ماغا تتقدّم فتتراجع تل أبيب.. هل يُنهي فانس “الاستثناء الإسرائيلي” العابر للإدارات الأميركية؟

ماغا تتقدّم فتتراجع تل أبيب.. هل يُنهي فانس

Loading

من إيران إلى المكتب البيضاوي، يتحرك فانس كصوت حاد داخل إدارة ترمب، واضعًا العلاقة مع إسرائيل أمام اختبار غير مألوف.

يعيد نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس ترسيم العلاقة مع إسرائيل على نحو غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين تل أبيب وواشنطن.

ثمة “أميركا أولًا” (ماغا)، وفانس من أبرز رموزها، ما يجعله يُعلي شأن المصالح الأميركية في علاقات بلاده مع أي “دولة” في العالم، ومن بينها إسرائيل.

وثمة ما هو أكثر تعقيدًا، ويتعلق بـ”النفوذ اليهودي” (اللوبي المؤيد لإسرائيل) لا الإسرائيلي وحسب في الولايات المتحدة، وجزء كبير منه يقوم على ما يمكن اعتباره “تابو” (حساسية) اتهام معاداة السامية، وعلى تغلغل لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “إيباك” في الكونغرس الأميركي بغرفتيه.

بدأ هذا النفوذ يتضعضع ويتعرّض لمساءلات وانتقادات غير مسبوقة، وإن كانت لا تزال خجولة، خلال العدوان الإسرائيلي غير المسبوق على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

ورغم أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل لا يمكن أن يتراجع بين ليلة وضحاها، فإن تيارًا يصعد في أروقة النخب الأميركية بات أكثر تحفظًا في علاقته بتل أبيب، ويرى أن دعمها “وجوديًا” لا يعني، في أي حال، التطابق مع سياساتها في الشرق الأوسط عندما تتعارض مع المصالح الأميركية.

ويبدو فانس، البالغ من العمر 41 عامًا، ممثّلًا لهذا التيار الذي يشق طريقًا مختلفًا، وقد يصبح أكثر تجذّرًا داخل الإدارات الأميركية، خاصة إذا ترشّح للانتخابات الرئاسية عام 2028 وفاز فيها.

ويبدو فانس (41 عامًا) ممثّلًا لهذا التيار الذي يشق طريقًا مختلفًا وقد يصبح متجذرًا داخل الإدارات الأميركية، خاصة إذا ترشّح للانتخابات الرئاسية عام 2028 وفاز فيها.

فهو يرى أنه ليس من الضروري أن تتطابق المصالح الأميركية مع الإسرائيلية، كما يرى أن انتقاد قرارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته لا يعني بالضرورة معاداة السامية.


فانس.. أميركا أولًا في مواجهة إسرائيل


في مقابلة تلفزيونية لافتة، شدّد فانس أخيرًا على ضرورة التمييز بين “كراهية اليهود” والاختلاف مع الساسة الإسرائيليين، قائلًا: 

“يجب أن نكون حذرين جدًا من وصف كل انتقاد بأنه كراهية لليهود”

وبناء على ذلك، اتهم فانس بعض داعمي إسرائيل داخل الولايات المتحدة بأنهم لا يميّزون بين مصالح واشنطن ومصالح تل أبيب، ويخلطون بين انتقاد حكومة معينة وكراهية اليهود.

ويقرّ فانس بأن إسرائيل تسعى، كغيرها من الدول، إلى التأثير في السياسة الأميركية، لكنه يرى أن “على القادة الأميركيين أن يكونوا حذرين للغاية فيما إذا كانوا يسعون لتحقيق أجندة تخدم مصالح الولايات المتحدة أم مصالح دولة أخرى”.



جي. دي. فانس خلال زيارة إلى إسرائيل في لحظة تشهد فيها العلاقة بين واشنطن وتل أبيب توترًا سياسيًا متصاعدًا – غيتي 

وجاءت تصريحات فانس هذه وسواها وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وتل أبيب عقب توقيع الولايات المتحدة مذكرة التفاهم مع طهران.

