![]()
مجموعات تغادر الدعم السـ.ريع.. هل بدأ التآكل الداخلي أم أن وراء المشهد شيئاً آخر؟
متابعات – السودان الآن — تتواصل التحركات المعلنة لقيادات ومجموعات كانت ضمن قوات الدعم السريع، مع انتقال عدد منها إلى مناطق سيطرة الجيش وإعلان الانضمام إليه، في تطورات أعادت طرح تساؤلات حول طبيعة هذه التحركات وحجم تأثيرها الحقيقي على تماسك القوة.
وأعلن الجنرال موسى خمسين انضمام مجموعته إلى الجيش، قائلاً إن القوة وصلت إلى مناطق سيطرته قادمة من شمال دارفور، وإن اللواء النور أحمد القبة ساعد في تأمين مرورها إلى الخرطوم.
وقال خمسين إن قراره جاء بعد تراجع قناعته بمشروع «تأسيس» الذي تقوده قوات الدعم السريع وحلفاؤها.
وبحسب ما أوردته مصادر إعلامية، ضمت المجموعة مئات المقاتلين وعدداً من الضباط والمركبات، قبل وصولها إلى مناطق سيطرة الجيش، حيث بدأت إجراءات استيعاب المنضمين.
ورحب اللواء النور أحمد القبة بالقوة المنضمة، متوقعاً حدوث انشقاقات أخرى خلال الفترة المقبلة، وداعياً مقاتلي الدعم السريع في دارفور وكردفان إلى الالتحاق بالجيش.
وأعلن الجيش السوداني من جانبه استكمال المرحلة الأولى من إجراءات توفيق أوضاع أفراد انضموا حديثاً إلى صفوفه، وشملت أداء القسم والترتيبات الإدارية والأمنية، تمهيداً لتوزيعهم على وحداته، من دون الكشف عن العدد الإجمالي للمنضمين.
وقال اللواء الوليد عبد القادر عجبنا إن المنضمين الجدد «انحازوا إلى الدولة»، مؤكداً جاهزية الجيش لاستيعابهم.
وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من حالات الخروج من صفوف الدعم السريع خلال الفترة الماضية، أبرزها إعلان أبو عاقلة كيكل، قائد قوات «درع السودان»، انضمامه إلى الجيش في أكتوبر 2024.
وفي أبريل الماضي، غادر اللواء النور القبة صفوف الدعم السريع برفقة ثلاث مجموعات ومركبات وتجهيزات، بعدما كان يشغل موقعاً متقدماً في هيكل القيادة، وفق ما أُعلن حينها.
وفي مايو، أعلن القائد الميداني علي رزق الله المعروف بـ«السافنا» انشقاقه بعد مشاركته في عدد من الجبهات، بينما ظهرت حالات أخرى في كردفان.
وفي يونيو، أعلن ضيف الله آدم، القائد الثاني للمجموعة القتالية الرابعة في النيل الأزرق، انضمامه إلى الجيش، عازياً قراره إلى ما وصفه بـ«غياب القضية والهدف».
لكن تكرار هذه الحالات لا يعني بالضرورة أن جميعها تمثل النوع نفسه من الانشقاق، إذ إن انتقال مجموعة مسلحة إلى مناطق سيطرة الجيش قد يكون نتيجة قرار مستقل بالانفصال، أو نتيجة تسوية واستسلام، أو ثمرة اتصالات وتفاهمات سبقت الإعلان عن الانضمام.
وتبرز هذه النقطة بشكل خاص مع وجود حالات أعلنت فيها مجموعات انتقالها إلى الجيش بعد اتصالات وترتيبات مسبقة، وهو ما يجعل وصف جميع التحركات بأنها «انشقاقات مفاجئة» بحاجة إلى قدر من التحفظ، في ظل غياب معلومات مستقلة تكشف طبيعة كل حالة على حدة.
