لماذا لا يوافق العيد الوطني البحريني تاريخ الاستقلال؟

لماذا لا يوافق العيد الوطني البحريني تاريخ الاستقلال؟

Loading

يضع التقويم الرسمي البحريني تاريخين متباعدين أمام الباحث عن يوم ولادة الدولة الحديثة. فقد نالت البحرين استقلالها عن المملكة المتحدة في 15 أغسطس/ آب 1971، لكنها تحتفل بعيدها الوطني في 16 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام. 

غير أنّ الاختلاف لا يعود إلى خطأ في التأريخ، ولا يعني في الوقت نفسه، أن الاستقلال حصل على مرحلتين يفصل بينهما أربعة أشهر.

في الواقع، يمثل 15 أغسطس لحظة قانونية ودبلوماسية انتهت فيها علاقة الحماية الخاصة مع بريطانيا، بينما ينتمي 16 ديسمبر إلى مسار آخر بدأ قبل الاستقلال بعقد كامل، وارتبط بجلوس الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة على الحكم، ثم تحوّل بقرار رسمي إلى العيد الوطني للدولة.


تكشف القصة أن الأيام الوطنية لا تُختار دائمًا لتسجيل اليوم الذي غادرت فيه القوة الأجنبية. فقد تجمع الدولة في يوم واحد معنى السيادة واستمرار الحكم وتأسيس المؤسسات، وتختار من تاريخها اللحظة التي تريد تحويلها إلى رمز جامع. هذا تحديدًا ما حدث في البحرين عام 1971.


تاريخان.. ومعنيان مختلفان 

15 أغسطس.. يوم استقلال البحرين


لم تكن البحرين مستعمرة بريطانية بالصيغة الإدارية التقليدية، لكنها خضعت منذ القرن التاسع عشر لسلسلة من المعاهدات التي منحت بريطانيا نفوذًا واسعًا في علاقاتها الخارجية وأمنها. أدى ذلك إلى تصنيفها دولة واقعة تحت الحماية البريطانية، مع بقاء الحكم المحلي في يد آل خليفة.

بدأت نهاية هذا الوضع عندما قررت بريطانيا الانسحاب من منطقة الخليج. حاولت البحرين في البداية الدخول مع قطر والإمارات المتصالحة السبع في اتحاد سياسي يضم تسع إمارات، لكن المشروع تعثر نتيجة الخلاف على شكل الاتحاد وتوزيع التمثيل والصلاحيات. وبحسب الوثائق التاريخية لوزارة الخارجية الأميركية، انتهى المسار بقيام ثلاث وحدات سياسية مستقلة: البحرين وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة.

سبق الاستقلال حلّ نزاع آخر يتعلق بمطالبة إيران بالبحرين. حينها، أرسل الأمين العام للأمم المتحدة ممثلًا شخصيًا لاستطلاع رغبات السكان، وانتهى التقرير إلى أن الغالبية الساحقة تريد الاعتراف بهوية البحرين دولة مستقلة ذات سيادة وحرة في تحديد علاقاتها مع الدول الأخرى. تبنى مجلس الأمن النتيجة بالإجماع في القرار 278 الصادر في 11 مايو/ أيار 1970.

في 15 أغسطس 1971، وُقعت معاهدة صداقة جديدة بين البحرين والمملكة المتحدة، وانتهت المعاهدات التي كانت تنظّم العلاقة الخاصة بينهما. يسجّل الأرشيف الرقمي للخليج العربي أن المعاهدة وُقعت بعد أكثر من 150 عامًا على أول ارتباطات البحرين ببريطانيا.



شهد 15 أغسطس/ آب 1971 توقيع معاهدة الصداقة الجديدة بين البحرين والمملكة المتحدة وإنهاء المعاهدات التي نظمت العلاقة الخاصة بينهما – أرشيف وزارة الخارجية البحرينية


حمل اليوم نفسه مجموعة من إجراءات السيادة. أُعلن الشيخ عيسى بن سلمان أميرًا لدولة البحرين، وشُكّل مجلس الوزراء، ووقّع الأمير في قصر الرفاع إعلان قبول التزامات ميثاق الأمم المتحدة. وحتى اليوم، ما زالت الوثيقة المحفوظة في مجموعة معاهدات الأمم المتحدة تحمل تاريخ 15 أغسطس 1971 وتوقيعه بصفته أمير دولة البحرين.

تتابعت بعد ذلك علامات الاعتراف الدولي. انضمت البحرين إلى جامعة الدول العربية في 11 سبتمبر/ أيلول، وقبلتها الجمعية العامة عضوًا في الأمم المتحدة في 21 سبتمبر، ثم رُفع علمها في مقر المنظمة الدولية في اليوم التالي، بحسب الخريطة التاريخية لوزارة الخارجية البحرينية.


وثيقة قبول البحرين التزامات ميثاق الأمم المتحدة، الموقعة في قصر الرفاع يوم الاستقلال في 15 أغسطس 1971

16 ديسمبر.. عيد الجلوس أصبح يومًا وطنيًا


لفهم اختيار ديسمبر، ينبغي الرجوع إلى عام 1961. تولى الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة الحكم بعد وفاة والده في نوفمبر/ تشرين الثاني من ذلك العام، وأقيم الاحتفال الرسمي بجلوسه في 16 ديسمبر. منذ ذلك الحين، صار التاريخ مرتبطًا في التقويم السياسي البحريني بجلوس الحاكم.