وأعلنت باكستان، ليل الأحد/الإثنين في الخامس عشر من الشهر الجاري، أن واشنطن وطهران توصلتا إلى اتفاق، أو مذكرة تفاهم، لإنهاء الحرب بينهما، بعد نحو ثلاثة أشهر ونصف على الهجوم الأميركي- الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.

ووُقعت مذكرة التفاهم على مرحلتين: إلكترونيًا، وخطيًا من بُعد، حيث وقّعها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في طهران، بينما وقّعها ترمب في قصر فرساي بفرنسا، حيث كان يشارك في قمة مجموعة السبع.



فانس وإسرائيل.. أين بدأ الافتراق؟ 

إيران تحدّد مستقبل فانس السياسي


قاد فانس الوفد الأميركي في المحادثات المباشرة مع طهران التي عُقدت الأحد الماضي في منتجع بورغنشتوك بسويسرا، ووصف المحادثات بـ”التاريخية”.

وقال إن الجولة السويسرية أرست أساسًا جيدًا للتوصل إلى اتفاق يضع حدًا نهائيًا للحرب في الشرق الأوسط، مضيفًا: “وضعنا أساسًا جديًا جدًا لاتفاق نهائي ناجح”. وأضاف:

“الاتفاق النهائي هو البيت. لم نبنِ البيت بعد، لكننا وضعنا أساسًا ناجحًا لبلوغ وضع جيد للشعب الأميركي”. 


يقود فانس المسار الأميركي المتصل بالمحادثات مع إيران، في رهان سياسي قد يؤثر على موقعه داخل معسكر ترمب – غيتي

وكان فانس قد قاد أول محادثات مباشرة مع طهران في إسلام أباد، يومي 11 و12 أبريل/ نيسان الماضي، لكنها انتهت بالفشل. 

ويمثل تولّيه قيادة الملف الإيراني رهانًا سياسيًا محفوفًا بالمخاطر بالنسبة إليه، إذ من شأن نجاح الاتفاق وديمومته أن يعززا مكانته السياسية، باعتباره مرشحًا محتملًا للانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2028.

هذا ما يفسّر، إلى جانب أسباب أخرى، دفاع فانس الكبير عن مذكرة التفاهم مع طهران التي أثارت غضبًا في صفوف القيادة الإسرائيلية. 

لكن فانس لم يترك الانتقادات الإسرائيلية تمر من دون رد قوي أحدث صدمة في تل أبيب.



إيران في حسابات فانس 

فانس لإسرائيل: لا تنسوا أننا حميناكم 


بُعيد توقيع مذكرة التفاهم مع طهران، حرص فانس على تذكير المسؤولين الإسرائيليين بأن ثلثي الأسلحة التي حمت إسرائيل في الآونة الأخيرة “مصنوعة بأيدٍ أميركية وبتمويل من دافعي الضرائب الأميركيين”، في تعبير نادر لا يردده عادة مسؤول أميركي بهذا الوضوح. وقال إن الرئيس ترمب هو “الرئيس الوحيد المتعاطف مع إسرائيل حاليًا”.

كما قال إنه لا يثق بأي دولة، بما في ذلك إسرائيل، عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الدولية والدبلوماسية.

وخلال مؤتمر صحفي في واشنطن، قال فانس إنه لو كان مكان أي عضو في الحكومة الإسرائيلية، لما أقدم على “مهاجمة الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم أجمع”.

فانس يحذر من تخريب الاتفاق مع ايران ويذكر إسرائيل ان الاسلحة الاميركية حمتها – رويترز

وخصّ فانس بالذكر، في مقابلة مع “نيويورك تايمز” ثم في إفادة قدّمها من البيت الأبيض، وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، متسائلًا: “ما هو مقترحكم تحديدًا؟ أنتم دولة تعدادها تسعة ملايين نسمة، ولا يمكنكم ببساطة أن تعتمدوا القتل كوسيلة لحل كل مشكلة أمن قومي”.

وأضاف: “رسالتنا للإسرائيليين وللجميع هي أننا نريد لعملية السلام هذه أن تكون في صالحهم”.

وكان بن غفير قد قال، بُعيد الاتفاق على مذكرة التفاهم، إن “اتفاق ترمب لا يُلزمنا”. وأضاف في منشور على منصة إكس أن إسرائيل ليست تابعة للولايات المتحدة، وأن تل أبيب ليست شريكًا في هذا الاتفاق.

