الحرب. فهو يقترح الانتقال من سؤال «كيف يُحسم الصراع لصالح طرف على حساب الآخر؟» إلى سؤال «كيف يستطيع كل طرف أن يربح من السلام أكثر مما يستطيع أن يربح من الحرب؟».
تبدو هذه الصياغة، في مستواها الأول، محاولة لتجاوز منطق الحسم العسكري وفتح المجال أمام تسوية تفاوضية. غير أن السؤال يحمل افتراضاً سياسياً أعمق، يتمثل في اعتبار جميع الأطراف المتصارعة أصحاب مصالح ينبغي حمايتها عبر اتفاق متبادل، دون أن يسبق ذلك تحديد واضح للفروق بين طبيعة هذه الأطراف، ومواقعها القانونية، ومسؤولياتها عن الحرب، ومدى مشروعية المصالح التي تطالب بضمانها.
يضع النور القوات المسلحة والدعم السريع وحركات الكفاح المسلح والإسلاميين والقوى المدنية ضمن قائمة واحدة من الفاعلين الذين ينبغي أن يحصل كل منهم على ضمانة مقابل تنازل تاريخي.
من حيث المبدأ، يمكن أن تحتاج التسويات المعقدة إلى معالجة مخاوف أطراف متعددة، بما في ذلك الأطراف التي تمتلك القدرة على مواصلة الحرب أو تعطيل السلام. تحويل هذه الضرورة التفاوضية إلى مساواة في الشرعية السياسية يمثل إشكالية جوهرية. القوات المسلحة، بصرف النظر عن أدوار قياداتها في السياسة أو مسؤوليات أفرادها عن أي انتهاكات، مؤسسة من مؤسسات الدولة، بينما الدعم السريع تشكيل عسكري نشأ ضمن ترتيبات قانونية خاصة، ثم أصبح طرفاً في حرب ضد القوات المسلحة.
أما القوى المدنية فهي تنظيمات سياسية لا تستمد وجودها المشروع من امتلاك السلاح، في حين يمثل الإسلاميون تياراً سياسياً واجتماعياً متعدد التنظيمات والاتجاهات. وهذه الفروق أبعد ما تكون تفصيلات شكلية يمكن تجاوزها من أجل تسهيل الاتفاق، هي تتعلق بالأساس الذي تقوم عليه الدولة وبالتمييز بين مؤسساتها والتشكيلات المسلحة والتنظيمات السياسية.
يظهر هذا الخلط بوضوح في المعادلة التي يقدمها الكاتب بشأن القوات المسلحة، حين يقول إن «ضمانة الجيش، بقاء المؤسسة وحمايتها ومكانتها القومية. تنازله التاريخي، التخلي النهائي عن الحكم». ويحدد وضع الدعم السريع بالقول إن «ضمانة الدعم السريع، عدم الإلغاء والمشاركة في بناء الدولة والجيش الجديد. وتنازله التاريخي، إنهاء وجوده كجيش مستقل».
تكشف المقارنة بين العبارتين عن طبيعة المشروع السياسي. القوات المسلحة مطالبة بالتخلي عن الحكم، وهو مطلب يتصل بالفصل بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، يحصل الدعم السريع على الاعتراف والمشاركة في إعادة تأسيس الدولة مقابل إنهاء استقلاله العسكري.
يجري تقديم التخلي عن وضع عسكري موازٍ بوصفه تنازلاً يستحق مقابلاً سياسياً، بدلاً من اعتباره شرطاً أساسياً لاستعادة وحدة المؤسسة العسكرية واحتكار الدولة للقوة المنظمة.
هذه الملاحظة لا تعني أن التفاوض مع الدعم السريع أمر غير ممكن من حيث المبدأ، أو أن معالجة أوضاع أفراده يمكن تجاوزها في أي ترتيبات لإنهاء الحرب. في التجارب الدولية في إنهاء النزاعات المسلحة تتضمن ترتيبات معقدة للتسريح وإعادة الإدماج وإصلاح القطاع الأمني، وقد تقتضي توفير ضمانات للأفراد الذين يتركون القتال، وحماية حقوقهم القانونية، ومعالجة أوضاع المجتمعات المرتبطة بهم.
الفارق الحاسم يقع بين معالجة الأوضاع الأمنية والاجتماعية والقانونية للأفراد، وبين منح التنظيم العسكري نفسه موقعاً سياسياً مضموناً داخل مؤسسات الحكم.
