ماذا يعني التقارب الأمريكي الإريتري لحرب السودان؟

ماذا يعني التقارب الأمريكي الإريتري لحرب السودان؟

Loading

القاهرة ـ النورس نيوز | 20 سبتمبر 2026

أعاد قرار الولايات المتحدة رفع العقوبات عن إريتريا، المرتبطة بملف حرب تيغراي، فتح باب التساؤلات بشأن التحولات التي تشهدها الحسابات الأمريكية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وانعكاساتها المحتملة على السودان والمنطقة.

وأنهت وزارة الخزانة الأمريكية حالة الطوارئ التي فرضتها واشنطن عام 2021 على خلفية الأزمة الإثيوبية وإقليم تيغراي، كما أزالت عدداً من الأشخاص والكيانات المرتبطة بالملف من قوائم العقوبات، من بينها الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة في إريتريا، وقوات الدفاع الإريترية وشخصيات وكيانات إريترية.

وجاءت العقوبات في سياق اتهامات مرتبطة بدور إريتريا في حرب تيغراي وقضايا حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية، بينما يأتي رفعها في وقت يشهد فيه البحر الأحمر والقرن الأفريقي تحولات أمنية وسياسية متسارعة، وسط تصاعد الاهتمام الدولي بأمن الملاحة والموانئ والنفوذ الإقليمي.

السودان في المشهد

ويصعب فصل التحول الأمريكي تجاه إريتريا عن السودان، في ظل الحدود المشتركة بين البلدين وقرب الساحل الإريتري من الساحل السوداني على البحر الأحمر.

ومع استمرار الحرب في السودان، ازدادت الأهمية الاستراتيجية لشرق البلاد، لارتباط المنطقة بأمن البحر الأحمر وحركة التجارة والطاقة واللاجئين، الأمر الذي يمنح أي انفتاح أمريكي على أسمرا أهمية إضافية بالنسبة إلى الخرطوم.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن واشنطن تتجه إلى استخدام إريتريا ضد السودان، لكنه قد يرفع من القيمة الاستراتيجية لأسمرا في منطقة أصبحت جزءاً من تنافس إقليمي ودولي متزايد.

هل تبحث واشنطن عن شريك جديد؟

ولا توجد، حتى الآن، مؤشرات كافية للقول إن الولايات المتحدة قررت تحويل إريتريا إلى حليف استراتيجي، إلا أن رفع العقوبات عن الجيش الإريتري والحزب الحاكم وكيانات مرتبطة به يمثل انتقالاً من سياسة الضغط إلى مساحة أوسع من الانخراط.

ويرى خبراء أن الموقع الاستراتيجي لإريتريا على البحر الأحمر يمكن أن يجعلها طرفاً مهماً في الحسابات الأمريكية المتعلقة بأمن الملاحة وباب المندب والقرن الأفريقي.

وفي المقابل، تملك أسمرا حساباتها الخاصة وعلاقاتها الإقليمية، ولا يعني الانفتاح الأمريكي عليها بالضرورة تحولها إلى طرف تابع لواشنطن في ملفات المنطقة.

خبير: إريتريا لن تكون بديلاً عن إثيوبيا

واستبعد الخبير المصري في الشأن الأفريقي الدكتور حمدي عبد الرحمن أن تكون الولايات المتحدة بصدد استبدال إريتريا بإثيوبيا في معادلات القرن الأفريقي، مشيراً إلى أن واشنطن تسعى إلى بناء علاقات مع البلدين، وإن اختلفت طبيعة ومجالات هذه العلاقات.

وقال عبد الرحمن لـ«المحقق» إن الظروف التي دفعت واشنطن إلى فرض العقوبات على إريتريا عام 2021 تغيرت بصورة كبيرة، موضحاً أن العقوبات ارتبطت بحرب تيغراي وقضايا حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية.

وأضاف أن أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة والتوترات المرتبطة بالحوثيين وباب المندب، إلى جانب التنافس على الموانئ والنفوذ في القرن الأفريقي، أصبحت ملفات رئيسية في الحسابات الأمريكية.

وأشار إلى أن امتلاك إريتريا ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر يمنحها أهمية استراتيجية خاصة، معتبراً أن أسمرا يمكن أن تكون «شريكاً» للولايات المتحدة أكثر من كونها «حليفاً»، وفق مبدأ قائم على المصالح.

