ما هى متطلبات إعادة الإعمار الاقتصادية والسياسية المستدامة بعد انتهاء النزاعات؟ (المقال 14 – 17)

ما هى متطلبات إعادة الإعمار الاقتصادية والسياسية المستدامة بعد انتهاء النزاعات؟ (المقال 14 – 17)

Loading

على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثاً أكاديمياً في قضايا الحرب والسلام وآثارهما الاقتصادية والسياسية. وانطلاقاً من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالاً مبسّطاً للقارئ العام، تُنشر تباعاً في عدد من وسائط الإعلام السودانية؛ مساهمةً في حوار وطني قائم على المعرفة والأدلة، ومستفيد من تجارب الأمم ومن التاريخ السوداني.وتتناول السلسلة: أولاً، أسباب الحروب الأهلية وآثارها؛ ثانياً، سبل إنهائها وبناء السلام؛ ثالثاً، ما تخلّفه من دمار اقتصادي وتقويض للدولة؛ ورابعاً، متطلبات إعادة الإعمار المستدامة؛ مع استخلاص الدروس ذات الصلة بالسودان.
إبراهيم البدوي عبد الساتر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابعاً، ما هى متطلبات إعادة الإعمار الاقتصادية والسياسية المستدامة بعد انتهاء النزاعات؟ (المقال 14 من 17)