وكان بن غفير قال بُعيد الاتفاق على مذكرة التفاهم إن “اتفاق ترمب لا يُلزمنا”، وأضاف في منشور على منصة إكس، أن إسرائيل ليست تابعة للولايات المتحدة، وأن تل أبيب ليست شريكًا في هذا الاتفاق.

من جهته، وصف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الاتفاق بأنه “سيء لنا وللعالم الحر كله”، وفق تعبيره، وكتب على منصة إكس: “علينا مواصلة حملتنا لإسقاط النظام الإيراني بأنفسنا وضمان عدم امتلاك طهران لسلاح نووي”.



رسائل فانس إلى إسرائيل 

عندما أهان الكنيست نائب ترمب


لم يزر فانس إسرائيل إلا مرة واحدة، في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بهدف تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة.

ولم يخرج فانس بانطباعات جيدة عن إسرائيل في تلك الزيارة، إذ قال إنه تعرّض خلالها لما وصفه بالإهانة الشخصية.

جي. دي. فانس خلال زيارة إلى إسرائيل في لحظة تشهد فيها العلاقة بين واشنطن وتل أبيب توترًا سياسيًا متصاعدًا – غيتي

ففي اليوم الثاني من زيارته، صوّت الكنيست الإسرائيلي لصالح مناقشة مشروعي قانون يهدفان إلى توسيع السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية، ما أثار غضب فانس الذي اعتبر التصويت استفزازيًا وغير مسؤول.

وقال: “إذا كان هذا التصويت مجرد مناورة سياسية، فهي مناورة سياسية غبية جدًا، وشعرت شخصيًا ببعض الإهانة جراء ذلك”، خاصة أن “سياسة إدارة ترمب هي أن الضفة الغربية لن تُضمّ إلى إسرائيل، وتلك هي سياستنا المستمرة”.


زيلينسكي وميونيخ.. فانس بنبرة الشرطي السيئ


يرى محللون أن تحدي إسرائيل لفانس، إذا حدث، ينطوي على مخاطر غير محسوبة، خاصة على ضوء سابقتي خطابه الاستعلائي للأوروبيين في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير/ شباط 2025، والمشادة الكلامية غير المسبوقة في تاريخ البيت الأبيض بين فانس والرئيس ترمب من جهة، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من جهة أخرى في الشهر نفسه.

يضاف إلى ذلك أنه مرشح محتمل للانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2028، ما يعني أن العداء معه قد تكون له عواقب وخيمة في حال فوزه بالانتخابات.

ويُعد الثامن والعشرون من فبراير/ شباط 2025 تاريخًا مفصليًا في صورة فانس وطموحه للعب دور “الشرطي السيئ”، إذ ظهر في صورة السياسي المتنمّر والعدواني الذي لا يقيم وزنًا لأحد عندما يتعلق الأمر بمصالح الولايات المتحدة.



28 فبراير.. يوم مفصلي في صورة فانس 

آنذاك، زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي البيت الأبيض، ولم يكن أحد يتوقع أن يتحول التوتر في اجتماعه مع الرئيس ترمب ونائبه فانس إلى واحد من أسوأ الاجتماعات المعلنة في تاريخ البيت الأبيض، خاصة أنه بُث على الهواء مباشرة وبحضور الصحافيين ووسائل الإعلام المعتمدة لدى البيت الأبيض.

خلال ذلك الاجتماع، طالب فانس زيلينسكي باللجوء إلى الدبلوماسية بدلًا من الحرب، فتحدث الأخير عن الانتهاكات الروسية للصفقات السابقة. عندها رد فانس، الذي كان يجلس على الأريكة المقابلة للرئيس الأوكراني، بهدوء في البداية، لكن بنبرة بدت مهينة لضيف البيت الأبيض.

قال فانس لزيلينسكي إن تصريحه “غير لائق”، وإن عليه أن يشكر ترمب.


“عليك أن تشكر الرئيس” 

بعد ذلك احتدم النقاش، وتدخّل ترمب بغضب بعدما قال زيلينسكي إنه رغم أن محيطًا يفصل بين الولايات المتحدة وأوروبا، فإن واشنطن “ستشعر” في المستقبل بما تعانيه كييف حاليًا.

