ما وراء الخبر ـ محمد وداعة يكتب : البرهان.. حديث الجيش (1)

ما وراء الخبر  ـ محمد وداعة يكتب : البرهان.. حديث الجيش (1)

Loading

البرهان: بدأتُ حوارًا مع القوى الوطنية التي ساندت الدولة لإشراكها في استكمال مؤسسات الحكم.

البرهان: مجموعة وطنية من أبناء السودان تداعت من تلقاء نفسها لإطلاق مبادرة الحوار السوداني.

البرهان: الدولة ليست الجهة المنظمة للحوار أو المحددة لأجندته أو مخرجاته، احترامًا لاستقلاليته.

البرهان: الإجراء الذي تتخذه الدولة في مواجهة أيٍّ من المشاركين في الحوار لا يُعد عفوًا، وإنما وقفًا للإجراءات الجنائية.

البرهان: وقف الإجراءات ضد المشاركين في الحوار يمثل حصانة مؤقتة، ولا يُسقط حقوق أصحاب البلاغات.

البرهان: حماية قانونية لآراء ومواقف المشاركين في الحوار.

البرهان: تجاوز هذه المحنة لا يكون إلا بحوار سوداني خالص، ينطلق من الداخل ويستوعب جميع القوى السياسية والمجتمعية، ويضع معاناة المواطن وحقه في السلام في صدارة أهدافه.

في عيد الجيش، قال رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة:

««عزمنا الصادق وتوجهنا البين في مقاتلة ودحر المليشيا المتمردة لا يعني غض الطرف عن أي مبادرة صادقة للسلام، فسعينا لذلك لم ينقطع منذ الشهور الأولى للتمرد، لكن لن نرضى بسلام منقوص أو سلام يعيد المجرمين والقتلة ومليشيا آل دقلو ومسانديها إلى السلطة أو المشاركة فيها. فكان موقفنا واضحًا منذ مايو 2023م بأن الطريق إلى السلام يبدأ بأن تضع هذه المليشيا السلاح وتتجمع في مناطق محددة، ويعود المواطنون إلى مناطقهم، وتعود الحياة إلى طبيعتها، مع الخدمات والتأمين والحماية والرقابة، ومن ثم يُنظر في أمر المقاتلين غير المجرمين».»

أما في الشأن السياسي، وإنصافًا للقوى الوطنية والفئوية التي ساندت الدولة السودانية ودعمت وحدتها ومؤسساتها، فقد بدأتُ معها حوارًا بصدد إشراكها في إكمال مؤسسات الحكم في الدولة (المجلس التشريعي)، وهو استحقاق دستوري. وقد دفعت هذه القوى، مع القوات المسلحة وكل الشعب السوداني، ثمنًا باهظًا، ووقفت جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة، رغم حدة الانقسام السياسي والتطرف الفكري في قضايا السودان المختلفة والمختلف عليها بين القوى السياسية والمجتمعية، التي ما فتئت تجتمع وتنفض بين عواصم الدول، ويأتمر بعضها بتوجيهات وأجندات غير وطنية.

وفي ظل هذا الواقع السياسي المأزوم، بادرت مجموعة وطنية من أبناء وبنات السودان، وتداعت من تلقاء نفسها لإطلاق مبادرة تقوم على قناعة راسخة بأن تجاوز هذه المحنة لا يكون إلا بحوار سوداني خالص، ينطلق من الداخل، ويستوعب جميع القوى السياسية والمجتمعية، ويضع معاناة المواطن وحقه في السلام في صدارة أهدافه.

وقد قدمت هذه المجموعة رؤيتها للعمل كآلية وطنية مستقلة تهيئ لحوار سوداني شامل، يهدف إلى توافق وطني جامع يضع بلادنا على طريق الاستقرار.

وقد التقيت هذه المجموعة، فاستعرضت رؤيتها، وشددت على استقلاليتها وانفتاحها على الجميع، وطلبت من الدولة جملة من الضمانات الضرورية لانعقاد الحوار وتيسير مشاركة أطرافه وحماية سلامتهم. وقد وافقت على هذه الضمانات، مؤكدًا استعداد الدولة لتوفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية اللازمة، دون أن تكون الدولة هي الجهة المنظمة للحوار أو المحددة لأجندته أو مخرجاته، احترامًا لاستقلاليته وحرصًا على صدقيته الوطنية.

