![]()
قرّر الرجل إنهاء حياته احتجاجًا على قانون جديد يتعلق بـ”الوحدة العرقية” اعتمدته الصين، في إطار أسلوب احتجاجي شهده إقليم التبت منذ عام 2009، إذ سجّلت المنظمات الحقوقية إقدام أكثر من 150 شخصًا على إحراق أنفسهم للمطالبة بإنهاء السيطرة الصينية، وعودة الزعيم الروحي الدالاي لاما، واستعادة سيادة المنطقة، وفقًا لصحيفة “نيويورك بوست”.
قانون الوحدة والتقدم العرقي
ووفق منظمة “سايف تيبت“، خرجت مجتمعات التبتيين في واشنطن وبروكسل في مظاهرات احتجاجًا على ما تطلق عليه الصين اسم “قانون الوحدة والتقدم العرقي” (EUPL)، الذي دخل حيز التنفيذ يوم الأربعاء 1 يوليو/ تموز.
ويهدف هذا القانون، وفقًا لبكين، إلى صياغة هوية وطنية “مشتركة” بين المجموعات العرقية، و”تعزيز التماسك” في المجتمع الصيني، فيما يعتبر ناشطون أنه يقوض حقوق الأقليات، مثل الإيغور والتبتيين، الذين تتهم منظمات حقوقية بكين باضطهادهم.
Brave Lobga Rangzen sacrificed everything outside the United Nations for Tibetan independence. The world must stand with his cause today. #SelfImmolation #ChinaOutOfTibet #LobgaRangzen pic.twitter.com/uZvxbb4hYG
— Dong mei (@mei_dongmei) July 3, 2026
وتقدم بكين نفسها دولةً نموذجية نجحت في تحقيق التناغم بين أغلبية “الهان” (التي تشكل نحو 92% من السكان) و55 أقلية عرقية معترفًا بها رسميًا، مستندةً إلى ترسانة قانونية ودستورية تحظر التمييز، وتَعِد بالتنمية الاقتصادية الشاملة.
وقد وصفت تينشو غياتسو، رئيسة “الحملة الدولية من أجل التبت”، هذا القانون بأنه يمثل تصعيدًا خطيرًا في حملة الصين الرامية إلى فرض الاندماج القسري، وأداةً لطمس الهوية، كما صدرت تصريحات أخرى مناهضة للقانون عن مشرّعين من مختلف أنحاء العالم.
تصعيد تشريعي وقمع عابر للحدود
ووفقًا لـ”التقرير العالمي 2026″ لمنظمة “هيومن رايتس ووتش“، حشد الرئيس شي جين بينغ الحكومة لفرض التزام أيديولوجي صارم وولاء مطلق للحزب الشيوعي، ما أدى إلى تشديد القمع ضد المجتمعات ذات الهوية المتميزة، مثل التبتيين والإيغور؛ حيث لا يزال آلاف الإيغور مسجونين ظلمًا، وحُظر في التبت الاحتفال بالذكرى التسعين لميلاد الدالاي لاما.
كما امتدت القبضة الأمنية لتشمل ملاحقة المعارضين في الخارج عبر “القمع العابر للحدود الوطنية”، بالتوازي مع تصاعد حاد في وتيرة ملاحقة القوى المؤيدة للديمقراطية، وإغلاق الصحف المستقلة في هونغ كونغ بموجب قانون الأمن القومي.
وفي سياق متصل، أكدت تقارير منظمة العفو الدولية لعام 2026 أن بكين أحكمت سيطرتها على الأنشطة الدينية عبر المراقبة والمداهمات تحت غطاء حملة “صيننة الأديان”.
وقد تُرجمت هذه السياسة عمليًا من خلال شن حملات دهم واعتقالات واسعة طالت قرابة 30 منتسبًا إلى شبكة “كنيسة صهيون” غير الرسمية وقادتها في عدة مدن، وملاحقة التجمعات البروتستانتية المستقلة (الكنائس المنزلية)، بالإضافة إلى استمرار سجن ممارسي الجماعات الروحية المحظورة مثل “فالون غونغ”.
وتلخص هذه التحركات، بحسب المنظمات الدولية، جهودًا صينية متواصلة للقضاء على أي نشاط مدني أو ديني غير مسجل، وفرض رؤية الحزب الأيديولوجية بقوة القانون.