المشاركة السياسية ما هي بالضرورة المقابل الوحيد أو المشروع لإنهاء التمرد أو تفكيك القوة المسلحة، كما أن القدرة على مواصلة الحرب من المهم عدم السماح لها أن تتحول تلقائياً إلى مصدر للحقوق الدستورية.
يزداد هذا الإشكال عندما ينتقل الكاتب من الاعتراف بالدعم السريع إلى اقتراح مشاركته في مؤسسة الرئاسة الانتقالية، إلى جانب القوات المسلحة والقوى الأخرى المشمولة بالتسوية.
فهو ينص على أن الاتفاق يتضمن «مشاركة سياسية وانتقالية مناسبة داخل مؤسسات الدولة، بما فيها ترتيبات مؤسسة الرئاسة، بما يمنح السلام ضماناته السياسية ولا يجعل الاتفاق مرادفاً للاستسلام».
تمثل هذه العبارة إحدى أكثر النقاط كشفاً عن المنطق الذي يحكم المشروع، لأنها تربط بصورة مباشرة بين قبول الدعم السريع إنهاء الحرب وبين حصوله على تمثيل سياسي في أعلى مؤسسات الدولة.
يصبح تجنب الاستسلام، في هذا التصور، مرادفاً للاحتفاظ بموقع في السلطة، رغم أن التسوية الأمنية يمكن أن توفر ضمانات مشروعة للأفراد دون تحويل قيادات التشكيلات المسلحة إلى شركاء دستوريين بحكم امتلاكهم القوة.
تتعلق المشكلة أيضاً بتسلسل تنفيذ الالتزامات. النور يقدم المشاركة السياسية بوصفها ضمانة للتسوية، بينما يطرح توحيد الجيش ضمن عملية انتقالية ممتدة.
هذا يثير سؤالاً أساسياً عن طبيعة السلطة التي سيحتفظ بها الدعم السريع خلال الفترة الفاصلة بين توقيع الاتفاق واكتمال الدمج والتسريح. فإذا حصل التنظيم على موقع داخل مؤسسة الرئاسة قبل انتهاء استقلاله العسكري، فستنشأ ازدواجية تجمع بين المشاركة في السلطة والاحتفاظ بأداة ضغط مسلحة خارج القيادة الموحدة. وإذا تعثرت ترتيبات الدمج، فما الجهة التي ستملك القدرة على إلزامه بتنفيذ الاتفاق؟ وهل ستتمكن الحكومة المدنية من اتخاذ قرارات مستقلة في مواجهة قوة تشارك في المؤسسة السيادية وتحتفظ في الوقت نفسه ببنيتها العسكرية ومواردها الخاصة؟ لا يقدم المقال إجابات كافية عن هذه الأسئلة، رغم أنها تتعلق بإمكانية تنفيذ التسوية واستمرارها.
هل سنصل للنتيجة النهائية؟
يستخدم الكاتب شعار الجيش الواحد بوصفه النتيجة النهائية التي ستصل إليها العملية، قائلاً: «جيش سوداني واحد، قيادة عسكرية واحدة، وسلاح شرعي واحد».
هذه غاية يمكن الاتفاق على أهميتها في بناء الدولة، لكن إعلان الغاية لا يكفي لإثبات أن الوسيلة المقترحة قادرة على تحقيقها. توحيد المؤسسة العسكرية يتطلب تحديد مرجعية القيادة والسيطرة، وآليات جمع السلاح وحصره، وشروط قبول الأفراد في الخدمة، ومعايير الترقيات والرتب، وإعادة توزيع القوات، وفحص المسؤوليات الجنائية، وتفكيك شبكات التمويل والتجنيد المستقلة.
كما يتطلب معالجة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح للتشكيلات المسلحة بالاستمرار خارج مؤسسات الدولة. وفي غياب هذه الترتيبات، قد يتحول الدمج إلى إعادة توزيع للمناصب العسكرية بين القيادات، مع استمرار الولاءات التنظيمية وشبكات النفوذ داخل المؤسسة الموحدة اسمياً.
تتضح محدودية المقترح أكثر عند النظر إلى الاقتصاد السياسي للحرب. الكاتب يتحدث عن إنهاء الجيوش المستقلة، لكنه ينسى أن يقدم معالجة متماسكة لمصادر القوة الاقتصادية التي تتيح لهذه الجيوش البقاء. التشكيلات المسلحة تستمد قدرتها على الاستمرار من السلاح ومن شبكات التمويل والتجارة والسيطرة على الموارد والجبايات والعلاقات العابرة للحدود.
