للذين يدّعون أنهم يحاربون دولة (56)

للذين يدّعون أنهم يحاربون دولة (56)

Loading

 

إعداد : أ / مختار مأمون

إن الادعاء الباطل بمحاربة دولة (56) ليس إلا محض افتراء، وإن الذين يلقون الكلام جزافًا وعلى عواهنه، وينكرون الجميل، عليهم قراءة تاريخ هذه الأمة وكيف حقق الرعيل الأول الاستقلال.

إن استقلال السودان لم يأتِ هبة أو تفضّلًا من أحد، وإنما جاء تتويجًا لكفاح جيل وإجماع أمة، شارك فيه كل الشعب السوداني وقياداته التي وهبت نفسها من أجل تحرير السودان من قبضة الاستعمار الذي جثم على صدر هذه الأمة لعدة عقود من الزمن.

إن الاستقلال خرج من رحم المعاناة، وبعد مخاض عسير أخرجه إلى الوجود غطاسون بارعون، واستهل وصوته قويًا مجلجلًا شق عنان السماء، معلنًا للعالم أجمع أن السودان أصبح حرًا مستقلًا، ومن أوائل الدول العربية والأفريقية التي حققت استقلالًا ناصعًا، كما قال الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري: «إن الاستقلال جاء نظيفًا كصحن الصيني، لا شق ولا طق فيه».

وهذا يؤكد إجماع الأمة السودانية، شرقها وغربها وشمالها وجنوبها.

وفي هذا المقال نورد، كيف جاء الاستقلال، كما جاء في كتاب الدكتور عبد الوهاب أحمد عبد الرحمن «الحركة الوطنية السودانية بين وحدة وادي النيل والاستقلال 1919–1956»، حيث نورد من هذا الكتاب مقتطفات لكي يعي الذين لا يعرفون التاريخ، أو يعرفونه ويكابرون، أنهم حين يدّعون أنهم يحاربون دولة (56)، فإن عليهم أن يدركوا كيف تحقق الاستقلال.

لقد كان تحقيق الاستقلال ورفع علم السودان عاليًا خفاقًا في سرايا القصر الجمهوري، ذلك العلم ذو الألوان الثلاثة: الأزرق والأصفر والأخضر، الذي رفعه الزعيمان الخالدين إسماعيل الأزهري والأستاذ محمد أحمد محجوب، وأنزلا العلمين الإنجليزي والمصري، لحظات تاريخية أذرفت فيها دموع الرجال قبل النساء فرحًا بإعلان فجر جديد وميلاد مارد عملاق سيكون له شأن على مستوى العالم.

إن دولة (56) شارك في ميلادها كل الشعب السوداني، بمختلف أحزابه وطوائفه ومكوناته الإثنية، دون عزلٍ لأحد.

حيث جاء في كتاب الدكتور عبد الوهاب:

وجاء السبت الموافق 17 ديسمبر 1955م، حيث اجتمعت الأحزاب السودانية كلها، حكومة ومعارضة، واتفقت على تقديم أربعة مقترحات يجيزها البرلمان مجتمعًا، ويشارك في تقديمها نواب من سائر الأحزاب والاتجاهات السياسية، تأكيدًا للوحدة الوطنية وتعبيرًا عن الموافقة الاجتماعية عليها.

وكان الاقتراح الأول خاصًا بمطالب الجنوبيين باتحاد فدرالي بين المديريات الجنوبية الثلاث وشمال السودان في نطاق وحدة القطر.

والاقتراح الثاني خاصًا بطلب الاعتراف باستقلال السودان فورًا من داخل البرلمان.

والاقتراح الثالث يتعلق بقيام مجلس لرئاسة دولة سودانية من خمسة أعضاء.

أما الاقتراح الرابع، فكان متعلقًا بقيام جمعية تأسيسية منتخبة لوضع وإقرار الدستور الدائم للبلاد وقانون انتخابات البرلمان المقبل.

وفي يوم الأحد 18 ديسمبر 1955م، تم اجتماع بغرفة اللجان بمجلس الشيوخ، وتم الاطلاع على نصوص الاقتراحات، واستقر الرأي، تجسيدًا للروح القومية وتدعيمًا للروح الوطنية، على أن يتقدم نواب من الصفوف الخلفية من جانبي المجلس بهذه الاقتراحات والتثنية عليها، وأن يعقب على المداولة في كل اقتراح كل من محمد أحمد محجوب، زعيم المعارضة، ومبارك زروق، زعيم المجلس.

وقد تم تحديد النواب الذين يقدمون الاقتراحات والذين سيقومون بالتثنية عليها.

إعلان الاستقلال

وجاء اليوم الموعود، يوم الاثنين 19 ديسمبر 1955م، فعقد مجلس النواب جلسته رقم 43 الخالدة، وتقدم ميرغني حسين ذاكي الدين، نائب دائرة البديرية بكردفان عن حزب الأمة، بالاقتراح التالي المتفق عليه، وكان نص الاقتراح كالتالي:

«نحن أعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعًا، نرى أن مطالب الجنوبيين لحكومة فدرالية للمديريات الثلاث ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية».