أي حوار يتصل بالداخل لا يمكن أن يتجاهل الحاجة إلى ضمانات سياسية وقانونية وأمنية. وهذه الضمانات لا تعني أن الدولة تملك الحوار أو تحدد أطرافه أو ترسم أجندته أو تتحكم في مخرجاته أو تمثل رعاية سياسية له.

أولًا: من الضروري توضيح أن الإجراء الذي تتخذه الدولة في مواجهة أيٍّ من المشاركين في الحوار لا يُعد عفوًا، وإنما وقف الإجراءات الجنائية التي سبق أن اتخذتها الدولة في مواجهته. معلوم أنه لا يكون الحديث عن العفو واردًا، ذلك أن العفو بالمعنى القانوني الدقيق يفترض صدور حكم بالإدانة. ومن ثم، فإن إسقاط الاتهام لا ينبغي تصويره باعتباره إعفاءً من المسؤولية إذا ثبتت في حق الشخص، وإنما باعتباره إنهاءً لإجراءات جنائية لم تنتهِ بعد إلى إدانة.

ثانيًا: من المهم توضيح أن وقف الإجراءات في مواجهة المشاركين في الحوار، بالنسبة إلى البلاغات التي يكون الشاكي أو صاحب الحق فيها شخصًا أو جهة خاصة، لا يمثل إسقاطًا نهائيًا لحقوق ذلك الطرف، وإنما يشكل حصانة مؤقتة تقتضيها ضرورة تهيئة الظروف الملائمة للحوار وضمان مشاركة أطرافه دون خشية من اتخاذ إجراءات قانونية تعوق مشاركتهم. ولا يكون لهذه الحصانة الإجرائية المؤقتة أثر على الحقوق الموضوعية للأطراف المعنية أو على النتيجة النهائية للإجراءات، ومتى زال سبب وقفها استؤنفت وفقًا للقانون.

ثالثًا: الحصانة عن الآراء والمواقف التي تُطرح أثناء الحوار تتضمن الضمانات للمشاركين في الحوار حصانة قانونية كاملة ودائمة تحول دون اتخاذ أي إجراءات جنائية أو مدنية أو إدارية ضد أي مشارك بموجب أي قانون، متى كان أساس تلك الإجراءات رأيًا أو موقفًا أو مقترحًا أو قولًا صدر عنه في إطار جلسات الحوار أو بمناسبتها.

وتمتد هذه الحماية إلى ما يدلي به المشاركون بحرية أثناء المناقشات، بحيث لا يجوز استخدام أقوالهم أو آرائهم التي عبروا بها في الحوار أساسًا لفتح بلاغ أو إقامة دعوى أو اتخاذ أي إجراء قانوني ضدهم مستقبلًا.

والغرض من هذه الحصانة هو ضمان حرية وصراحة الحوار، وتمكين المشاركين من التعبير عن آرائهم ومواقفهم دون خوف من أن تتحول مشاركتهم في الحوار أو ما يصدر عنهم خلاله إلى مصدر للمساءلة القانونية.

إن نجاح الحوار لا يتوقف على توفير الضمانات للمشاركين فيه فحسب، وإنما يقتضي كذلك تهيئة مناخ عام تسوده الحريات، بما يتيح للمواطنين والقوى السياسية والمجتمعية، بمن فيهم غير المشاركين مباشرة في جلسات الحوار، التعبير بحرية عن آرائهم ومواقفهم بشأن القضايا المطروحة للنقاش.

فالحوار الوطني لا ينبغي أن يكون عملية مغلقة تقتصر على الأطراف الجالسة إلى مائدته، بل يجب أن يجري في فضاء عام مفتوح يسمح بتفاعل المجتمع معه، وإبداء الرأي في موضوعاته ومخرجاته، ونقدها أو تأييدها دون خوف أو تضييق.

نواصل: البرهان.. حديث السياسة

17 أغسطس 2026م