![]()
بعد أكثر من 12 عامًا من الانقسام السياسي والمؤسساتي، تجد ليبيا نفسها أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها المبادرات المحلية والدولية، في وقت لا يزال فيه الهدف المعلن، والمتمثل في إنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مؤجلًا دون موعد واضح.
وتواصل بعثة الأمم المتحدة جهودها لدفع المسار السياسي عبر الحوار بين الأطراف الليبية، بينما طرحت المجالس الثلاثة، وهي المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، مبادرة سياسية أعادت الحديث عن تسوية تقودها المؤسسات الليبية.
في المقابل، برزت مبادرة أميركية طرحها مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، تقوم على تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تستند إلى موازين القوى الفعلية على الأرض.
وبين هذه المبادرات، تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل العملية السياسية: هل تتنافس هذه المبادرات على قيادة الحل، أم أنها تضيف مزيدًا من التعقيد إلى الأزمة؟ وهل تمتلك الأطراف الليبية الإرادة السياسية اللازمة لإنجاز تسوية حقيقية في ظل استمرار أزمة الثقة؟
“تشكيك في جدية المبادرات”
وفي سياق استمرار الانقسام الليبي، أوضح أسعد زهيو، رئيس حزب التجمع الوطني الليبي، أن الأزمة ممتدة منذ نحو 16 عامًا، وأن التحول الذي شهدته البلاد عام 2011 شكّل محطة أساسية في مسار الانتقال السياسي، تلتها محطات أخرى بين الحرب والحوار وتشكيل سلطات جديدة.
وأشار إلى أن عام 2014 مثّل بداية الانقسام الداخلي والحرب الأهلية، ما استدعى إطلاق الحوار الوطني الذي أفضى إلى اتفاق الصخيرات عام 2015، حيث تشكّلت لأول مرة سلطة بإشراف دولي عبر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني. لكنه شدّد على أن هذه السلطة لم تنجح في معالجة جذور الأزمة، إذ بقيت مشكلة تقاسم السلطة قائمة فيما غابت الأطراف الفاعلة عن المحطات اللاحقة مثل تونس وجنيف.
وفي حديث للتلفزيون العربي من العاصمة طرابلس، أضاف زهيو أن ليبيا دخلت عام 2021 في حوار سياسي جديد عبر ما يعرف بمنتدى تونس ـ جنيف، عقب حرب طرابلس وما خلّفته من انقسام حاد ووجود سلطتين متوازيتين. ورغم تشكيل سلطة جديدة، فإن الانقسام استمر، ما يعكس أن الحوارات المتعاقبة لم تعالج الأسباب الجوهرية للصراع، بل اقتصرت على محاولات لتقاسم السلطة بشكل مباشر.
وأوضح أن منتدى الحوار الليبي في جنيف كان يفترض أن ينجز الإطار الدستوري للانتخابات، ويوحّد المؤسسات السيادية والعسكرية، ويعالج التشوهات الاقتصادية، إلا أن ذلك لم يتحقق.
وقال أسعد زهيو إن ملف المبادرة الأميركية استُهلك نقاشًا وجدلاً من جميع الزوايا، لكنه يرى أنها طُرحت من الجانب الأميركي فقط، وفي كثير من الأحيان بدا وكأن لا وجود لمبادرة حقيقية واضحة.
وأضاف أن ما يُعرف بمبادرة المجالس الثلاثة ليس سوى أسلوب اعتادت عليه المؤسسات الليبية، إذ لا يمثل مبادرة وازنة أو جادة، بل مجرد محاولة لإنجاز تسوية بأي شكل، سواء عبر الصفقات أو عبر حوار وطني واسع أو غيره.
وتابع أن المبادرة الأميركية تواجه صعوبات كبيرة، رغم وقوف الولايات المتحدة خلفها، ورغم احتمال انخراط أطراف فاعلة في المشهد الليبي فيها، إلا أن هذه المعطيات لا تغيّر من حقيقة أن هناك محددات تحكم أي مسار للتسوية، وهو ما يجعله يشك في إمكانية أن يقود هذا المسار إلى حل فعلي.
وختم بالقول إن ليبيا لا تملك حتى الآن مبادرة مكتوبة واضحة، وما زالت الأطراف تجمع الآراء والأفكار دون أن تتبلور رؤية عملية قادرة على إنهاء الأزمة.