ووقف بعده بنجامين لوكي، نائب دائرة ياي بالمديرية الاستوائية ورئيس حزب الأحرار الجنوبي، وأثنى على الاقتراح، ثم قال:

«عندما بدأ السودانيون يتشاورون في شؤون بلادهم، فإن أنجح طريقة للتشاور هي أن تكون للجنوب حكومة فدرالية، وكلنا نسعى ونهدف لأن يكون السودان وحدة لا تتجزأ، وإنني أقول إن هذا الهدف لن يتحقق إلا إذا كانت هناك فدرالية للمديريات الثلاث، وإنني على ثقة أن هذا الاقتراح سيرسل الطمأنينة لإخواننا في الجنوب، وأنهم سيشعرون جميعًا أننا هنا في الخرطوم نعمل على راحتهم».

ثم عقب على المداولة في الاقتراح محمد أحمد محجوب، زعيم المعارضة، ومبارك زروق، زعيم المجلس، وأجيز الاقتراح بالإجماع.

ونهض بعد ذلك عبد الرحمن محمد إبراهيم دبكة، نائب دائرة نيالا بقارة غرب عن حزب الأمة، متقدمًا بالاقتراح التالي الخاص باستقلال السودان:

«سيد الرئيس، أرجو أن أقترح الآتي: أن يقدم خطاب إلى معالي الحاكم العام بالنص الآتي: نحن أعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعًا، نعلن باسم الشعب السوداني أن السودان قد أصبح دولة مستقلة كاملة السيادة، ونرجو من معاليكم أن تطلبوا من دولتي الحكم الثنائي الاعتراف بهذا الإعلان فورًا».

وبعد أن تحدث عن الاقتراح ومؤيدًا له، وقف مشاور جمعة سهل، نائب دائرة دار حامد عن الحزب الوطني الاتحادي، وقال:

«إنني أثني على هذا الاقتراح التاريخي الخطير، وأقدر مدى الشرف الذي يناله مقترحه ومؤيدوه في جلسة كهذه، سوف يسجلها في سجل الشرف تاريخ هذه البلاد المجيدة، وسوف يكون حدًا فاصلًا بين عهد الاستعمار الذي رزحنا تحته سبعة وخمسين عامًا، وعهد الحرية الكاملة والسيادة التامة والانعتاق الذي يجعل السودان أمة واحدة بكل مقوماتها، لا تستوحي في شؤونها الداخلية والخارجية إلا مصلحة وإرادة الأمة، وتقيم علاقاتها مع الدول جميعًا على قدم المساواة، بين ند وند، لا سيد وعبد».

وتحدث محمد أحمد محجوب، زعيم المعارضة، مؤيدًا الاقتراح في حماس بالغ وإحساس بالعزة والكرامة، وقائلًا: «على ماذا يختلف الشعب؟».

وعقبه مبارك زروق، وزير المواصلات وزعيم المجلس، قائلًا:

«إنما قطعناه في حساب الزمن لا يتجاوز عامين، ولكن في حساب الحوادث والقيم والانتصارات سجل ضخم تحسدنا عليه الأجيال القادمة، حينما نصبح نحن جميعًا جزءًا من ثرى هذه الأرض المقدسة، وحينما يصبح جيلنا هذا أثرًا من آثار التاريخ».

ثم واصل حديثه قائلًا:

«إن هذا اليوم يسجل انتصارًا ضخمًا من انتصارات الشعب على أعداء الحرية، وعلى الشقاق والخوف، وإن إعلان الاستقلال من داخل هذا البرلمان سيظل ذكرى حية لمدى ما يمكن أن يحققه الشعب الموحد الكلمة، المؤمن بحقه، ولن يزيدنا هذا اليوم إلا إيمانًا بقوة هذا الشعب الجبار وصلاحيته التي لا تنازع في أن يعيش حرًا كريمًا، وأنه شعب مهيأ للديمقراطية، وأنه سيظل دائمًا يفرض إرادته على كل إرادة، فعلينا نحن ممثليه ونوابه أن نكون في خدمته، وأن نظل رهن إشاراته، لأن تمجيد الشعب وتقديره أسمى من الحكم والسلطان، وقوته الدافعة لا يستطيع أن يقف في وجهها إنسان».

وبعدها طُرح الاقتراح لأخذ الرأي عليه، وأُقر بالإجماع.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإجماع على الاستقلال كان رائعًا، وشمل حتى محمد نور الدين الاتحادي المعروف، الذي كرّس حياته السياسية للدعوة لتحقيق وحدة وادي النيل واندماج السودان ومصر اندماجًا كاملًا، لتصبحا، كما كان يردد دائمًا بلهجته النوبية المميزة: «حتة واحدة».

وقد وقف مؤيدًا اقتراح الاستقلال، ومؤكدًا أن السودان المستقل سيكون أفضل شقيق وصديق لمصر.

وفي هذا دليل ساطع ورد حاسم على الذين يدّعون زورًا وبهتانًا أنهم يحاربون دولة (56)، فعليهم الرجوع إلى أنفسهم وقراءة التاريخ دون تزوير أو مكابرة.