حسابات مصر

وقال عبد الرحمن إن تحسن العلاقات الأمريكية مع إريتريا لا يعني بالضرورة أنه موجه ضد مصر، مشيراً إلى لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي في القاهرة قبل نحو شهرين، وتناول قضايا البحر الأحمر وحرية الملاحة.

وأوضح أن من السيناريوهات التي تثير اهتمام القاهرة احتمال أن يؤدي تحسن العلاقات الأمريكية مع أسمرا إلى زيادة الاهتمام الأمريكي بالساحل الإريتري، بما قد يغير بعض معادلات القوى في البحر الأحمر.

وأكد أن الملف السوداني أكثر حساسية بالنسبة إلى مصر، في ظل الحدود المباشرة بين السودان وإريتريا والمصالح المصرية الواسعة في السودان، معتبراً أن إريتريا يمكن أن تمثل حلقة وصل بين البحر الأحمر والسودان والقرن الأفريقي.

تحرك أمريكي «منقوص» دون السودان

من جانبه، قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي ورئيس تحرير صحيفة «إيلاف» الدكتور خالد التيجاني إن مباحثات طويلة جرت خلال الفترة الماضية بين الولايات المتحدة وإريتريا بوساطة مصرية، في إطار التحركات المرتبطة بأوضاع القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وأضاف التيجاني لـ«المحقق» أن واشنطن تشعر بقلق متزايد إزاء التطورات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تعمل على إعادة تشكيل المشهد الإقليمي، وهو ما يتطلب بناء علاقات مع مختلف الأطراف.

وتساءل عن مدى قدرة واشنطن على إدارة التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مشيراً إلى تعقيدات المشهد الإثيوبي والإرث التاريخي بين البلدين.

وأكد التيجاني أن أي تحرك أمريكي لإعادة ترتيب المشهد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر سيكون «منقوصاً» إذا جرى بمعزل عن السودان، باعتباره طرفاً فاعلاً ومؤثراً في معادلات المنطقة.

باحث سوداني: واشنطن تبحث عن موطئ قدم بحري

وقال الباحث السوداني في الشأن الأفريقي الدكتور محمد تورشين إن رفع العقوبات الأمريكية عن إريتريا يأتي في إطار التحولات السياسية والأمنية المتسارعة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وأوضح تورشين لـ«المحقق» أن التطورات المرتبطة بجماعة الحوثي والتهديدات الأمنية في المنطقة، إلى جانب النفوذ الإثيوبي ورغبة أديس أبابا المستمرة في الحصول على إطلالة بحرية على البحر الأحمر، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في علاقاتها مع أسمرا.

وأشار إلى أن إريتريا يمكن أن تدخل في تفاهمات مع الولايات المتحدة، حتى وإن لم تصل إلى مستوى التحالفات، بما يعزز الحضور الأمريكي في ترتيبات أمن البحر الأحمر.

وأضاف أن إريتريا لا يمكن أن تكون بديلاً عن إثيوبيا، كما أن إثيوبيا لا يمكن أن تكون بديلاً عن إريتريا، نظراً لاختلاف أدوار ومصالح كل منهما.

وأوضح أن الموقع الجغرافي لإريتريا على البحر الأحمر يجعل التعاون الأمريكي معها مهماً في الحسابات البحرية والأمنية، بينما تمثل إثيوبيا دولة محورية في ملفات إقليمية أخرى.

ماذا ينتظر السودان؟

ويبقى تأثير الخطوة الأمريكية على السودان مرتبطاً بما إذا كان رفع العقوبات عن إريتريا سيظل إجراءً قانونياً لإنهاء عقوبات مرتبطة بمرحلة حرب تيغراي، أم سيتحول إلى بداية لمسار أوسع يشمل التعاون الدبلوماسي أو الأمني أو البحري والاستثمارات.

وفي حال تطور العلاقات الأمريكية الإريترية، فإن السودان سيكون من الدول المعنية مباشرة بأي تحولات في البيئة الاستراتيجية للبحر الأحمر، بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته الإقليمية وتشابكاته مع ملفات القرن الأفريقي.

وبذلك يجد السودان نفسه أمام مسارين متداخلين؛ أولهما الحرب الداخلية وتداعياتها على مستقبل الدولة، والثاني التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ورفع العقوبات عن إريتريا يرتبط بالمسار الثاني، وقد يمنح واشنطن أدوات إضافية للتعامل مع البيئة المحيطة بالسودان، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيراً تلقائياً في الموقف الأمريكي من الحرب السودانية.