فلسفة “حبات الرمان”
ومنذ صعود الرئيس شي جين بينغ إلى السلطة، أُعيد إحياء شعار “تشكيل وعي مشترك للأمة الصينية” وتكثيفه. وفي هذا السياق، جاء التوجيه الرئاسي الشهير بضرورة أن “تلتصق القوميات ببعضها مثل حبات الرمان”، كما أفاد موقع “أرابك نيوز“.
ركائز المشروع الصيني
تدافع بكين عن هذا المنظور بوصفه مشروعًا تنمويًا وحمائيًا بالدرجة الأولى، وتستند في ذلك إلى ركيزتين أساسيتين:
-
مكافحة “الشرور الثلاثة”
وترى بكين أن الاستقرار الأمني هو الشرط المسبق والوحيد لحماية حقوق الإنسان الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة والنمو الاقتصادي.
• التنمية وحتمية التحديث
وبناءً على هذه الفلسفة، تقدّم بكين ترسانتها التشريعية، بما فيها “قوانين تعزيز الوحدة العرقية” المحلية، باعتبارها أداة هندسة وطنية ضرورية لتحقيق “النهضة العظيمة للأمة الصينية”، أو ما يُعرف بـ”الحلم الصيني”.
آليات “الصيننة” والتعليم والهندسة الديمغرافية
رغم أن الدستور الصيني وقانون الحكم الذاتي الإقليمي لعام 1984 نصّا تاريخيًا على حماية لغات الأقليات وعاداتهم، فإن العقدين الأخيرين شهدا تحولًا بنيويًا عميقًا في الفكر السياسي الصيني.
قاد هذا التحول أكاديميون ومخططو سياسات في بكين، دعوا إلى تبني ما يُعرف بـ”الجيل الثاني من سياسات الأقليات”.
ويجادل أصحاب هذه النظرية بأن النموذج القديم (المستوحى من النظام السوفيتي)، الذي منح الأقليات حكمًا ذاتيًا اسميًا واعترافًا بخصوصيتهم الثقافية، تسبب في تعزيز “الهويات الفرعية” على حساب “الهوية الوطنية الجامعة”، وهو ما قد يؤدي على المدى الطويل إلى تفكك الدولة، كما حدث للاتحاد السوفيتي.
انتقلت بكين من استراتيجية إدارة التنوع والتعايش المشروط معه إلى استراتيجية “الصهر الثقافي واللغوي”، حيث لم يعد المطلوب من الأقليات مجرد الولاء السياسي للحزب الشيوعي، بل التماهي الثقافي الكامل مع ثقافة أغلبية “الهان”.
ويتجسد هذا الجيل الجديد من السياسات عبر آليتين رئيسيتين:
• الأقلمة اللغوية التعليمية:
وأثار فرض التعليم باللغة الصينية كلغة أولى احتجاجات شعبية نادرة في مناطق مثل منغوليا الداخلية والتبت، حيث يرى السكان في هذه الإجراءات محاولة ممنهجة لقطع صلة الأجيال الجديدة بإرثها الثقافي والأدبي، وتحويل اللغات المحلية إلى مجرد “لهجات فولكلورية” منقرضة.
• الهندسة الديمغرافية والحوافز الاجتماعية:
وترافق ذلك مع برامج حكومية تشجع، عبر حوافز مالية ووظيفية وسكنية، “الزواج العرقي المختلط” بين الهان والأقليات، وهو ما يُنظر إليه في الأدبيات السياسية الغربية كأداة ناعمة وفعالة لتذويب الفوارق العرقية بيولوجيًا وثقافيًا عبر الأجيال.
ومن خلال هذه الآليات، يُعاد تعريف “قانون الوحدة العرقية” عمليًا ليكون أداة لإعادة صياغة الوعي الجمعي للأقليات، بحيث يصبح الانتماء إلى الحضارة الصينية وثقافتها المهيمنة هو المكون الأساسي، بينما يصبح المكون العرقي الأصلي مجرد تفصيل ثانوي.
“التناغم” بقوة الذكاء الاصطناعي
وفيما تُعدّ القوانين والسياسات التعليمية البنية التحتية الفكرية لـ”قانون الوحدة العرقية”، فإن المنظومة التكنولوجية الفائقة هي الذراع التنفيذية الصارمة التي تضمن انصياع الجميع على أرض الواقع.