قال ترمب بغضب وبصوت مرتفع: “لا تعرف ذلك. لا تقل لنا ما الذي سنشعر به. لا تقل لنا ما الذي سنشعر به”.

كما اتهم ترمب زيلينسكي بالمجازفة بحياة ملايين الأشخاص وبحرب عالمية ثالثة، وقال له: “ما تقوم به ينم عن عدم احترام لهذا البلد”.

وعندما سأل الرئيس الأوكراني ترمب إذا ما كان في إمكانه الرد، قال له ترمب: “كلا، كلا، لقد تكلمت كثيرًا. بلادك في مأزق كبير”.


فانس للأوروبيين: شريف جديد في المدينة


كان الاجتماع إهانة معلنة وغير مسبوقة، وجّه خلالها الرئيس ترمب ونائبه فانس سيلًا من الانتقادات الحادة للرئيس الأوكراني، ما كرّس صورة فانس باعتباره المدافع عن ترمب، و”الشرطي السيئ”، والسياسي الذي لا يتردد في الهجوم عندما يقتضي الأمر.

وفعل فانس ذلك في مناسبات أخرى، منها خطابه الاستعلائي في مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث دعا الأوروبيين إلى فرض قيود على الهجرة، وقال إن “لدينا شريفًا جديدًا في المدينة”، في إشارة إلى الرئيس ترمب.



ألقى فانس خطابا في مؤتمر ميونيخ للامن دعا فيه الاوروبيين للتشدد في ملف الهجرة – غيتي 

ويُعد فانس، البالغ 41 عامًا، واحدًا من أصغر نواب الرئيس في تاريخ الولايات المتحدة. وقد تولى دورًا مختلفًا للغاية عن نائب ترمب في ولايته الأولى، مايك بنس، الذي كان يلزم الصمت غالبًا كلما تحدث ترمب.

وحقق فانس، الذي درس الحقوق في جامعة يال العريقة رغم أنه وُلد لعائلة متواضعة الحال، شهرة واسعة بفضل كتاب عن نضالات الأميركيين البيض من الطبقة العاملة، قبل أن يتجه إلى السياسة.

وخدم فانس في صفوف مشاة البحرية الأميركية خلال حرب العراق، لكنه بنى رصيده السياسي على مناهضة التدخل العسكري الأميركي في الخارج، والسعي إلى إبعاد واشنطن عن أي حروب جديدة، وكان من أشد المعارضين للحرب على إيران.



ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، فقد جاهر فانس، خلال النقاشات التي سبقت الحرب على إيران، بمواقف مناهضة للعمل العسكري، محذرًا من أنه قد يسبّب فوضى إقليمية ويُحدث انقسامًا داخل القاعدة الشعبية المؤيدة للرئيس ترمب.

وكلّفه ترمب قيادة أول محادثات مع إيران خلال الحرب عليها، والتي عُقدت في العاصمة الباكستانية إسلام أباد يومي 11 و12 أبريل/نيسان الماضي، كما كلفه بذلك في المحادثات الأخيرة في سويسرا، ما جعل مصيره السياسي يرتبط بالحرب والسلام مع طهران.



داخل إدارة ترمب، يبدو فانس أكثر ارتباطًا بملف إيران، في مقابل حضور أقل وضوحًا لروبيو في هذا المسار – غيتي

 


يبدو أن فانس يعي، أكثر من غيره، أن التوصل إلى صفقة طويلة الأمد مع طهران من شأنه زيادة حظوظه في انتخابات الرئاسة عام 2028، على حساب وزير الخارجية ماركو روبيو الذي لم يقم بأي دور بارز في الملف الإيراني.

هذا وسواه ربما جعلا فانس أكثر حدّة وعدوانية من ترمب أو أي من أركان إدارته إزاء أي محاولة لتخريب الاتفاق الأخير مع إيران، حتى لو كانت من جانب إسرائيل نفسها، التي تتمتع بامتياز خاص في الولايات المتحدة عابر للإدارات.

امتياز يبدو أنه لم يعد بمثل القوة التي كان عليها منذ عقود.