يطرح المقال إشكالية تتعلق بطبيعة المرحلة الانتقالية المقترحة ومدتها. فاختيار سبع سنوات لإعادة تأسيس الدولة يبدو قراراً سياسياً أكثر منه نتيجة لتقدير مؤسسي مفصل. يجمع الكاتب داخل هذه السنوات وقف الحرب وتوحيد الجيش وإعادة بناء القضاء والشرطة والخدمة المدنية وإعادة الإعمار وعودة النازحين واللاجئين ومعالجة قضايا الأراضي والحواكير وإجراء التعداد السكاني وكتابة الدستور الدائم.
هذه مهام واسعة ومختلفة في طبيعتها ومتطلباتها، وبعضها يحتاج إلى مؤسسات مستقرة وموارد كبيرة وتوافقات اجتماعية يصعب ضمان إنجازها ضمن جدول زمني واحد. ولا يوضح الكاتب لماذا تحتاج هذه العمليات إلى سبع سنوات تحديداً، ولا ما المعايير التي ستستخدم لتقييم التقدم، ولا كيف ستُمنع الأطراف المستفيدة من الترتيبات الانتقالية من تعطيل تنفيذها.
ثم يضيف الكاتب خمس سنوات أخرى بوصفها أول دورة دستورية بعد الانتخابات، مع استمرار «قدر متفق عليه من التوافق الوطني حول الملفات السيادية الكبرى».
يمكن أن تكون الدورة الانتخابية الممتدة لخمس سنوات ترتيباً دستورياً عادياً، لكن استمرار تفاهمات سياسية خاصة حول الملفات السيادية بعد الانتخابات يثير احتمال بقاء امتيازات الأطراف المؤسسة للتسوية فوق الإرادة الانتخابية. فهل ستكون الحكومة المنتخبة حرة في مراجعة السياسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، أم ستظل مقيدة بتفاهمات أبرمتها القيادات العسكرية والسياسية خلال المرحلة الانتقالية؟ وهل سيملك البرلمان المنتخب سلطة تعديل تلك التفاهمات، أم ستُعامل باعتبارها ضمانات لا يجوز المساس بها؟. غياب الإجابة يترك الباب مفتوحاً أمام انتقال طويل يحتفظ فيه أصحاب القوة الحالية بنفوذ خاص، حتى بعد انتهاء الترتيبات الاستثنائية من الناحية الشكلية.
لماذا يضحي النور بالعدالة؟
تبلغ الإشكالية في مقترح فارس النور ذروتها عند حديثه عن العدالة، حيث تتبدد الدقة التي يوزع بها الضمانات السياسية على أطراف التسوية، وتحل محلها عبارات عامة عن المحاسبة وسيادة القانون وحقوق الضحايا.
الكاتب يحدد للقوات المسلحة موقعها في مؤسسة الرئاسة، وللدعم السريع نصيبه من المشاركة في بناء الجيش والدولة، وللقوى السياسية ضمانات حضورها في السلطة، ثم يترك العدالة معلقة على وعود مستقبلية.يتكشف الاختلال الجوهري في المشروع ضمانات محددة لأصحاب السلاح، وحقوق مؤجلة لمن دفعوا ثمن استخدامه.
هذه المفارقة تتجاوز ضعف الصياغة إلى طبيعة التسوية نفسها، وإلى السؤال عمن تمنحه الأولوية الدولة ومواطنوها، أم القوى التي تمتلك القدرة على استمرار الحرب؟
يستدعي فارس النور مبدأ المسؤولية الفردية ورفض العقاب الجماعي، وهما من أسس العدالة وسيادة القانون. لكن تحويل المبادئ إلى ضمانات فعلية يتطلب مؤسسات تحقيق مستقلة، وقضاءً قادراً على مساءلة المسؤولين عن الجرائم، بمن فيهم أصحاب المسؤولية القيادية متى توافرت شروطها القانونية، وآليات لحماية الشهود وحفظ الأدلة واسترداد الممتلكات وجبر الضرر وكشف مصير المفقودين.
هذه الترتيبات تغيب عنها الدقة التي تحظى بها حصص السلطة ومواقع القيادات. والأخطر أن المشروع يمنح القوى المسلحة أدواراً سيادية خلال المرحلة نفسها التي يُفترض أن تشهد التحقيق في الانتهاكات، من غير معالجة كافية للتعارض المحتمل بين نفوذ تلك القوى واستقلال المؤسسات العدلية.
تزداد خطورة هذا الاختلال حين تصبح مخاوف القيادات من المحاسبة جزءاً من الحجة الداعية إلى منحها ضمانات سياسية.
