![]()
لماذا لم يتحول الحضور إلى اتفاق؟
في القصر الملكي بمدريد، أمكن جمع ممثلين عن أطراف الصراع العربي الإسرائيلي في صورة واحدة. أما جمع مطالبهم في تسوية قابلة للتنفيذ فكان مهمة أخرى. وبعد 35 عامًا على افتتاح المؤتمر، تعيد وثائقه طرح سؤال يتجاوز المناسبة:
ما الذي تستطيع الرعاية الدولية إنجازه بإحضار الخصوم إلى الطاولة، وما الذي يبقى مطلوبًا كي يغادروا باتفاق يغيّر الواقع؟
افتتح المؤتمر في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1991، برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وبمشاركة وفود إسرائيل وسوريا ولبنان ومصر، ووفد أردني-فلسطيني مشترك. وكان الإنجاز المباشر فتح باب التفاوض، من دون اتفاق مسبق على مقدار الانسحاب أو شكل السيادة أو شروط السلام.
ومن هنا تبدأ قراءة حدود مدريد: فقد أنشأ إطارًا للمحادثات يستند إلى قراري مجلس الأمن 242 و338، لكنه ترك الوصول إلى التسوية رهن اتفاق الأطراف. وبين الأمرين مساحة واسعة من اختلال القوة والخلاف على الأرض والتمثيل وضمانات التنفيذ.
ميزان القوى الذي أتاح الاجتماع
جاء مؤتمر مدريد بعد حرب الخليج، في لحظة تعاظم فيها النفوذ الأميركي، وتراجع الاستقطاب الذي حكم المنطقة خلال الحرب الباردة.
أتاحت تلك اللحظة لواشنطن مخاطبة أطراف متباعدة من موقع أقوى. فقد شاركت سوريا في التحالف ضد العراق، فيما تضررت علاقات قيادة منظمة التحرير بعدد من الدول العربية نتيجة موقفها من أزمة الخليج. وفي المقابل، لم يكن إقناع حكومة إسحاق شامير بالمشاركة منفصلًا عن الضغط الأميركي والخلاف على الاستيطان.
لكن ميزان القوى الذي ساعد على عقد المؤتمر لم يصبح توازنًا داخل المفاوضات. فإقناع دولة محتلة بالحضور لا يعني انتزاع موافقتها على حدود الانسحاب، كما أن حاجة الطرف الواقع تحت الاحتلال إلى منفذ سياسي لا تمنحه قدرة مماثلة على تحديد شروطه. نجحت الدبلوماسية في تجاوز عتبة الاجتماع، بينما بقي الخلاف على مضمون التسوية قائمًا.
من يمثل الفلسطينيين؟
عكست صيغة الحضور الفلسطيني هذا التفاوت. فقد شارك فلسطينيون من الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن الوفد المشترك مع الأردن، وتولى حيدر عبد الشافي رئاسة الجانب الفلسطيني. ولم تشارك منظمة التحرير باسمها الرسمي، كما استُبعد المقدسيون من عضوية الوفد الفلسطيني الرسمي.
غير أن غياب اسم المنظمة عن المقاعد لم يقطع صلتها بالوفد. فقد استمر التنسيق مع قيادتها، وبقيت موافقة ياسر عرفات مؤثرة في حركة المفاوضين، وهو ما يوضحه أيضًا عرض مكتب المؤرخ في الخارجية الأميركية. ولهذا، فإن وصف مدريد بأنه تفاوض مع فلسطينيين منفصلين عن المنظمة يخلط الصفة الرسمية بالمرجعية السياسية.
لماذا طاولة افتتاح ومسارات منفصلة؟
تظهر رسالة الدعوة الأصلية أن توزيع المفاوضات كان جزءًا من التصميم منذ البداية. فهناك محادثات مباشرة بين إسرائيل والدول العربية المعنية، وأخرى بينها وبين الفلسطينيين، إلى جانب مفاوضات متعددة الأطراف للقضايا الإقليمية.
وفي المسار الفلسطيني، اقترحت الدعوة التفاوض على ترتيبات حكم ذاتي انتقالي، بهدف الاتفاق عليها خلال عام. وبعد الاتفاق تبدأ مرحلة لخمس سنوات، مع بدء مفاوضات الوضع الدائم في سنتها الثالثة. ولم تكن تلك السنوات عدًا تنازليًا يبدأ في يوم افتتاح مدريد، ولا موعدًا تلقائيًا لقيام دولة فلسطينية.
مشاركون فلسطينيون يحملون أغصان الزيتون في مدريد في 30 أكتوبر 1991 – غيتي
أما المفاوضات المتعددة الأطراف فتناولت المياه واللاجئين والبيئة والتنمية الاقتصادية وضبط التسلح والأمن الإقليمي. وأتاح هذا الفصل بحث المصالح المشتركة بمشاركة أوسع، من دون اشتراط حسم كل نزاع حدودي أولًا، كما توضح خلاصة الأمم المتحدة عن عملية السلام.
كانت لهذه المرونة كلفة سياسية: فتقدم مسار لا يُلزم المسارات الأخرى بالتقدم، والتعاون في ملف إقليمي لا يساوي اتفاقًا على السيادة. وهكذا حملت العملية عنوان السلام الشامل، فيما اعتمد إنجازه على حصيلة تفاوض منفصل في كل مسار.
التفاوض لا يوقف تغيير الأرض
كان الحد الأكثر وضوحًا في صلاحيات المؤتمر أنه لا يستطيع فرض حلول أو نقض اتفاقات تعقدها الأطراف، ولا اتخاذ قرارات نيابة عنها. وحتى إعادة انعقاده احتاجت إلى موافقتها جميعًا. وهذا يفسر لماذا لم تكن الرعاية الدولية، على أهميتها، سلطة تفصل في الخلاف عند تعثر التفاوض.
وتبرز الفجوة خصوصًا في الاستيطان. فقد تضمنت رسالة التطمينات الأميركية إلى الفلسطينيين معارضة النشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة عام 1967، ورفض الإجراءات الأحادية التي تستبق نتائج المفاوضات. لكن الموقف الأميركي لم يصبح في الدعوة اتفاقًا متبادلًا على تجميد الاستيطان، مقرونًا برقابة وعواقب محددة عند مخالفته.
حين انتقلت القرارات إلى أطر أخرى
استمرت المحادثات الثنائية في واشنطن، وبدأت المفاوضات المتعددة الأطراف في موسكو في يناير/ كانون الثاني 1992. لكن الاختراقات اللاحقة لم تكن اتفاقات أُبرمت في مدريد أو نتائج تلقائية لافتتاحه.
فقد قادت القناة السرية النرويجية بين إسرائيل ومنظمة التحرير إلى إعلان المبادئ الموقّع في 13 سبتمبر/ أيلول 1993. وهنا عاد الطرف المستبعد من التمثيل الرسمي في مدريد ليصبح طرفًا مباشرًا في الاتفاق. ومع ذلك، ظل أوسلو إطارًا انتقاليًا وأرجأ قضايا الوضع النهائي.
وفي المسار الأردني، أفضت اتصالات وتفاهمات لاحقة إلى معاهدة السلام في 26 أكتوبر 1994، بالتزامات محددة بين دولتين. ولم يواكبها خلال تلك المرحلة اتفاق مماثل في المسارين السوري واللبناني. اختلفت النتائج، وهو ما يكشف أن جمع المسارات تحت مظلة واحدة لم يجعل مصائرها مترابطة أو مضمونة.
