![]()
المعلومات الصادمة التي نكشف عنها في هذا المقال هي وقائع مالية وإدارية اتُّخذت بشأنها إجراءات قانونية، وأُحيل ملفها إلى نيابة المال العام.
وثّق هذه المعلومات تقرير المراجع العام بشأن شعبة أصحاب وكالات السفر والسياحة، عن الفترة من يناير 2024 إلى يونيو 2026. وهي الشعبة المعنية بتنظيم قطاع الحج والعمرة؛ أي القطاع المتصل بأعظم شعائر الله، والذي يُفترض أن يكون عنواناً للأمانة والانضباط المالي.
بدأ المراجع العام تقريره بما قدمته إدارة الشعبة من أصول ومعدات حتى 30 يونيو 2026، إذ لم يجد المراجعون ما يثبت إجراء جرد موثق لهذه الأصول. والأخطر أن القائمة خلت من بيانات تشمل قيمة الأصل وتاريخ شرائه ورقم تسجيله ومعدل إهلاكه.
وهنا يقفز السؤال الذي يفرض نفسه: هل اشترت الشعبة أصولاً حقيقية خلال هذه السنوات؟ وما قيمتها؟ وأين فواتير الشراء ومستندات الملكية وسجلات الجرد التي تثبت وجودها؟ إن غياب هذه البيانات يفتح باب الريبة حول إدارة المال، وإمكانية الشعبة من إثبات ما تملكه بالفعل.
إضافة إلى ذلك، تظهر واقعة أخرى تستوجب التوقف عندها، حيث أودعت الإدارة خلال عام 2024 جزءاً من أموال الشعبة في الحساب البنكي الشخصي للمدير التنفيذي.
وبدأ عام 2024 برصيد بلغ (27.94) مليون جنيه، ثم أضيفت إيرادات بقيمة (1.1) مليون جنيه، ليصل إجمالي النقد إلى (29.04) مليون جنيه.
والمثير للانتباه أن الرصيد الذي بدأ به عام 2025 بلغ الرقم نفسه، وكأن الحسابات لم تشهد أي مصروفات خلال العام السابق، رغم وجود إيرادات وحركة مالية يُفترض أن تنعكس على الأرصدة الختامية.
ندخل إلى عام 2025، حيث تتضح فروقات مالية أخرى. بدأت الشعبة العام برصيد قدره (29.04) مليون جنيه، وحققت إيرادات بلغت (108.23) مليون جنيه، ليصل إجمالي الأموال إلى (137.27) مليون جنيه. ووفقاً للمستندات التي قدمتها إدارة الشعبة، بلغت المصروفات (94.82) مليون جنيه.
وبعملية حسابية مباشرة، يُفترض أن يتبقى في نهاية العام نحو (42.45) مليون جنيه، لكن تقرير المراجع أظهر رصيداً قدره (13.46) مليون جنيه فقط! أين بقية الأموال؟ وإذا كانت هناك التزامات أو تسويات أخرى، فلماذا لم تظهر بصورة واضحة تسمح للمراجعين بالتحقق منها؟
من بين التفاصيل التي تستحق المساءلة تخصيص (64.8) مليون جنيه للمصروفات الإدارية خلال عام 2025. وشملت هذه المصروفات (22) مليون جنيه لمأموريات إلى بورتسودان، و(7.2) مليون جنيه حوافز للأعياد ورمضان. كما ظهرت بنود تتعلق بحج إحدى الموظفات، تجاوز مجموعها (30) مليون جنيه.
وكشف التقرير عن مبلغ (11.85) مليون جنيه رسوماً للتأشيرة، بما يعادل نحو 15 ألف ريال، إلى جانب (17.75) مليون جنيه استحقاقاً لحج الموظفة.
إذا كانت حسابات عام 2025 قد كشفت فروقات مالية كبيرة، فإن النصف الأول من عام 2026 يكشف ما هو أخطر.
خلال ستة أشهر، بلغت إيرادات الشعبة (45.9) مليون جنيه، بينما أظهرت المستندات استحقاقات للحج بقيمة 50 مليون جنيه لشخصين فقط من الموظفين؛ أي إن المبلغ المخصص لهذين الشخصين تجاوز إجمالي إيرادات الشعبة خلال نصف عام كامل، وذلك قبل احتساب رواتبهما البالغة 16.2 مليون جنيه، وحوافز الأعياد ومصاريف السفر.
وبحسب الأرقام، هناك عجز بين إيرادات الشعبة وتكلفة حج الموظفين. والمثير للدهشة هو: كيف تمكنت الشعبة من تغطية هذه الالتزامات؟ ومن أين جاءت الأموال اللازمة للوفاء بها؟ وما الأساس الإداري والمالي الذي استندت إليه هذه الاستحقاقات؟
وفي عام 2026، بلغت إيرادات الشعبة نحو (88.35) مليون جنيه. وبعد خصم المصروفات، أظهرت المستندات رصيداً قدره (13.73) مليون جنيه. لكن التقرير أكد أن الرصيد وفق السجلات المحاسبية الفعلية لم يُقدَّم أصلاً، الأمر الذي حال دون إجراء التسوية النهائية، إذ لم تتوافر المستندات التي تسمح بمطابقة الإيرادات والمصروفات والأرصدة.
لم يتوقف تقرير المراجع العام عند الأرقام والفروقات المالية، بل خلص إلى أن نظام الرقابة الداخلية وإدارة المخاطر في الشعبة لم يكن منشأً أو فاعلاً بالصورة المطلوبة، وصنّف أغلب القضايا المرصودة ضمن فئة المخاطر العالية.
كما سجّل تقرير المراجع (21) ملاحظة تفصيلية، كانت الأساس الذي استندت إليه البلاغات والإجراءات القانونية الجارية.
وبحسب المعلومات الواردة إلينا من مصادرنا، رفع المراجع العام تقريره إلى مسجل عام تنظيمات العمل، مولانا آمنة كبر، التي اتخذت قراراً بتجميد نشاط إدارة شعبة أصحاب وكالات السفر والسياحة، وإحالة الملف إلى نيابة المال العام لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وفي اليوم التالي، صدر قرار عن رئيس الوزراء د. كامل إدريس بإقالتها من منصب مسجل عام تنظيمات العمل، ونقلها إلى إدارة أخرى هامشية.
إن قرار رئيس الوزراء بإقالة مسجل عام تنظيمات العمل بالتزامن مع قضية شعبة وكالات السفر يضع نيابة المال العام أمام تساؤلات الرأي العام، وأهمها: هل ستصل التحقيقات إلى نهايتها، لتكشف مصير كل جنيه وتحدد المسؤولين عن تلك الفروقات، أم سيظل تقرير المراجع العام حبيس الأدراج؟
ذلك ما ننتظر أن تجيب عنه نيابة المال العام.
محبتي واحترامي