ففي العقد الأخير، تحولت مناطق الأقليات العرقية في الصين، لا سيما إقليم شينغيانغ، إلى ما يشبه “مختبرًا مفتوحًا” لأحدث تقنيات المراقبة والتنبؤ الأمني في العالم، حيث يُعاد تعريف الاستقرار الاجتماعي عبر أدوات رقمية غير مسبوقة.
وتحت مظلة تشريعات “تعزيز الوحدة العرقية ومكافحة التطرف”، قامت بكين بدمج التكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية للأقليات عبر عدة مستويات.
1- أنظمة التعرف على الوجوه
وتتكامل هذه الكاميرات مع قواعد بيانات ضخمة تحتوي على البصمات الحيوية للسكان، بما في ذلك عينات الحمض النووي (DNA)، وبصمات الصوت، ومسح قزحية العين، التي جُمعت غالبًا تحت غطاء “برامج الفحص الطبي المجاني” الإلزامية، وفق صحيفة “نيويورك تايمز“.
2- نظام ذكاء اصطناعي مركزي
وعند رصد أي سلوك يصنّفه النظام “غير معتاد” (مثل تحميل تطبيق تواصل مشفر، أو التوقف عن استخدام الهاتف، أو التحدث مع أقارب في الخارج)، يُطلق إنذارًا فوريًا قد يؤدي إلى استدعاء الشخص للتحقيق أو احتجازه.
كذلك، تحوّل المفهوم التقليدي لـ”الوحدة” إلى آلية تقييم رقمي؛ حيث يُطلب من السكان إثبات ولائهم عبر تطبيقات حكومية مخصصة، ويتم رصد مدى التزامهم بتعلم لغة الماندارين والمشاركة في الأنشطة الوطنية.
اندماج بالقوة
وبذلك، أصبحت الرقابة أداة ضغط يومية تدفع الأفراد إلى تعديل سلوكياتهم وثقافتهم طواعيةً، لتجنب تصنيفهم كعناصر “مهددة للوحدة الوطنية”.
ومن خلال هذه الشبكة الرقمية المعقدة، نجحت بكين في فرض حالة من التناغم السطحي المطلق. فالهدوء الذي تشهده هذه الأقاليم اليوم ليس ناتجًا عن اندماج ثقافي طوعي، بل هو ثمرة انضباط حديدي تفرضه آلة تكنولوجية لا تنام.
ويظل قانون الوحدة العرقية في الصين نموذجًا لكيفية توظيف التشريع والتكنولوجيا في خدمة الأيديولوجيا المركزية للدولة الحديثة. فما تبنيه بكين في خطاباتها الرسمية كجسر للتنمية ومكافحة التطرف، يراه المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية كجدار فولاذي يطمس التنوع الإنساني والثقافي.
فقد نجحت فلسفة “حبات الرمان” في فرض هدوء أمني غير مسبوق في أقاليم مثل شينغيانغ والتبت، وحققت قفزات في مؤشرات البنية التحتية والاقتصاد الرقمي، لكنه هدوء تم شراؤه بكلفة إنسانية وثقافية باهظة.
وتكمن المعضلة الحقيقية التي تواجه السياسة الصينية على المدى الطويل في طبيعة هذا التناغم القسري؛ فالأيديولوجيات السياسية والتاريخ يثبتان أن الهويات الثقافية والدينية العميقة قد تنحني أمام عاصفة الضغط الأمني والتكنولوجي، لكنها لا تذوب تمامًا، بل غالبًا ما تتحول إلى احتقان مكتوم ينتقل بين الأجيال تحت الرماد.
كما أن رهان الحزب الشيوعي الصيني على صهر 55 أقلية في بوتقة قومية “الهان” هو اختبار غير مسبوق لقدرة التكنولوجيا الفائقة على إعادة هندسة الطبيعة البشرية. وتثير التجربة الصينية تساؤلًا مقلقًا:
هل يمكن للمجتمعات أن تحقق استقرارًا حقيقيًا عبر إلغاء الاختلاف، أم أن التنوع المشروخ سيظل يمثل الخاصرة الرخوة لـ”الحلم الصيني”؟