عندما استقلت الدولة بعد عشرة أعوام، لم يُلغَ ذلك التاريخ لمصلحة 15 أغسطس. حدث العكس: جرى دمج المناسبة الوطنية الجديدة مع يوم الجلوس القائم أصلًا.



الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، الذي ارتبط يوم 16 ديسمبر بذكرى جلوسه، قبل أن يُسمّى التاريخ نفسه العيد الوطني عام 1971


يظهر الدليل الأوضح في قرار رقم 14 لسنة 1971 بإعلان العيد الوطني لدولة البحرين، الصادر في 11 ديسمبر، أي قبل الاحتفال بخمسة أيام وبعد الاستقلال بنحو أربعة أشهر. نص القرار على تسمية عيد جلوس الأمير، الموافق 16 ديسمبر من كل عام، العيد الوطني لدولة البحرين، مع تعطيل الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والخاصة. ونُشر القرار في الجريدة الرسمية.

بهذا المعنى، لم يكن 16 ديسمبر تاريخ استقلال بديلًا، وإنما مناسبة قائمة مرتبطة بجلوس الحاكم، منحها القرار وظيفة وطنية جديدة. اجتمع في اليوم نفسه الاحتفال باستمرار الحكم والاحتفال بالدولة المستقلة التي نشأت خلال عهد الشيخ عيسى بن سلمان.



لماذا لم تعتمد البحرين يوم خروج بريطانيا؟


يصعب فصل الاختيار عن طبيعة انتقال البحرين إلى الاستقلال.

لم تأت السيادة نتيجة حرب تحرير أو ثورة صار تاريخ انتصارها جزءًا من الذاكرة الشعبية، وإنما جاءت عبر انسحاب بريطاني مخطط له، وتسوية دولية لنزاع السيادة، ومفاوضات ومعاهدة صداقة، ثم دخول سريع إلى المنظمات العربية والدولية.

حين يقترن الاستقلال بثورة أو حرب، يصبح يوم الانتصار أو رحيل القوة الأجنبية مرشحًا قويًا ليكون عيدًا وطنيًا. أما في الانتقالات التفاوضية والمؤسساتية، فيبقى المجال أوسع لاختيار ذكرى أخرى تمثل تصور الدولة لنفسها.



قدّم 16 ديسمبر في الحالة البحرينية عنصرًا لم يكن حاضرًا بالوضوح نفسه في 15 أغسطس: الاستمرارية.

فالدولة الجديدة لم تُقدَّم بوصفها قطيعة كاملة مع النظام السابق، وإنما بوصفها انتقالًا من إمارة واقعة تحت الحماية إلى دولة ذات سيادة تحت قيادة الحاكم نفسه.

ساعد دمج يوم الجلوس بالعيد الوطني على ربط الاستقلال ببناء الدولة ومؤسساتها، وعلى وضع الأسرة الحاكمة في قلب السردية الرسمية لهذا التحول.

لا يعني ذلك إخفاء تاريخ الاستقلال. تسجّل المؤسسات البحرينية 15 أغسطس بوضوح، وتحفظ وثائق المعاهدة وطلب عضوية الأمم المتحدة. لكن الاعتراف بالتاريخ شيء، واختياره مركزًا للاحتفال العام شيء آخر. الأول يحدد لحظة قانونية، والثاني يصنع ذاكرة سياسية ورمزًا سنويًا.


كيف يُصنَع اليوم الوطني؟ 

من يوم واحد إلى “الأيام الوطنية”


استمر تقويم ديسمبر في التطور بعد وفاة الشيخ عيسى بن سلمان وتولي الملك حمد بن عيسى آل خليفة الحكم عام 1999. ففي عام 2002، أُضيف 17 ديسمبر إلى 16 ديسمبر ضمن عطلة العيد الوطني لمملكة البحرين وعيد جلوس عاهل البلاد، وفق النص المنشور لدى هيئة التشريع والرأي القانوني.

تعكس الصيغة الحالية طبقات متعددة تراكمت فوق التاريخ الأصلي. فهناك استقلال 1971، وعيد جلوس الشيخ عيسى الذي صار عيدًا وطنيًا، ثم عيد جلوس الملك حمد، إلى جانب الخطاب الرسمي الذي يربط المناسبة بتاريخ الدولة البحرينية الأوسع وإنجازاتها الحديثة.

وبموجب ذلك، تتعامل هيئة البحرين للثقافة والآثار مع ديسمبر بوصفه موسمًا كاملًا لـاحتفالات العيد الوطني وعيد الجلوس، يتضمن فعاليات فنية وموسيقية وتراثية تمتد طوال الشهر.

هكذا لم يعد 16 ديسمبر مجرد ذكرى لواقعة حدثت في يوم واحد، وإنما أصبح إطارًا جامعًا لسرد تاريخ الدولة والقيادة والهوية الوطنية.


صورة أرشيفية توثّق زينة العيد الوطني في البحرين في 16 ديسمبر 2016 – غيتي 

حدث الاستقلال في أغسطس بوثائق ومعاهدات واعتراف دولي واضح. أما العيد الوطني في ديسمبر، فصنعه قرار سياسي جمع ذكرى جلوس الحاكم بولادة الدولة المستقلة. لذلك لا يتنافس التاريخان، ولا يلغي أحدهما الآخر.


إنهما يرويان مستويين مختلفين من القصة نفسها: مستوى السيادة القانونية، ومستوى الذاكرة التي أرادت الدولة أن تجعلها مناسبة سنوية جامعة.