الخوف من العقاب قد يفسر حسابات بعض أطراف الحرب، ويظل عاجزاً عن تأسيس حق سياسي جديد. التفاوض لإنهاء القتال يختلف عن مكافأة التنظيم المسلح بموقع في الحكم، مثلما تختلف حماية الأفراد من الانتقام عن حماية النفوذ الذي اكتسبته القيادات بقوة السلاح.
عندما تصبح القدرة على مواصلة الحرب وسيلة للحصول على ضمانات استثنائية، تتحول التسوية من أداة لاستعادة سلطان الدولة إلى سابقة تشجع على انتزاع الامتيازات بالقوة.
ثم إن الضحايا يحضرون في المقال بوصفهم حجة أخلاقية لإنهاء الحرب، بينما يغيبون عن المعادلة التي تحدد شروط السلام.
النازحون واللاجئون وأصحاب الأراضي والممتلكات المنهوبة يظهرون ضمن برامج العودة والتعويض والإعمار، في حين تتقدم القيادات العسكرية والسياسية بوصفها الأطراف التي تملك تحديد مستقبل الدولة.
في دارفور وكردفان والجزيرة والخرطوم، تتصل العودة الآمنة باسترداد المنازل والأراضي، وإعادة بناء القضاء والشرطة والإدارة المحلية، ومعالجة النزاعات التي خلفها العنف والتهجير. وهذه حقوق تتطلب مشاركة المجتمعات المتضررة في صياغة الحلول، ومؤسسات قادرة على تنفيذها، وسلطة عامة تحميها من تجدد الاعتداء.
السؤال عن العدالة يتصل مباشرة بالسؤال عن السيادة. الدولة التي تستعيد الأرض وتترك حقوق مواطنيها رهينة التفاهمات السياسية تكون قد استعادت جانباً من سلطتها وفقدت جانباً من معناها.
السيادة التي ندافع عنها تشمل احتكار الدولة للقوة المنظمة، كما تشمل احتكار مؤسساتها المختصة لسلطة إنفاذ القانون، وقدرتها على مساءلة أصحاب النفوذ وحماية المواطنين. ومن هنا تتحدد قيمة الانحياز إلى الدولة الدفاع عن مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، وقضاء مستقل، وسلطة مدنية دستورية، وقانون تسري أحكامه على الجميع.
يطرح فارس النور الوفاء للضحايا من خلال جعل الحرب الحالية آخر الحروب التي يدفع فيها السودانيون هذا الثمن الفادح.
منع التكرار يرتبط بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتفكيك البنى التي أتاحت ارتكابها، وإصلاح المؤسسات التي عجزت عن حماية المجتمع. المصالحة التي تتجاوز الحقيقة تترك المظالم كامنة، والتسوية التي تؤجل العدالة تمنح أسباب الصراع فرصة جديدة للحياة. أما السلام القادر على الاستمرار فيبدأ حين يدرك المواطن أن حقوقه تحظى بحماية القانون، وأن موقع أي قائد في السلطة يعجز عن حجب المسؤولية عنه متى ثبتت وفق إجراءات قضائية عادلة.
تتحدد المسألة التي يحاول مقترح «التسوية التاريخية» الالتفاف حولها بصيغة الضمانات المتبادلة.
الدعم السريع، بوصفه تنظيماً مسلحاً، مطالب بإنهاء استقلاله العسكري والخضوع لترتيبات الدولة وقوانينها؛ وتحويل هذا الالتزام إلى «تنازل تاريخي» يستحق مقابلاً سياسياً يعني منح السلاح قيمة دستورية سابقة على التخلي عنه.
إذا اقترن ذلك بضمانات للقيادات تسبق المحاسبة واسترداد الحقوق، فإن الاتفاق يكون قد نقل موازين القوة التي أنتجتها الحرب إلى داخل مؤسسات الدولة الجديدة.
السودان يحتاج إلى سلام يعيد للدولة سلطانها، وللمواطن حقوقه، وللقضاء استقلاله، وللمؤسسة العسكرية وحدتها. يحتاج إلى تسوية تكون فيها الضمانات القانونية والأمنية وسيلة لإنهاء القتال، بينما تبقى الحقوق السياسية محكومة بالدستور والمواطنة، والمسؤوليات الجنائية محكومة بالقضاء والأدلة. وفي هذه الحدود وحدها تكتسب المصالحة معناها الوطني، ويتحول وقف الحرب إلى بداية فعلية لإعادة بناء الدولة.