“الانقسام أصبح واقعًا سياسيًا”
من جهته، قال علي أبو زيد، عضو مجلس السياسات في الحزب الديمقراطي، إن الانقسام الليبي يمكن تتبعه إلى مرحلتين أساسيتين: الأولى بدأت عام 2011 مع التفاؤل بمرحلة انتقالية جديدة، لكنها افتقرت إلى الخبرة السياسية والتجربة المؤسسية، إضافة إلى تأثير العوامل الخارجية والثورات المضادة والتدخلات الإقليمية. أما المرحلة الثانية فبرزت بوضوح عام 2014، حين تحوّل الانقسام إلى واقع ملموس عبر صدام مسلح وانشطار المؤسسات.
وأوضح أن هذا الانقسام أصبح للأسف قاعدة للمشهد السياسي وأساسًا لأي تسويات لاحقة، مشيرًا إلى أن اتفاق الصخيرات عام 2015 حاول معالجة الأزمة عبر توحيد المؤسسات والسلطة ووضع مرجعية دستورية، لكنه لم يكن كافيًا، وكانت نتيجته حرب 2019 التي عززت التدخل الدولي والإقليمي.
وأضاف أن محادثات تونس ـ جنيف سعت إلى توحيد السلطة، لكنها اقتصرت على معالجة ملف السلطة دون التقدم في المسارات الأخرى، مثل الاقتصاد والدستور والمناصب السيادية، وهو ما أدى إلى تعطيل هذه المسارات بفعل أطراف استفادت من السلطة القائمة.
وأشار أبو زيد إلى أن تعدد المبادرات يعكس إدراكًا عامًا بأن التغيير بات ضروريًا، وأن استمرار الوضع الراهن لم يعد ممكنًا، لافتًا إلى أن بعض الأطراف تستخدم هذه المبادرات كمدخل لإعادة التموضع وضمان البقاء في المشهد السياسي.
وتابع أن مبادرة المجالس الثلاثة ليست سوى موقف استباقي للبعثة الأممية، إذ وقع رؤساء المجالس على ورقة افتراضية ثم عاد كل منهم للعمل وفق أولوياته، ما جعلها أقرب إلى محاولة لعرقلة المبادرات الأخرى. أما المبادرة الأميركية، فيرى أنها أقرب إلى صفقة لتقاسم السلطة بين قوى الأمر الواقع، لكنها تفتقر إلى وضوح مكتوب، وتظل محاطة بالتكهنات رغم وجود مؤشرات على صدقيتها.
المبادرات بين إعادة التموضع وتقاسم السلطة
بدوره، قال مسعود السلامي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الزيتونة، إن ليبيا تعيش منذ سنوات طويلة وضعًا غير مسبوق في تاريخها المعاصر على المستويات كافة: السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي، مشيرًا إلى أن الانقسام الحاد في المشهد السياسي والأمني قد يقود، إذا استمر، إلى نتائج خطيرة.
وفي ما يتعلق بالمبادرات لإنهاء الانقسام، أوضح السلامي أن جميعها جاءت بعد فشل السلطات القائمة، التي اغتصبت السلطة لسنوات طويلة، في نقل البلاد من حالة الفوضى وعدم الاستقرار إلى مرحلة ديمقراطية مستقرة. وانتقد أداء مجلس النواب الذي انشغل بالمناكفات وانتقل بين طبرق وبنغازي، وكذلك مجلس الدولة الذي وصفه بالعاطل عن العمل، إضافة إلى المجلس الرئاسي الذي لم يقدّم مشروعًا سياسيًا يخدم الدولة أو المواطنين.
وأضاف أن المبادرات الأممية المتعاقبة، والتي وصلت إلى نحو عشرة مندوبين، لم تكن تهدف إلى حل الأزمة بل إلى إدارتها، وهو ما زاد من تعقيدها بفعل عوامل داخلية وإقليمية ودولية.
واعتبر أن مبادرة المجالس الثلاثة ولدت ميتة، ولم تكن سوى محاولة لقطع الطريق على المبادرات الأخرى، ومنها المبادرة الأميركية، التي بدورها واجهت مصيرًا مشابهًا. كما وصف الحوار المهيكل بأنه حوار فاشل وولد ميتًا.
وختم السلامي بالقول إن جميع الحوارات والمبادرات السابقة عمّقت الأزمة بدلًا من حلها، ولم يبق في الساحة سوى المبادرة الأميركية، التي يرى أنها تحتاج إلى دراسة متأنية ونقاش هادئ، لعلها تفتح نافذة أمل لإخراج ليبيا ولو مرحليًا من أزمتها الطاحنة.