وفي حالة موسى خمسين، لم تظهر أدلة موثوقة تثبت أن المجموعة كانت تعمل أصلاً لصالح الجيش من داخل الدعم السريع، كما لا توجد أدلة منشورة تثبت أنها كانت «عناصر مزروعة» قبل إعلان خروجها.
وفي المقابل، ظهرت روايات مضادة تشكك في بعض تفاصيل العملية وحجم القوة المنضمة، وتتهم قيادات فيها بممارسات أخرى، إلا أن هذه الاتهامات لا تشكل بحد ذاتها دليلاً على وجود ارتباط سري سابق بالجيش.
وتعقّد هذه الروايات المتباينة إمكانية إصدار حكم نهائي بشأن طبيعة الظاهرة، خصوصاً أن طرفي النزاع لديهما مصلحة سياسية وعسكرية في تقديم حالات الانضمام والانشقاق بطريقة تخدم روايتهما عن تماسك قواتهما وقدرتهما على الاستقطاب.
ولم تقتصر التحركات على الجانب العسكري، إذ امتدت إلى شخصيات سياسية مرتبطة بتحالف «تأسيس»، من بينها استقالة فارس النور، المستشار السابق لقائد الدعم السريع، من منصبه ومن عضوية المجلس الرئاسي، إلى جانب استقالة حمد محمد خليفة، الحاكم المعيّن لإقليم كردفان، خلال أغسطس.
ويرى الصحافي عثمان ميرغني أن تكرار الانشقاقات يعكس، بحسب تقديره، تراجع القناعة بالمشروع السياسي داخل الدعم السريع، مشيراً إلى أن استقبال الجيش للمنضمين قد يشجع آخرين على اتخاذ الخطوة نفسها.
وفي المقابل، تحدث اللواء أحمد قجة، أحد قادة الدعم السريع، عن وجود ما وصفه بـ«طابور خامس» داخل القوة وتحالفها السياسي، وقال إن معلومات لديهم تشير إلى شبهات بشأن ولاءات نحو 50 في المائة من المستشارين السياسيين، من دون تقديم أدلة علنية تؤكد هذه النسبة.
ورغم هذه التطورات، لا تزال قوات الدعم السريع قادرة على تحريك وحداتها وتنفيذ عمليات في أكثر من جبهة، بما في ذلك شمال كردفان والنيل الأزرق، وفق روايات متباينة من طرفي النزاع، الأمر الذي يجعل الحديث عن انهيار وشيك للقوة استنتاجاً سابقاً لأوانه.
وقال المقدم المتقاعد الطيب المالكابي إن التأثير الفعلي لأي انشقاق يرتبط بوزن القائد المنشق وحجم القوة التي ترافقه، إضافة إلى قدرة الدعم السريع على تعويض العناصر التي تفقدها، لكنه اعتبر تكرار الظاهرة مؤشراً غير إيجابي بالنسبة إلى القوة.
وبالتالي، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بعدد المنشقين، وإنما بطبيعة كل حالة: هل نحن أمام انشقاقات ناتجة عن تراجع القناعة والولاء، أم عمليات استقطاب وتسويات يجري الإعداد لها مسبقاً، أم مزيج من الحالتين؟
وحتى الآن، لا تكفي المعلومات المتاحة لإثبات أن العناصر المنضمة إلى الجيش كانت تعمل سراً لصالحه من داخل الدعم السريع، كما لا تكفي في المقابل لإسقاط احتمال وجود اتصالات أو ترتيبات سابقة في بعض الحالات.
ويبقى تأثير هذه التحركات مرتبطاً بحجم القوات التي ترافق القيادات المنسحبة، ومواقعها داخل الهيكل العسكري، وقدرة الدعم السريع على تعويضها، إضافة إلى ما إذا كانت موجة الانتقال ستتوسع خلال الفترة المقبلة أم ستظل حالات متفرقة يمكن احتواؤها.