ما تعلّمناه من دراسة الحرب السورية عن إعادة الإعمار بعد الحرب:لماذا يُعدّ السلام أهم سياسة اقتصادية؟مِمّا ينغّصُني في أَرضِ أَندَلُسٍ سَماعُ مُعتَصِمٍ فيها وَمُعتَضِدِأَسماءُ مَملَكَةٍ في غَيرِ مَوضِعِها كالهِرِّ يَحكي اِنتِفاخاً صَولَةَ الأَسَدِ
يحمل الحديث عن سوريا، بالضرورة، دروساً وعِبراً أبلغ وأخطر مما تقدمه مقاربة النمو والاقتصاد السياسي التي نتناولها في هذا المقال، على أهميتها، كما سنبيّن لاحقاً. فمصير دكتاتور الشام المخلوع، الذي تقمّص دور المعتصم والمعتضد، وتوهّم نفسه أسداً حقيقياً، فزيّن له هذا الوهم رفض إرادة شعبه، بل فرض عليهم حرباً عدوانية مدمرة – جديرٌ بأن يتأمله حكام الأمر الواقع وأمراء الحرب في بلادنا المنكوبة، الذين ما فتئوا يسيرون على خطاه حذو النعل بالنعل.
ينطلق هذا المقال من سؤال مركزي: هل تستطيع اقتصادات البلدان الخارجة من الحروب الأهلية التعافي بعد هذا القدر الهائل من الدمار؟ غير أن السؤال الأهم يتعلق بمدة التعافي وشروطه: ما الذي يحدد ما إذا كان سيستغرق عقداً واحداً أم يمتد جيلاً كاملاً؟كانت هذه الأسئلة هي الدافع وراء دراستى المشتركة مع إثنين من الزملاء بمجموعة أبحاث التنمية التابعة للبنك الدولى عن: “النمو في سوريا: الخسائر الناجمة عن الحرب والانتعاش المحتمل في أعقابها” المنشورة عام 2021، أى قبل إنتهاء الحرب السورية وسقوط نظام الأسد بنحو ثلاثة أعوام (وسيرد التوثيق الكامل للورقة في نهاية هذا المقال). قدّمت الورقة نموذجاً يحاكي الأثر الكلي لمحركات النمو الاقتصادي، بهدف تقدير الآثار الاقتصادية للحرب الأهلية السورية واستكشاف المسارات المحتملة للتعافي بعد توقف القتال. ولم تكتفِ الدراسة بتوثيق حجم الدمار، بل سعت إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة مترابطة: كيف كان سيبدو الاقتصاد السوري لو لم تندلع الحرب؟ وما العوامل التي تفسر انهياره خلالها؟ وما مدى سرعة تعافيه في ظل تسويات سياسية مختلفة بعد انتهائها؟
ورغم أن الدراسة تركز على سوريا، فإن نتائجها تحمل دروساً بالغة الأهمية للسودان ولغيره من البلدان التي تمر بحروب أهلية أو تحاول الخروج منها. فالسلام، وفقاً لهذه النتائج، ليس مجرد هدف سياسي أو إنساني؛ بل هو أهم سياسة اقتصادية يمكن أن تتبناها دولة مزقتها الحرب.
سوريا التي لم تكن:بدأت الدراسة ببناء مسار افتراضي لسوريا لم تتصاعد فيها انتفاضة عام 2011 لتتحول إلى حرب أهلية. وباستخدام نموذج للنمو طويل الأجل(Long-term Growth Model: LTGM) ، قدّرت الدراسة الكيفية التي كان يمكن أن يتطور بها الاقتصاد السوري لو استمرت اتجاهات النمو السائدة قبل الحرب. وتكشف النتائج حجم ما فقدته سوريا، لا بسبب الدمار المباشر وحده، بل أيضاً بسبب توقف التنمية التي كان يمكن أن تتحقق. فبدلاً من الانهيار، كان الاقتصاد السوري سيواصل النمو بمعدل سنوي يقارب 5.3 في المائة خلال الفترة من 2011 إلى 2018. وكان الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سيرتفع من نحو 60 مليار دولار في عام 2010 إلى قرابة 91 مليار دولار بحلول عام 2018، بينما كان متوسط دخل الفرد سيزداد من 2,857 دولاراً إلى نحو 3,800 دولار. وتوضح هذه الأرقام أن الكلفة الاقتصادية الحقيقية للحرب لا تُقاس فقط بقيمة البنية التحتية والأصول الإنتاجية التي دُمرت، بل تشمل أيضاً الفرص التي لم ترَ النور: المصانع التي لم تُبنَ، والمدارس التي لم تُفتتح، والشركات التي لم تُنشأ، والاستثمارات التي لم تُنفذ، وملايين الشباب الذين تعطلت حياتهم التعليمية والإنتاجية. ويعبّر الاقتصاديون عن ذلك بمفهوم ” كلفة الفرص الضائعة بسبب الحروب والنزاعات”، أي الفارق بين المسار الفعلي للاقتصاد في ظل الحرب والمسار الذي كان يمكن أن يسلكه لو استمر السلام. وبهذا المعنى، لا تدمر الحرب الثروة القائمة فحسب، بل تبدد كذلك الثروة المستقبلية التي كان يمكن للمجتمع أن ينتجها.
تشريح الانهيار الاقتصادي السوري:
لم تكتفِ الدراسة برصد التراجع الحاد في الناتج المحلي الإجمالي، بل سعت إلى تحديد القنوات التي انتقلت عبرها آثار الحرب إلى الاقتصاد. فبين عامي 2011 و2018، انكمش الاقتصاد السوري بمتوسط سنوي يقارب 12 في المائة، حتى تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو ثلث مستواه السابق للحرب.
وعند مقارنة هذا المسار الفعلي بالمسار الافتراضي في غياب الحرب، تقترب الخسائر التراكمية من 300 مليار دولار خلال تلك السنوات الثماني:
• وكان تدمير رأس المال المادي العامل الأكبر في هذا الانهيار، إذ مثّل نحو 64 في المائة من إجمالي التراجع. فقد دُمرت المصانع والطرق وشبكات الكهرباء والمستشفيات ونظم الري والمساكن، أو تعطلت وأصبحت خارج دائرة الإنتاج، في حين اختفت الاستثمارات الجديدة تقريباً في ظل انعدام الأمن وارتفاع المخاطر.
• وجاء انهيار قوة العمل في المرتبة الثانية. فقد فر ملايين السوريين إلى الخارج أو نزحوا داخل البلاد، بينما قُتل مئات الآلاف أو أصبحوا عاجزين عن المشاركة في النشاط الاقتصادي. وأسهمت الخسائر الديموغرافية وتراجع حجم قوة العمل بنحو 15 في المائة من الانهيار الاقتصادي.
• كما أدى تدهور رأس المال البشري إلى نحو 7 في المائة إضافية من الخسائر. فقد أُغلقت المدارس، وفقد ملايين الأطفال سنوات من التعليم، وتعطلت الجامعات ومؤسسات التدريب، وهاجر الأطباء والمهندسون والمعلمون وأصحاب المهارات. وهذه خسارة لا تظهر آثارها كاملة في الحسابات الآنية، لأنها تضعف القدرة الإنتاجية للمجتمع لعقود لاحقة.
• أما النسبة المتبقية، التي قاربت 13 في المائة، فارتبطت بانخفاض الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وهي المقياس الذي يعكس جودة المؤسسات وكفاءة الأسواق ومستوى التكنولوجيا وفاعلية الجمع بين رأس المال والعمل. فمع انهيار مؤسسات الدولة، وتجزؤ الأسواق، وتعطل سلاسل الإمداد، وانتشار اقتصاد الحرب، تدهورت قدرة الاقتصاد على استخدام موارده المتبقية بكفاءة.
ويكشف هذا التشريح أن الحرب تدمر الاقتصادات من خلال قنوات متعددة ومترابطة. ولهذا السبب لا يمكن اختزال إعادة الإعمار في تشييد ما تهدم.

السياسة أهم من الهندسة لنجاح إعادة الإعمار والتعافى الاقتصادى:
تكمن المساهمة الأكثر أصالة للدراسة في محاكاتها لمسارات التعافي المحتملة. فبدلاً من الاقتصار على تقدير الأموال اللازمة لإعادة تشييد البنية التحتية، طرحت سؤالاً أكثر جوهرية: ما نوع التسوية السياسية المطلوبة لكي تنجح إعادة الإعمار؟
وللإجابة عن هذا السؤال، قارنت الدراسة بين ثلاثة سيناريوهات مستقبلية. يفترض السيناريو الأول تسوية قابلة للتطبيق، أطلقنا عليها “سوتشي +”، تقوم على اتفاق سياسي محدود نسبياً برعاية روسيا وإيران وتركيا، وبمشاركة محدودة من الأمم المتحدة، انبثق من اجتماعات عُقدت في مدينة سوتشي الروسية(1). ويفترض السيناريو الثاني تسوية سياسية قوية وشاملة تتمتع بشرعية محلية واسعة وتحظى بتعاون ودعم دوليين كبيرين. أما السيناريو الثالث فيفترض قيام توازن هش على الأرض، تتوقف في ظله العمليات القتالية النشطة إلى حد كبير، لكن الانقسامات السياسية تظل من دون حل وتبقى البلاد تحت سلطات أمر واقع بين عدة كيانات مسلحة متشاكسة تتقاسم الأرض والموارد والسلطة.وترجمت الدراسة هذه السيناريوهات السياسية إلى افتراضات اقتصادية تتعلق بحجم تمويل إعادة الإعمار، وتدفقات الاستثمار الخاص، وعودة اللاجئين، وتحسن التعليم ورأس المال البشري، والإصلاح المؤسسي، ونمو الإنتاجية. وأظهرت النتائج أن طبيعة التسوية السياسية لا تحدد فقط شكل النظام الذي يعقب الحرب، بل ترسم أيضاً مسار الاقتصاد وسرعة تعافيه.ففي ظل السيناريو المتفائل القائم على تسوية قوية وشاملة، يمكن أن ينمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 8.2 في المائة سنوياً على مدى عقدين. وفي السيناريو المعتدل، ينخفض متوسط النمو إلى نحو 6.1 في المائة. أما في السيناريو المتشائم القائم على سلام هش ومؤسسات ضعيفة، فلا يتجاوز النمو نحو 3.1 في المائة سنوياً. والأكثر دلالة هو التفاوت الكبير في مدة التعافي؛ فبحسب جودة التسوية السياسية قد تحتاج سوريا إلى ما بين 10 و20 عاماً لمجرد استعادة مستوى الناتج المحلي الإجمالي السابق للحرب، بينما قد تستغرق استعادة مستوى دخل الفرد السابق للحرب ما بين 10 و30 عاماً. وهذا يعني أن اتفاقاً سياسياً هشاً قد يضيف عقداً أو عقدين إلى معاناة المجتمع الاقتصادية، حتى لو نجح في خفض حدة القتال.